عرض مشاركة واحدة
قديم 12-11-2008, 12:19 PM   رقم المشاركة : 6
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :77
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه . وبعد . . ،




أصول الأسرة الزنكية :


ينتمي عماد الدين بن آق سنقر بن عبدالله آل ترغان إلى قبائل (السبا يو) التركمانية وقد حظي والده أبو سعيد آق سنقر الملقب بقسيم الدولة، والمعروف بالحاجب ، باهتمام المؤرخين بسبب الدور الذي لعبه على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية للدولة السلجوقية ، وكان آق سنقر من أصحاب السلطان ملكشاه الأول و أترابه ، وقيل إنه كان لصيقه، ومن أخصَّ أصدقائه ، فقد نشأ الرجلان وترعرعاً معاً، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجباً له، وحظي عنده فكان من المقرّبين وأنسن إليه، ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته .


أولاً : مكانة آق سنقر عند السلطان ملكشاه :


من أقوى الدلائل على الحظوة التي حازها آق سُنقُر عند السلطان، منحه لقب "قسيم الدولة"، وهذا يعني الشريك، وكانت الألقاب في تلك الآونة مصونة لا تعُطى إلا لمستحقيها ويبدو أنه قاسم ملكشاه شؤون الحكم والإدارة، بالإضافة إلى ذلك، فإن آق سُنْقُر كان يقف إلى يمين سدة السلطنة ولا يتقدمه أحد، وصار ذلك أيضاً لعقبه من بعده .

والراجح أن منح آق سُنقُر هذه اللقب يعود إلى ثلاثة أسباب :


1- محبة السلطان ملكشاه له ودعمه أياه.

2- انتسابه إلى قبيلة تركية لها مكانتها وأهميتها بين القبائل السلجوقية الحاكمة، وأنه كان ذا مكانة رفيعة فيها.

1- أنه أدّى خدمات جليلة لمكشاه، استحقت منحه هذا اللقب .


واشترك أق سنقر إلى جانب السلاجقة في معارك عديدة، فقد سيره ملكشاه عام 477ﻫ مع عميد الدولة بن فخر الدولة في محاولة للاستيلاء على الموصل وطرد العقيليين منها، وقد تمكنا من إنجاز هذه المهمة ، وبعد مرور سنتين اشترك مع السلطان ملكشاه في انتزاع حلب من نواب العقيليين فولاه إياها تقديراً لجهوده وقد تسلم آق سنقر منصبه في حلب وأعمالها، كمنيع واللاذقية وكفر طاب واستطاع أن يوسع نطاق ولايته بالاستيلاء على حمص عام 483ﻫ، وحصن أفاميه عام 484ﻫ. كما فرض طاعته على صاحب شيرز عام 481ﻫ، وفي عام 485ﻫ اشترك مع ملكشاه في مهاجمة العقيليين والانتصار عليهم قرب الموصل وظلت علاقة آق سنقر بالسلطان ملكشاه قائمة على الطاعة والتفاهم المشترك، ولم يسع يوماً إلى الخروج على أوامره ورفض السلطان بدوره الاستجابة لشكاوى معارضي آق سنقر أو إقرار مساعيهم للتخلص منه .



ثانياً : سياسة آق سنقر في حلب الداخلية :


بدأت، مع تولي آق سنقر الحكم في حلب، مرحلة جديدة من حكم السلاجقة المباشر لهذه المدينة، وانتهى حكم القبائل العربية لهذه الإمارة وأزيحت عن مسرح الأحداث في شمالي بلاد الشام، ويُعدُّ سُنْقُر أول حاكم سلجوقي لإمارة حلب بعدما كانت سنوات طويلة من التمزق والحروب بين القبائل العربية فيما بينها، ثم بينها وبين التركمان القادمين من الشرق، ودام حكمه ثماني سنوات تقريباً كانت مرحلة هامة في تاريخ الإمارة والمنطقة بفعل أنها أحدثت تغييرات أساسية شملت كل جوانب الحياة ، لقد تسلم آق سُنقر الحكم في ظل حالة من الفوضى التامة بفعل عاملين دخلي وخارجي، يتمثل الأول بصراع الحكام، وتدبيرهم المؤامرات، واستعانتهم بالقوى الكبرى في المنطقة كالخلافة العباسية في بغداد، والدولة الفاطمية في مصر بالإضافة إلى الدولة السلجوقية الجديدة الطامعة في التوسع في المنطقة هي :


1- قوة القبائل العربية البدوية وبخاصة الكلابيين العقيليين والمرداسيين لاستعادة نفوذها المسلوب.

2- قوة التركمان المدمرة التي كانت تغير على المنطقة.

3- قوة الدولة البيزنطية التي كانت تستغل الصراعات الداخلية لاستعادة نفوذها المفقود.


شهدت حلب نتيجة ذلك أوضاعاً من عدم الاستقرار السياسي انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية فيها في خضم هذه الصراعات، تغافل الحكام عن الاهتمام بالشؤون الداخلية للسكان، كما أهملوا تطوير الحياة الاقتصادية، مما أدَّى إلى تراجع واردات البلاد وعمدوا إلى استنزاف السكان بفرض ضرائب أخرى وأتاوات باهظة، كلما أعوزهم المال، حتى أثقلوا كاهلهم، فتذمروا من سوء الأوضاع، وكثر انتشار اللصوص وقطاع الطرق، مما أدَّى إلى انعدام الأمن على الطرق، فتعطلت الحركة التجاري، وقلَّت السلع في الأسواق، وتراجعت موارد الزراعة لعدم تمكُّن الفلاحين من القيام بالحرث والزرع وجني المحصول فبرزت في هذه الظروف الصعبة، منظمة الأحداث التي أخذت على عاتقها رعاية مصالح أفرادها ومقاومة التعديات الخارجية وضع آق سنقر نصب عينيه هدفاً راح يعمل على تحقيقه، تمثل في إعادة الأمور إلى نصابها ولذلك شرع في :

1- إقامة الحدود الشرعية وطارد اللصوص وقطاع الطرق وقضى عليهم وتخلص من المتطرفين في الفساد، كما قضى على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد، وعامل أهل حلب بالحسنى حتى " توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر " .

2- كتب إلى عمال الأطراف، لم يكتف آق سُنقُر بحصر تدابيره الإصلاحية في حلب بل كتب إلى عمال الأطراف التي خضعت لحكمه أن يحذو حذوه، وتابع أعماله بنفسه.

