اللقاء الثانى من سيرة عماد الدين زنكى
ثالثاً : أهم صفاته :
كان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين معتدل الطول ، وخط الشيب رأسه في سني حكمه الأخيرة ، وكان ذا شخصية قوية، شديد الهيبة على رعيته وجنده ، جاداً في معظم الأحيان، وكان جده الصارم يمنعه من الاستسلام للراحة أو النزف ويدفعه إلى مواصلة كفاحه من أجل أهدافه، ويجعل أصوات السلاح ألذ في سمعه من غناء القينات وإليك تفصيل أهم صفاته.
1- شجاعته :
فقد ورث الشجاعة عن أبيه الذي تقدم في جيش ملكشاه وقد مّر معنا شيء من سيرته وقوله لتتش المنتصر وهو الأسير بين يديه، لو ظفرت بك لقتلتك، ويلقى نتيجة جرأته فيقتله تتش صبرا وقد تقدم عماد الدين عند أمراء الموصل بشجاعته، وظهرت شجاعته في القتال في زمن مبكر، فقد سار مع مودود في غزوته ضد الإفرنج وخرج إفرنج طبرية للدفاع عنها، فحمل عليهم، وانهزم الإفرنج من أمامه وطعن باب سور طبرية طعنة أثرت فيه وكان أصحابه قد تأخروا عنه، لما قرب من الأسوار ومع ذلك قاتل متراجعاً، فعجب الناس من شجاعته ونجاته ، قال أبو شامه في شجاعته : وأما شجاعته وإقدامه فإليه النَّهاية فيهما، وبه كان تضرب الأمثال، ويكفي في معرفة ذلك جملة، أن ولايته أحّدق بها الأعداء والمنازعون من كل جانب : الخليفة المسترشد، والسلطان مسعود، وأصحاب أرمينية وأعمالها، وبيت سُكْمان، وركن الدولة داود صاحب صحن كيفا، وابن عمه صاحب ماردين ثم الفرنج ثم صاحب دمشق وكان ينتصف منهم ويغزو كُلاًَّ منهم في عقر داره ويفتح بلادهم، ما عدا السلطان مسعود فإنه كان لا يباشر قصده، بل كان يحمل أصحاب الأطراف على الخروج عليه، فإذا فعلوا عاد السلطان محتاجاً إليه وطلب منه أن يجمعهم على طاعته، فيصير كالحاكم على الجميع وكلًّ يداريه ويخضع له، ويطلب منه ما تستقر القواعد على يده . وحمل على قلعة عقر الحميدية في جبال الموصل، وأهلها أكراد وهي على جبال عال، فوصلت طعنته إلى سورها، وفي حصار الرها، جمع امرائه عنده، ومد السماط، وقال لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غداً في باب الرها، فلم يتقدم إليه غير أمير واحد، وصبي واحد لا يعرفه، لما يعرفون من أقدامه وشجاعته وأن أحداً لا يقدر على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلك الصبي : ما أنت وهذا المقام فقال عماد الدين : دعه، فإني أرى والله وجها لا يتخلف عني ، وكان يقدر الشجعان وكان لا يضطرب أمام أي خطر .