3- وأقرّ قسيم الدولة مبدأ المسؤولية الجماعية، فإذا تعرض أحد التجار للسرقة في قرية ما، أو إذا هوجمت قافلة أو نهبت، فإن أهل القرية التي جرت الحادثة فيها يكونون مسؤولين جماعياً عن دفع قيمة الضرر اللاحق بهؤلاء ونتيجة لهذا المبدأ، هبَّ سكان القرى لمساعدة الحكام في فرض الأمن، فإذا وصل تاجر إلى قرية أو مدينة، وضع أمتعته وبضاعته إلى جانبه ونام وهو مطمئن، بحراسة أهلها، وهكذا شارك السكان بتحمل المسؤولية في حفظ الأمن حتى أمنت الطرق، وتحدث التجار والمسافرون بحسن تدابيره وسيرته .


ونتيجة لاستتباب الأمن في كافة أرجاء إمارة حلب، نشط التجارس، وامتلأت الأسواق بالبضائع الواردة إليها من كل الجهات واستقر الوضع الاقتصادي، وتداعى الناس إليها للكسب فيها والعيش برغد. وقد اعترف المؤرخون بحسن سياسة آق سُنقُر الداخلية، والأمنية، وأجمعوا على مدحه.

- قال ابن القلانسى : وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين، فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر ... فعمرت السابلة للمترددين من السفار وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار .

- وقال ابن واصل : ورخصت الأسعار في أيام الأمير قسيم الدولة وأقيمت الحدود الشرعية، وعمرت الطرقات وأمنت السبل، وقتل المفسدون بكل فج، وكان كلما سمع بمفسد أو بقاطع طريق أمر بصلبه على أبواب المدينة .

- وقال ابن الأثير : ... وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظاً لهم، وكانت بلاده بين رخص عام، وعدل شامل وأمن واسع .

- وقال عنه ابن كثير : .. بأنه كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة وكان الرعية في أمن وعدل ورخص .

وأما من حيث إنجازاته العمرانية، فقد جدَّد عمارة منارة حلب بالجامع عام (482ﻫ/1089م) واسمه منقوش عليها إلى اليوم وفي ذلك قصة لطيفة ذكرها بن واصل مفادها : في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أسس القاضي أبو الحسن بن الخشاب منارة حلب، وكان بحلب بيت معبد نار، قديم العمارة، وصار بعد ذلك أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته، وبنى بها المنارة، فأنهى بعض حُسَّاده إلى الأمير قسيم الدولة خبره، فغضب على القاضي ابن الخشاب، وقال : هدمت معبداً هو لي وملكي فقال : أيها الأمير، هذا، معبد للنار، وقد صار أتوناً ، فأخذت حجارته لأعمَّر بها معبداً للإسلام، يُذكر فيه الله وحده لا شريك له وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك، فإن رسمت غرمت ثمنه لك، ويكون الثواب لي، فعلّت فأعجب الأمير كلامه، واستصوب رأيه وقال : بل الثواب لي، وأفعل ما تريد فشرع في عمارة المنارة في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة .




ثالثاً : سياسته الخارجية :


عادت سياسة أق سنقر الحازمة بنتائج هامة على المنطقة، فساد الأطمئنان، وأمنت الطرق وانتشر العمران، فانتعشت التجارة، وقد بلغ من سيطرة آق سنقر على الأمن في قرى حلب وضياعها أن أرسل من ينادي فيها أن لا يغلق أحد بابه، وأن يتركوا آلاتهم الزراعية في أماكنها ليلاً ونهاراً ، ومن ثم جاءت شهرته بناء على ما أنجزه في هذا المجال وبعد أن نظم قسيم الدولة إمارته الداخلية، وحقَّق الأمن والاستقرار أراد أن يقوم بدور خارجي وكانت بلاد الشام، عبر تاريخها، عرضه للنزاعات من أجل السيطرة بين الشمال والجنوب. وقد مثَّلت دمشق، منُذ القرن السابع الميلادي، الجنوب، في حين مثَّلت حلب الشمال وكانت المفارقات بين الشمال والجنوب في بعض الأحيان اجتماعية واقتصادية ولكن غالباً ما كانت سياسية، حيث حاول حكام دمشق من جهتهم، وحكام حلب أيضاً مَّد سيطرتهم كلياً على بلاد الشام، وتبعاً لهذه القاعدة حدث صراع بين تُتُش وآق سُنْقُر، فقد وقف في وجه تُتش الطامع في بلاده، وأن يتوسع على حساب جيرانه، وبدا له قبل الإقدام على تنفيذ هذا المشروع أن ينشىء جيشاً منظماً يعتمد عليه في حروبه وشرع في ذلك وكانت نواة هذا الجيش تمثَّلت بالقوة التي تركها ملكشاه معه عندما رحل عن حلب وتعدادها أربعة آلاف مقاتل، ثم تعَّدت الستة آلاف . وقد اعتمد آق سُنْقُر على نوعين من القوات العسكرية.


* النوع الأول : القوات الاحتياطية التي كان يزداد عددها باستمرار، وهي تنتمي إلى العنصر التركي.

* النوع الثاني : القوات الاحتياطية التي كان يجمعها حين يحتاج إليها، وكانت خليطاً من العرب والتركمان وغيرهم، وقد وصل عددها في المعركة التي خاضها ضد تُتش إلى عشرين ألفاً وكان تتش قد جهد منذ أن أصبح حاكماً على دمشق في عام 470ﻫ /1077م في العمل على
:

* بسط سلطانه على كامل بلاد الشام، وبخاصة المدن الساحلية التي كانت تدين بالطاعة للدولة الفاطمية، أو تُحكم من قبلها.

* إنشاء دولة أخرى للسلاجقة في هذه البلاد يتولى تحكمها بمعزل عن السلاجقة العظام في خراسان، إلا أنه فشل في تحقيق الهدف الأول، ونجح في تحقيق الثاني إنما بعد وفاة ملكشاه الأول على أن الأوضاع التي آلت إليها البلاد لم تُرضِ تتش، فلجأ إلى السياسة وطلب من أخيه في عام (480ﻫ /1087م) تزويده بقوات ومعدات تمكنه من طرد الفاطميين من بلاد الشام وإخضاعها كلها لسلطان السلاجقة، بما فيها المدن الساحلية، والواقع أن ملكشاه الأول كان يخشى تمدداً فاطمياً باتجاه الأملاك السلجوقية في بلاد الشام والعراق، لذلك لبَّى طلب أخيه، وأمر كل من قسيم الدولة صاحب حلب، وبوزان صاحب الرها، بأن يقَّدما له كل ما يحتاجه في مهمته من عساكر وتجهيزات ويبدو أن الحاكمين لم ينفذَّا الأوامر السلطانية. فلم يذهب آق سنقر بعيداً في مساعدة تُتش وهو يعلم مدى خطورة أطماعه، وكذلك فعل بوزان. ومن جهته، فإن تُتُش لم يقم بأي عمل عسكري جدَّي ضد مدن الساحل، ولكن الأوضاع تبَّدلت في عام (482ﻫ/1089م) حين استولى الفاطميون على عكا وصور وصيدا وجبيل، كما أنه وصل إلى المعسكر الفاطمي، في غضون ذلك، خلف بن ملاعب صاحب حمص وأفامية ، فاجتمع بالقائد الفاطمي واعترف له رسيماً بسلطان الفاطميين وسيادتهم عليه ، مما شكل تهدياً مباشراً لسلطان السلاجقة في بلاد الشام ونتيجة لما اتفق عليه الطرفان من بسط السيادة الفاطمية على كامل بلاد الشام قام خلف بن ملاعب بالاعتداء على أراض تابعة لتتش مما دفعه إلى الاستنجاد مجدداً بأخيه. كما أن الحكام السلاجقة في هذه البلاد شكوا إلى السلطان اعتداءات أمير حمص، وكذلك فعل السكان بفعل أنه اتصف بالظلم، ونظراً للأوضاع الخطيرة التي باتت عليها بلاد الشام، أمر السلطان أخاه تُتُش بتأديب ابن ملاعب، وطرد الفاطميين من البلاد وضمَّها إلى الأملاك السلجوقية، وطلب في الوقت نفسه، من ولاته فيها بالتحرك السريع لمساعدته انزعج كلُّ من آق سُنْقُر وبوزان من قيادة تُتُش لهذه الحملة وأدركا أنه سوف ينفرد بحكم ما سيتولى عليه، فخرجا مكرهين غير مقتنعين بمساعدته. وصلت القوات المتحالفة إلى حمص عام 483ﻫ/1090م وحاصرتها وضيَّقت عليها حتى استسلمت، وقبض على ابن ملاعب، وأرسل إلى السلطان ملكشاه الأول ، وانكشفت في غضون ذلك أطماع الأطراف المتحالفة، فقد طلب كل من الأمراء حمص لنفسه وكتب إلى السلطان بذلك، فأنعم بها على أخيه .



1- موقف آق سنقر من تتش :


في عام 484ﻫ نزل تتش بجيوشه على طرابلس وكان بها قاضيها وهو صاحبها واسمه جلال الملك بن عمار ونصبوا المجانيق فاحتج عليهم ابن عمار وأظهر لهم منشور السلطان ملكشاه باقراره على طرابلس، فلم يقبل منه تتش ذلك وتوقف آق سنقر عن قتاله فقال له تتش : أنت تتبع لي فكيف تخالفني فقال أنا تبع لك إلا في عصيان السلطان، فغضب تاج الدولة تتش ورجع إلى دمشق وآق سنقر إلى حلب .

وأدرك آق سنقر أن سياسته العدائية تجاه تُتُش تفرض عليه منعه من ضم أي مدينة إلى أملاكه، لذلك جهد، أثناء عودته إلى حلب، في ضمَّ المواقع التابعة لخلف ابن ملاعب ومنها أفامية التي سلّمها إلى منقذ صاحب شيزر ، وقد هدف من ذلك إلى أمور منها.


أ- إقامة منطقة حاجزة بين أملاكه في شمالي الشام، وأملاك تتش في الجنوب واعتقد أن إمارة بني منقذ في شيزر بإمكانها أن تقوم بهذا الدور.

ب- حرمان تُتُش من ضّم إمارة بنى منقذ، وبالتالي إبعاده عن منطقة حلب.

ت- إيجاد حليف قوي يعتمد عليه في صراعه مع تُتُش.

ث- إبعاد بني منقذ عن التحالف مع تُتُش .


والواقع أن ملكشاه وقف على هذا الصراع على النفوذ في بلاد الشام فعمد إلى وضع حَّد له، فاستدعى في شهر رمضان عام 484ﻫ/ شهر تشرين الأول عام 1091م، جميع ولاته في بلاد الشام والجزيرة بإلاضافة إلى أخيه تُتُش، ليبحث معهم مشاكل وقضايا مناطقهم ، واستغل تُتُش وجوده عند أخيه وعرض خلافه مع آق سُنْقُر، واتهمه بعدم الإخلاص للقضية السلجوقية، وقام آق سنقر يدافع عن نفسه متهماً تُتُش بالكذب واستطاع إقناع السلطان بوجهة نظره، فرفض إتهام أخيه له كما رفض مساعيه للتخلص منه .


2- دعم آق سنقر للسلطان بركيارق :


ظلت العلاقة الطيبة، قائمة بين آق سُنقر وملكشاه، طيلة حياة هذا الأخير ولما توفي عام 485ﻫ/1092م طلب تُتُش السلطنة لنفسه في ظل صراع على السلطة بين أولاد السلطان المتوفى، وتجهّز للزحف شرقاً لإخضاع البلاد لسلطانه، وكاتب كلاً من آق سُنْقُر وبوزان يطلب مساعدتهما ، واستجابوا لذلك واشتركوا في حرب إبراهيم بن قريش صاحب الموصل لأنه رفض الخطبة في الموصل لتتش، ورفض أن يعطيه طريقاً إلى بغداد فهزم صاحب الموصل وأخذت منه، ساروا إلى ميافارقين فملك تُتُش سائر ديار بكر ثم سار تُتش إلى أذربيجان وكان بركيارق بن ملكشاه قد قوى أمره وصارت بيده الري وهمذان فسار ليمنع عمه ، ولما علم تُتُش بذلك قرر الإسراع في زحفه باتجاه خراسان لمحاربة ابن أخيه، وعندما وصل إلى مدينة تبريز ، حدثت المفاجأة إذ تخلَّى عنه آق سُنُقر وبوزان وانضما إلى بركيارق عند مدينة الري فقوى موقفه بهما وكان هذا الإنسحاب محطماً لخطة تُتُش ويبدو أن هناك عدة أسباب دفعت آق سُنْقُر إلى هذا التصرف لعل أهمها :



أ- كان تُتُش منافساً خطيراً لآق سُنْقُر، وأن تأييده له حتَّمه واقع الظروف السياسية التي كان يمر بها.

ب- رأى آق سُنْقُر أن تبقى السلطنة محصورة في أبناء سيده ملكشاه الأول وفاء منه له.

ج- شعر قسيم الدولة بأن تتش يُقَّرب ياغي سيان صاحب أنطاكية، ويميل إليه وقد يعتمد عليه في حكم بلاد الشام في المستقبل ومهما يكن من أمر، فقد أدرك تُتُش حرج موقفه، وضعف قواته بعد الإنسحابات التي حصلت في صفوفه، فاضطر إلى التوقف عن الزحف وقتال بركيارق، وآثر الإنسحاب إلى الشام، فعاد أدراجه نحو ديار بكر، وتوقف في الرحبة، ثم حدث أن أقنع كل من آق سنقر وبوزات السلطان بركيارق بألا يترك تُتُش وشأنه وحذَّراه من أطماعه، وأشار عليه بمطاردته وفعلا تحرك الجميع باتجاه الرحبة، فلما علم تُتُش بذلك تركها واجتاز الفرات قاصداً أنطاكية التي بقي فيها مدة ثم عاد إلى دمشق ، وفي الرحبة عقد اجتماع رباعي ضم السلطان بركيارق وآق سُنقُر وبوزان وعلي بن مسلم بن قريش العقيلي، تمخَّض عن عقد تحالف بين الحاكمين السلجوقيين من جهة والأمير العقيلي من جهة ثانية، تحت إشراف السلطان، هدفه الوقوف في وجه تُتُش، وعاد السلطان إلى بغداد، بعد أن ترك قوة عسكرية بتصرف آق سُنْقُر، في حين عاد بوزان إلى الرها، وآق سُنقُر إلى حلب، فوصل إليها في شهر ذي القعدة عام 486ﻫ شهر تشرين عام 1093م، وهكذا قام آق سُنْقُر بدور بارز في إفشال مخططات، تتش ومنعه من الحصول على السلطنة، وساعد بركياروق على الاحتفاظ بها، مدركاً في الوقت نفسه، أن صاحب دمشق سوف ينتقم للضربة التي وجهت إليه، فأخذ يستعد للتصدي له وانتزاع دمشق منه هذه المرة، فطلب المساعدة من السلطان بركيارق فأمده بكر بوغا، واستنجد بمن جاوره من الحكام أمثال بوزان حاكم الرها، ويوسف بن آبق حاكم الرحبة، كما انضم إليه جماعة من بني كلاب وأحداث حلب
.



3- مقتل آق سنقر :



كان أول ما فكر فيه تُتُش عند عودته إلى دمشق هو الانتقام من آق سُنقُر وبوزان بعد أن تخليا عنه في وقت الشدة ، فأخذ يستعد لقتالهما، وتحالف مع ياغي سيان صاحب أنطاكية بعد أن زوَّج ابنه رضوان من ابنته كما جند قوات إضافية من بني كلاب، والتقى الجيشان يوم السبت في التاسع من شهر جمادي الأول / شهر آيار ) عند تل السلطان ، القريب من حلب، ويبدو أن آق سُنْقُر لم يثق بمن كان معه من العرب، فنقلهم من الميمنة إلى الميسرة ثم إلى القلب والراجح أن هذا التبديل في المواقع العسكرية أثر على قدراته القتالية، فدارت الدائرة عليه، ووقع أسيراً في يد تُتُش ، فسأله تتش : لو ظفرت بي ما كنت صنعت بي قال : كنت أرى قتلك قال : فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي فقتله صبراً وتسلم قلعة حلب الاثنين 11 جماد الأولى ودفن آق سنقر خارج حلب ثم لما ملك عماد الدين نقل بقايا أبيه فدفنها بجانب المدرسة الرجاحية في حلب.



نشأة عماد الدين زنكي وأسرته :



نشأته :


ولد عماد الدين زنكي سنة 477 وكان أبوه من كبار قادة ملكشاه حتى لقب بقسيم الدولة وكان الابن الوحيد لهذا القائد العظيم في الدولة السلجوقية وتولى والده آق سنقر حلب سنة 479 أي بعد سنتين من مولده، فكانت حلب مهد طفولته وقضى بها أيامه الأولى



تربية والده له :



عاش زنكي كنف والده مدة عشر سنوات تكونت خلالها الخطوط العريضة لشخصيته وتشرب من أبيه أخلاقه وصفاته، ولا شك أن والده دربه على الفروسية منُذ نعومة أظفاره، ليكون نعم الوارث لمركزه وقد دربه على ركوب الخيل ورمي السهام، وعوده على الصبر من المشاق في الحرب وممارستها، وقد أثبتت الأحداث اللاحقة حسن تربية والده له، فقد تميز بالشجاعة التي تبلغ حد الذروة فهو يهاجم مع مودود طبرية وينهزم الصليبيون، ويلحقهم المسلمون وعماد الدين في المقدمة، ولا يتلفت إلى الوراء، ليتأكد من لحاق أصحابه به، ويصل إلى باب طبرية ويحارب الأفرنج عليه ويبدي شجاعة فائقة وينسحب ويحسن الانسحاب عندما لا يرى حوله أحداً، فيعجب الناس من رجوعه سالماً، كما عجبوا من شجاعته ، وورث عن أبيه آق سنقر القوة التي تعرف العطف والتي لا تبقى على عدو خطر، وورث عنه التخطيط الذي يؤدي إلى حتف الخصم الذي رسمه له زنكي.




والدته :



توفي والده وعمره عشر سنوات ولكن أمه عاشت حتى رأت ابنها يرث أبيه ويحكم الموصل وقرت عينها إذا رأته في السنة التي توفيت فيها يحاصر دمشق التي قتل صاحبها تتش زوجها آق سنقر فقد توفيت 529 بالموصل وكانت هناك أسطورة أوروبية سورية أن أتابك الموصل من أصل فرنجي ويفترض أن أمه كانت الأميرة الجميلة النمساوية التي أسرت وقضيت بقية أيامها في حريم آقسنقر وإن أمرأة عظيمة أوروبية تستطيع أن تلد مثل هذا البطل. لكن هذه القصة غير صحيحة لأن أباه اقسنقر مات قبل سنوات من حدوث الكارثة الغزو الصليبي ولا يذكر لنا المؤرخون اسماً لوالدته ولا أصلها حتى نستطيع أن نتعرف على أسباب اكتسابه اللون الأسمر مع أن المشهور عن الأتراك اللون الأبيض فلعله ورث هذه الصفات عن والدته.




زوجات عماد الدين :



أ- تزوج زنكي أكثر من واحدة فمن زوجاته التي ذكرها المؤرخون زوجة الأمير كندغدي. وقال السلطان محمود قد زوجتك امرأة الأمير كندغدي من أكابر أمراء السلطان محمد، والسلطان محمود، واتفق أنه مات وترك ولداً صغيراً وزوجة ومن المال والبرك (المتاع الخاص من ثياب وقماش وسلاح) مالاً يقدر عليه إلا السلطان فطلب من عماد الدين أن يتزوجها وأرسل إليها، يقول لها إنني زوجتك بعماد الدين زنكي فامتنعت ثم أجابت، فركب زنكي من غد دخوله بها ومعه ولد كندغدي وهو في موكب عظيم من أصحابه وأصحاب كندغدي وأخرجت له زوجته من الخيام والبرك ما ليس لأحد من العسكر مثله.

ب- الزوجة الثانية : خاتون ابنة الملك رضوان، كان زواجه بها زواجاً سياسياً، فقد تزوجها ليصبح له الحق والشرعية في حكم حلب ، ولكنه هجرها بعد أن رأى ثياب أبيه اقسنقر الذي قتله جدها تتش وطلقها بتدخل القاضي أبي غانم قاضي حلب ، وكان زواجه بها سنة 522 على رأي حسن حبشي وسنة 523ه في رأي ابن العديم.

ج- الزوجة الثالثة : صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي، تزوج صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي سنة 529 والظاهر أن زواجه منها كان ليمكن نفوذه في تلك المنطقة، فقد كان زنكي في السنة السابقة لهذا الزواج في حرب وكان حسام الدين تمرتاش معه في حربه ضد داود بن سكمان بن أرتق وربما أراد بالمصاهرة أن يضم خلاط إليه وتقوية جبهته في تلك المنطقة، ولا سيما أنه في سنة زواجه كان في حرب في تلك الجهة فاستولى على الصقر وشوش.


د- الزوجة الرابعة : ابنة تمرتاش.



ه- الزوجة الخامسة : خاتون بنت جناح الدولة حسين، وكان زواجه منها سنة 531 وفي هذه السنة كانت فترة نشاطه في حمص، فقد حاصرها حصاراً شديداً ولا يستبعد أن يكون زواجه بها ليكتسب شرعية أخذه حمص من دمشق، لأنها الوارثة لها بعد والدها وليضم إليه أنصار والدها ويساعدوه على أخذ المدينة.

و- الزوجة السادسة : تزوجها سنة 532 وهي صفوة الملك ابنة الأمير جاولي أم شمس الملوك إسماعيل وإخوته بني تاج الملوك وهي أخت الملك دقاق لأمه ، وقد كان زواجه منها في أمل أن يمتلك دمشق فلما لم يحصل له ملك دمشق أعرض عنها ، ونلاحظ أن موضوع زوجات زنكي قد حظي باهتمام عدد من المؤرخين وأغلب الظن أن سبب ذلك يعود إلى العلاقة الوثيقة بين معظم عقود الزواج التي قام بها وبين مشاريعه السياسية والعسكرية وكان زنكي يعتمد رابطة الزواج لتحقيق بعض أهدافه السياسية والعسكرية، وأنه تمكن بهذا الأسلوب من توثيق علاقاته بعدد من الحكام والأمراء، الأمر الذي ساعده إلى حد كبير في تنفيذ خططه الرامية إلى توحيد القوى الإسلامية لمواجهة الخطر الصليبي.




أبناؤه:



سيف الدين غازي وهو الأكبر، نور الدين محمود، قطب الدين مودود، نصرة الدين أمير أفيران. وجميع أولاده ظهرت عليهم النجابة مما ورثوه من والدهم وكانوا ذوي أخلاق حميدة، وشجاعة فائقة، وخاصة نور الدين محمود، وسيف الدين غازي، وقطب الدين مودود فأخبار شجاعتهم مشهورة، ونلاحظ من أسماء أولاد زنكي اسم مودود فقد يدل على أعجاب زنكي بالأمير مودود وهناك غازي واسمه يدل عليه أما محمود فإنه يطابق اسم أحد السلاطين السلاجقة ممن خدمه زنكي. وقد خصص زنكي لتربية أولاده عليا بن منصور السروجي، وكان أديباً شاعراً خطاطاً وعندما كبر سيف الدين غازي أرسله أبوه لخدمة السلطان مسعود فتلقاه بالحفاوة والتقدير، ورتب في خدمته عشرة من الحراس وقد بقي سيف الدين هناك حتى قبيل مقتل أبيه بوقت قصير وأما نور الدين محمود فقد نشأ تحت رعاية والده، وتعلم القرآن الكريم والفروسية والرمي ، ولما جاوز صباه لزم خدمة أبيه حتى مقتله ، وهكذا كان زنكي يعد أولاده لتحمل المسؤوليات الإدارية والعسكرية في المستقبل، وما يقال عن غازي ومحمود يمكن أن يقال عن ابنيه الآخرين أميران ومودود.



تطور شخصية عماد الدين القيادية :



أولاً : بزوغ نجمه السياسي :


كان من العوامل الرئيسية التي ساعدت على ظهور عماد الدين زنكي، منُذ عهد طفولته، ذلك الدور الذي لعبه أبوه آق سنقر في شؤون الدولة السلجوقية السياسية والعسكرية والإدارية في الأعوام (465ﻫ - 487ﻫ) والمكانة التي حصل عليها نتيجة خدماته للسلاطين السلاجقة، وعمله على تدعيم كيانهم، حتى أنه ضحى بحياته – كما رأينا – في سبيل الولاء للسلطان السلجوقي بركيارق، ولم ينس هذا تضحية آق سنقر في سبيل عرشه فجازاه – بعد مقتله – بتوجيه العناية والاهتمام نحو ابنه الوحيد عماد الدين زنكي الذي كان آنذاك في العاشرة من عمره، وكان يقيم في حلب تحت رعاية مماليك أبيه، وأصحابه الذين كانوا يكنون الحب العميق لآق سنقر .



1- مكانة زنكي عند أمير الموصل كربوقا :



لما تولى أمر الموصل قوام الدولة كربوقا سنة 489ﻫ، باسم السلطان بركيارق أولى زنكي اهتماماً خاصاً، وطلب من بعض مماليك والده المقيمين في حلب إحضار عماد الدين إليه وقال لهم : هو ابن أخي وأنا أولى الناس بتربيته، فأحضروه عنده ، ويبدو أن كربوقا أدرك مكانة آقسنقر والد عماد الدين في نفوس كثير من التركمان وعرف ما يكنّون له من الولاء والطاعة، فحرص على أن يضّم إليه ابنه عماد الدين ليحصل على الولاء نفسه الذي يحمله التركمان لوالده، إضافة إلى أن كربوقا أثناء ملازمته لآقسنقر قد أدرك نجابه عماد الدين ومكانته بين مماليك والده، فأراد أن يضمه إلى جانبه للاستعانه به، وبمماليك والده في حروبه ضد خصومه، وربما ليضمن عدم منافسته له مستقبلاً، وقد حظي عماد الدين بمكانة مرموقة عند قوام الدولة كربوقا، وظل عماد الدين زنكي ملازماً له بالموصل إلى أن توفي كربوقا سنة 495ﻫ /1101م .




2- مكانته عند الأمير جكرمش والي الموصل :



بقيت العلاقة طيبة بين زنكي وشمس الدولة جكرمش الذي اعقب كربوقا على ولاية الموصل (495 - 500ﻫ) والذي كان أحد مماليك السلطان السلجوقي ملكشاه وعلى معرفة بالخدمات التي أداها والد زنكي للسلاجقة، ومن ثم توثقت العلاقة بينه وبين زنكي حيث : قربه وأحبه واتخذه ولداً، وظل الأخير ملازماً له حتى وفاته عام 500ﻫ .




3- في عهد ولاية جاولي سقاو على الموصل :



بعد وفاة جكرمش تولى جاولي سقاو (500-502ﻫ) على ولاية الموصل وأن زنكي قد بلغ مرحلة الشباب (وبدت عليه علائم الشهامة) وساد الصفاء علاقاته بالوالي الجديد. إلا أن عصيان الأخير للسلطان محمد عام 502ﻫ وهروبه إلى الشام، دفع زنكي إلى الانفصال عنه وجماعة من كبار الأمراء في نفس الوقت الذي عين فيه السلطان والياً جديداً على الموصل هو الأمير مودود بن التونتكين (502-507ﻫ)، فانضم زنكي ورفاقه إليه. مما كان له أبلغ الأثر في نفس السلطان والوالي الجديد على السواء، الأمر الذي رشحه لأن يكون من كبار أمراء هذا الوالي، وأن يحصل على مزيد من الاقطاعات .



4- ملازمته للأمير مودود في حرب الصليبيين :


لما استقر الأمير مودود بالموصل واتصل به عماد الدين عرف له مكانته بالإضافة إلى منزلة أبيه ولما رأى منه العقل والشجاعة زاد في اقطاعه وشهد زنكي حروبه كلها وخاصة مع الصليبيين في طبرية، وقبل مجئ مودود كان زنكي قد تميز بشجاعته ومقدرته وقد شارك في الغزوات التي قام بها ضد اللاتين ويذكر المؤرخون بكل اعتزاز أن عبقريته كرست للجهاد من السنوات الأولى من عمره ، وقد أظهر في عهد مودود من البطولات في جهاده ضد الصليبيين ما أكسبه شهره واسعة لدى المسلمين وظل ملازماً لمودود حتى مقتله عام 507ﻫ على أيدي الباطنية في جامع دمشق .



5- في خدمة الأمير آق سنقر البرسقي :


عاد زنكي بعد استشهاد مودود إلى الموصل ليلتحق بخدمة الوالي الجديد " جيوش بك " ثم ما لبث أن انضم إلى الأمير آق سنقر البرسقي الذي وجهه السلطان السلجوقي لقتال الصليبيين، في نفس العام، فقاتل في الرها وسميساط وسروج وأظهر من الشجاعة والمقدرة خلال ذلك ما زاد من شهرته لدى المسلمين ، ودفع السلطان محمد إلى أن يطلب من واليه على الموصل تقديم زنكي والرجوع إلى مشورته تقديراً لإخلاصه وقدراته .



6- بعد وفاة السلطان السلجوقي محمد 511ﻫ :


عندما توفي السلطان محمد عام 511ﻫ، سعى "جيوش" إلى استغلال وجود ابنه مسعود – إذ كان أتابكاً له – ودفعه إلى التوجه إلى بغداد لكي ينصب نفسه سلطاناً على سلاجقة العراق – مستهدفاً من وراء ذلك التحكم الفعلي في شؤون الدولة السلجوقية باسم السلطان الجديد، وقد أيد زنكي هذه المحاولة، وسار الوالي ومسعود متوجهين إلى بغداد على رأس حشد من قوات الموصل إلا أن المحاولة أخفقت بعد سلسلة من الحروب والمناوشات شهدتها منطقة بغداد، واستتب الأمر للسلطان محمود الذي أعقب أباه في الحكم . وبعد ثلاثة أعوام حاول جيوش بك أن يثور ثانية ضد السلطان محمود، غير أن زنكي رفض تأييده وأشار على المتمردين : بطاعة السلطان وترك مخالفته وحذرهم عاقبة العصيان. لكنهم لم يلتفتوا إلى قوله، وأقدموا على تنفيذ محاولتهم التي انتهت هي الأخرى بالفشل بعد هزيمة جيوش بك ومسعود على يد السلطان محمود الذي بلغه موقف زنكي منه فقدره حق قدره وأوصى البرسقي والي الموصل الجديد بالعناية به وتقديمه على سائر الأمراء .



7- تولي عماد الدين زنكي إمارة واسط والبصرة :


وعندما عين البرسقي عام 516ﻫ شحنة على العراق رافقه زنكي واشترك إلى جانبه في المعركة التي دارت ضد دبيس أمير الحلة وانتهت بهزيمة البرسقي ، الذي رأى أن يزيد من اعتماده على زنكي في صراعه ضد دبيس – فولاه واسط – ذات الموقع الهام – وكلفه مهمة الدفاع عنها ضد هجمات أمير الحلة. وقد استطاع زنكي أن يسحق في طريقه إلى واسط القوات التي حشدها دبيس للدفاع عن النعمانية، وأن يستولي على هذا الموقع وأظهر زنكي في منصبه الجديد حزماً وكفاءة، وأبان عن مقدرة إدارية فذة ، الأمر الذي دفع البرسقي، حاكم العراق إلى إضافة البصرة إلى ولايته، لكي يصد هجمات الأعراب الدائمة عليها، وينشر الأمن في ربوعها فانتقل زنكي إليها لكي يحقق فيها ما أنجزه في واسط من نشر للأمن وقضاء على الفوضى. وقد تمكن في وقت قصير من أن يتوقف هجمات الأعراب وغاراتهم المتتابعة عند حدها، وأن يجليهم إلى أعماق الصحراء، كما قضى على الفتن التي عمت البصرة، وأظهر مقدرة عسكرية وإدارية كالتي أظهرها في واسط من قبل، مما زاد من مكانته في نظر رجالات الدولة السلجوقية ومن رهبته للأعداء، حتى أن دبيس ابن صدقة – أقوى أمراء الجنوب – تجنب الاصطدام معه، لأنه أدرك أن ليس في طاقته مجابهته والتغلب عليه، وفضل توحيد جهوده ضد الخليفة العباسي في بغداد بدلاً من مقارعة هذا الأمير القدير .



8- دفاع زنكي والبرسقي عن الخليفة المسترشد :



لم يتركا البرسقي وزنكي الخليفة يجابه بمفرده حشود دبيس، فجمعوا قواتهم والتقوا به في مطلع عام 517ﻫ قريباً من الحلة، واستطاعوا – بفضل الله ثم الخطة البارعة التي اتبعها زنكي – أن يلحقوا به هزيمة نكراء، وأن يقتلوا ويأسروا الكثير من جنده، واضطر هو ومن سلم من قواته إلى الفرار، بينما عاد المسترشد وحلفاؤه إلى بغداد يستقبلهم الأهالي هناك استقبالاً حافلاً، بعد خلصوهم من خطر محقق كان يحيق ببغداد ويعرضها للنهب والتخريب ، وكان زنكي – لدى مغادرته البصرة – قد فوض شؤونها لمقدم حاميتها الأمير " سخت كمان " فاستغل دبيس بعد زنكي عنها وهاجمها على حين غرة وتمكن من قتل مقدم حاميتها ونهب أهاليها، لكن زنكي ما لبث أن عاد إلى البصرة ليقر الأوضاع فيها من جديد، فانسحب دبيس من المنطقة واتجه إلى الشام للعمل مع الصليبيين .




9- عماد الدين في خدمة السلطان محمود :



أقيل البرسقي من شحنكية العراق في عام 517ﻫ وأعيد إلى الموصل لقيادة حركة الجهاد ضد الصليبيين، وعين يرنقش الزكوي شحنة بعده ، فأرسل البرسقي إلى زنكي يستدعيه من البصرة ليتجه معه إلى الموصل غير أن الأخير فضل أن يربط مصيره بالسلطان محمود، يصحبه عدد من كبار أمرائه وقرر السلطان محمود تزويجه بأرملة أحد أمرائه الكبار، وتم ذلك في احتفال شهده السلطان وعدد كبير من القادة والمسؤولين الأمر الذي هيّأ لزنكي فرصة الظهور في محيط كبار الأمراء وتعريف رجالات الدولة السلجوقية بمكانته .



10- تكليف السلطان محمود عماد الدين بتوطيد الأمن في البصرة :



غدة البصرة، بعد مغادرة زنكي لها، مسرحاً للفوضى، وهدفاً للنهب والتخريب، وهجمات الأعراب، وبلغ السلطان ذلك فأمر زنكي بالعودة إليها، بعد أن أقطعه إياها عام 518ﻫ وطلب منه اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتوطيد الأمن في المنطقة، كما كلفه مهمة الإشراف على واسط والسعي للدفاع عنها إذا ما فكر الخليفة بإرسال جيش للإستيلاء عليها، إذ كانت هدفاً لمحاولاته التوسعية ، غادر زنكي اصفهان إلى البصرة وباشر مهام منصبه، فأحسن معاملة أهلها واستطاع أن يخلصهم من هجمات الأعراب، وذلك عن طريق تنظيم دوريات عسكرية دائمة للقيام بهجمات مضادة على الأعراب ونصب الكمائن لهم، كما اهتم بالوقت ذاته، بأمور واسط وأخذ يمد السلطان باخبار العراق بحيث لم يخف على الأخير شيئاً من أموره، الأمر الذي زاد من تقديره لزنكي ومن إرتفاع منزلته عنده، ورشحه لمنصب شحنكية
العراق .



11- الصراع بين الخليفة المسترشد والسلطان السلجوقي :



في عام 519ﻫ تدهورت العلاقات بين الخليفة المسترشد والسلطان محمود الذي رأى نفسه مضطراً للتوجه إلى بغداد للحد من مطامح الخليفة وفرض سيطرته المباشرة على العراق. وكان الخليفة قد أرسل بعض جيوشه بقيادة عفيف الخادم للاستيلاء على واسط إلا أن زنكي تمكن من صده والانتصار عليه في المعركة التي دارت بين الطرفين عند مشارف واسط. وفي العشرين من ذي الحجة وصل السلطان إلى بغداد وأرسل إلى الخليفة يطلب منه إقرار الصلح فرفض الأخير طلبه، الأمر الذي أدى إلى نشوب القتال بين الطرفين وقد رأى السلطان أن يعتمد على زنكي في صراعه هذا فأرسل إليه يأمره بالحضور إلى بغداد على رأس قواته وأن يجلب معه ما يستطيع من زوارق حربية وسفن، فنفذ زنكي الأمر، وجمع عدداً كبيراً منها، أثر جولة قام بها في مناطق العراق الجنوبي لهذا الغرض، وبعد أن ملأها بالمقالة اتخذ طريقه إلى بغداد، وما أن بلغ الخليفة نبأ تقدم زنكي بقواته الحاشدة براً ونهراً، حتى أدرك أن ليس في طاقته الصمود طويلاً أزاء شروط السلطان، وأن بغداد مقبلة على حصار شديد في البر والنهر، فأرسل إليه يعلن موافقته على الصلح، ومن ثم دخل السلطان بغداد حيث تمت المصالحة وساد الوئام . وهكذا لعب زنكي دوراً حاسماً في وضع حد للصراع بين السلطان والخليفة والذي كان من المحتمل أن يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها .



12- تولي عماد الدين شحنكية العراق :



ولما أراد السلطان محمود الرحيل نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق، وبغداد، ويأمن معه من الخليفة ويضبط الأمور فلم ير في امرائه وأصحابه من يصلح لسد هذا الباب العظيم ويرفع هذا الخرق من الاتساع وتقوى على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي فولاه شحنكية العراق مضافاً إلى ما بيده من الأقطاع وسار السلطان عن بغداد ، وقد أطمأن إلى نفوذه في العراق، بعد أن أناب عنه الرجل الذي يستطيع أن يقوم بمهام منصبه خير قيام وأصبح عماد الدين منُذ ذلك التاريخ يصرف الأمور ولا في بغداد وحدها بل في سائر جهات
العراق .




ثانياً : دور الفقهاء في تعيين عماد الدين على الموصل :



عندما توفي أمير الموصل عز الدين البرسقي عام 521ﻫ/1127م تولى أمرها أخ صغير له تحت وصاية مملوك تركي يدعى جاولي، أدرك الفقهاء أن ضعف الموصل لابد وأن يؤثر على حلب وبلاد الشام في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الصراع، إذ أن ذلك الفراغ السياسي، وعدم وجود قيادة عسكرية قوية في الموصل لابد وأن يلقى انعكاساً على الصراع الصليبي الإسلامي ، ولذلك قامت عائلة الشهر زوري المعروفة بالعلم والصلاح بدور كبير في تنصيب عماد الدين زنكي في الموصل لكونه قائد عسكري قوي. حقيقة أن جاولي قام بإرسال القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهر زوري، ونائب عز الدين البرسقي صلاح الدين محمد الياغيسياني إلى بغداد، التي كان بها السلطان محمود السلجوقي، وذلك الولاية في الموصل لأخ عز الدين الصغير حتى يظل يسيطر باسمه على الحكم فيها بصفة الوصاية عليه، إلا أن القاضي ورفيقه أدركا ذلك الهدف وإنهما ليس في نيتهما تحقيق هدف جاولي، لاعتقادهما بعدم كفاءته لذلك الظرف الصعب، حيث كانا على معرفة بطباعه وتصرفاته التي لا يرضيان عنها، ويبدو في الوقت نفسه كانا على علاقة متينة بعماد الدين زنكي حيث خططا معاً في أن يتمكنا من إقناع ذلك السلطان لتولية الموصل وحلب، حرصاً منهما على عدم ضياع البلاد الإسلامية وخاصة الموصل في أيدي الصليبيين ، وبوصول القاضي ورفيقه إلى بغداد اتصل صلاح الدين محمد بأحد أقربائه في بغداد نصر الدين جقروا حيث كان بينهما مصاهرة واجتمعوا به وقرروا أن جاولي لا يصلح لحفظ البلاد لأنه كان سيء السيرة ، وأخذ القاضي الشهرزوري على عاتقه حمل الأمانة وقول الحق، فاجتمع هو وصلاح الدين الياغيسياني بوزير السلطان السلجوقي . وقالا له : قد علمت أنت والسلطان السلجوقي أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها وقويت شوكتهم بها واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين ، ويتضح من خلال حديث القاضي بهاء الدين الشهرزوري مبلغ تخوفه من سيطرة الصليبيين على أراضي الإسلام وخشيته من اتساع الرتق باستيلائهم على المزيد منها، وحاجة البلاد إلى الرجل المناسب لوقف التوسع الصليبي والتصدي له. فاستطرد قائلاً : ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذي رأي وتجربة يذب عنها ويحمي حوزتها ومن عمق إحساسه بالمسؤولية أمام الله والعباد نراه يقول : وقد أنهينا الحال إليك لئلاً يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين، فنحصل نحن بالإثم من الله واللوم من السلطان ، وهذا يعطينا درساً مهماً في دور هذا الفقيه الذي وضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار ولم يتأثر بترغيب ولا ترهيب من حاكم الموصل الذي أرسله للسلطان السلجوقي، كما أن في اختيار كمال الدين الشهر زوري لعماد الدين زنكي تزكية له من بين بقية الأمراء في ذلك العهد. وقام وزير السلطان شرف الدين أنو شروان بن خالد بتوصيل مطلبهما وحال بلاد الشام إلى السلطان محمود. وبواسطه ذلك الوزير اقتنع السلطان برأيهما وحالهما. وتحقق هدفهما عندما استشارهما فيمن يفضلون لولاية الموصل، ويبدو أن القاضي الشهر زوري ورفيقه أشارا عليه بمجموعة من القادة المسلمين من بينهم عماد الدين زنكي حتى لا يشك في أمرهما وإصرارهما عليه إلا أنه أختارا عماد الدين بإيعاز من وزيره أنوشروان وعينه والياً على الموصل ، وهنا يظهر دور العالم القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري في اختيار القائد الأفضل لقيادة القوى الإسلامية نحو مواجهة الغزو الصليبي حتى كان لهذا الاختيار أثره في إرساء حجر الجهاد في المشرق الإسلامي حيث تمكن من خلاله غرس نواة الوحدة مع حلب عندما أخذها ورحب به أهلها عام 521ﻫ/1127م لأن موقع حلب الاستراتيجي بين بلاد الشام، ومناطق أعالي الفرات هو الذي جعلها في قلب الأحداث آنذاك حتى أن ذلك الأمير عماد الدين قد أدرك أهمية ذلك الموقع بالنسبة لبلاد الشام والموصل والجزيرة الفراتية وتمنى لو أخذها المسلمون قبل أن يدخلها الصليبيون .

إن هذا العدو قد طمع في البلاد وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام .. فالمسلمون أولى من الكفار بها .



1- مكانة القاضي بهاء الدين الشهرزوري عند عماد الدين :



واعترافاً من عماد الدين زنكي بما بذله القاضي بهاء الدين الشهرزوري في تعيينه ورداً لجميله نحوه عينه قاضي قضاة بلاده جميعها وما يفتحه من البلاد، وكذلك زاده أملاكاً وإقطاعاً واحتراماً وكان يثق فيه وفي آرائه، لذلك كانت منزلته عظيمة عنده، وكان عماد الدين يستشيره في معظم الأمور الهامة في دولته حتى صرح ابن الأثير بذلك قائلاً : وكان لا يصدر إلا عن رأيه . إن احترام العلماء وتقدير آراءهم، واستشارتهم من عوامل وأسباب نجاح القادة السياسيين والعسكريين.



2- أتابكيَّة الموصل :



مال السلطان السلجوقي إلى تولية عماد الدين زنكي إمارة الموصل لما علم من شهامته وتمكنه من إنجاز المهام التي انيطت به من قبل، وأمره بالحضور وبعد مناقشات قصيرة اقتنع السلطان بجدارة زنكي في القيام بأعباء المنصب الجديد ومن ثم أصدر منشوراً بتوليته الموصل والجزيرة وما يفتتحه من بلاد الشام، وسلمه ولديه ألب أرسلان والخفاجي ليكون أتابكاً لهما (أي أبا مربياً) وفقاً للتقاليد السلجوقية السائدة آنذاك، ومنُذ ذلك الوقت سمي زنكي أتابكاً وأصبح كل من ولدي السلطان محمود تحت إشرافه المباشر وفي الثالث من رمضان عام 521ﻫ وصل بغداد الأمير مجاهد الدين بهروز، قادماً من بلاد فارس، ليتولى شحنكية العراق، فغادر زنكي ورجاله عاصمه العراق نحو الموصل لتسلم مهام منصبه الجديد ، وتعتبر أتابكيَّة الموصل نواة للدولة الزنكية .








  رد مع اقتباس