2- هيبته :
كان عماد الدين ذا هيبة شديدة في نفوس أصحابه لا يجرؤون على الجلوس بين يديه، واشترك معه في الحروب أجناس مختلفة، ويحتاج ضبطها من الدراية والمهارة والهيئة، فاستطاع بشخصيته القوية، فرض النظام على جميع جنده، وكان ذا هيبة وسطوة، وكان إذا مشي يسير العسكر خلفه في صفين، كأنهم الخيط خوفاً أن يدوس أحدهم الزرع ولا يجسر أحد أن يدوس عرقاً منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يجسر أن يأخذ من فلاح تبن إلا بثمنها، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية، وأن تعد أحد صلبه . وهيبته كانت في نفوس قادته قال علي كوجك نائبه بالموصل، لما فتحنا الرها مع الشهيد، وقع بيدي من النهب جارية رائعة أعجبني حسنها، ومال قلبي إليها فلم يكن بأسراع من أن أمر الشهيد، برد السبي والمال المنهوب وكان مهيباً مخيفاً فرددتها وقلبي معلق بها ، وخرج يوماً من باب السر، في قلعة الجزيرة خطوة، وملاح له نائم فأيقظه بعض الجاندرية من مماليك السلطان فحين رأى الشهيد سقط على الأرض فحركه فوجده ميتاً، وركب يوماً فعثرت دابته، وكاد يسقط عنها فأستدعى أميراً، وكان معه، فقال له كلاماً لم يفهمه، ولم يتجاسر على أن يستفهمه منه، فعاد إلى بيته وودع أهله عازماً على الهرب فقالت له زوجته : ماذنبك وما حملك على الهرب ؟ فذكر لها الحال، فقالت له : إن نصير الدين له بك عناية، فأذكر له قصتك، وأفعل ما يأمرك به. فقال : أخاف أن يمنعني من الهرب وأهلك. فلم تزل به زوجته تراجعه وتقوي عزمه إلى أن عّرف نصير الدين حاله، فضحك منه وقال له : خذ هذه الصرة الدنانير وأحملها إليه، فهي التي أراد. فقال : الله الله في دمي ونفسي. فقال لا بأس عليك، فإنه ما أراد غير هذه الصرة. فحملها إليه فحين رآه قال : أمعك شيء ؟ قال : نعم، فأمره أن يتصدق به، فلما فرغ من الصدقة قصد نصير الدين وشكره وقال : من أين علمت أنه أراد الصُرة ؟ فقال : إنه يتصدق بمثل هذا القدر كل يوم، يرسل إليّ يأخذه من الليل، وفي يومنا هذا لم يأخذه، ثم بلغني أن دابته عثرت به حتى كان يسقط إلى الأرض، فأرسلك إليّ فعلمت أنه ذكر الصدقة ، واجتمع حوله العرب والترك والتركمان والأكراد والبدو وكان يجتهد أن تضبط أمور هذه الجموع بحكمة القائد الماهر، ويضبطهم في أحرج الأوقات، فعندما اقتحم جنده الرها، وكادوا يأتون على ما فيها، كف أيديهم وحافظ على البلد لأن تخريب مثله لا يجوز في السياسة كما قال وخاف خصومه قصد ولايته لعلمهم أنهم لا ينالون منها عرضاً ، وبلغ من خوف الفرنجة منه أنه رفع الحصار عن قلعة البيرة لقتل نائبه في الموصل، فسلمها أهلها إلى حسام الدين تمرتاش خوفاً من عودة الشهيد إليهم ، وكان يخشاه سلاطين السلاجقة، ولا يقدرون على قصد بلاده، فيقول ابن الأثير : أراد السلطان مسعود زنكي لإثارته الأطراف عليه ومنع السلطان مسعود قصده، حصانة بلاده وكثرة عساكره وأمواله ، والخليفة المسترشد نفسه، حاصر الموصل فلم ينل منها شيئاً مدة ثلاثة شهور .
3- ذو دهاء ومكر وحيلة :
كان ذا دهاء ومكر وحيلة، وذكاء نافذ في مجابهة المشاكل الحربية والسياسية، وقد مكنه ذلك من اجتياز كثير من الصعوبات، وتحقيق مزيد من الانتصارات فمن مناورته البارعة ضد التحالف البيزنطي الصليبي عام 532ﻫ فقد أرسل إلى قادته يقول : إنكم قد تحصنتم بهذه الجبال فإخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، وتكون الغلبة لأحد الطرفين فظن الروم والصليبيون أن وراءه قوات ضخمة أتاحت له أن يطرح تحديه، فتجنبوا لقاءه وهو ما كان زنكي يرجوه، ثم راح بعد ذلك يراسل امبراطور الروم ويوهمه أن الصليبيين متفقون مع المسلمين سراً وبالعكس، واستطاع بذلك أن يبذر بذور الإنشقاق في الجبهة المسيحية مما اضطر قواتها إلى الانسحاب . هذا إلى أنه فتح الرها وهو أكبر نصر حققه في حياته، معتمداً على الحيلة والمكر، إذ اتجه إلى آمد موهماً الصليبيين أنه يسعى لحصارها، وما أن رحل أمير الرها عن حاضرته مطمئناً إلى إنهماك زنكي بمشاكله في ديار بكر حتى انقضى الأخير عليها وتمكن من اجتياحها .
4- ذكاؤه :
من ذكائه أنه لم يظهر أنه مستقل عن السلاطين السلاجقة، بل أظهر أنه يحكم بأمرهم، فقد كان معه ولدان من أولاد السلطان محمود بن محمد السلجوقي وهما ألب أرسلان وفرخشاه ويعرف بالخفاجي وكان يظهر أن الحكم له في بلاده، وأنه نائب عنه، وكان إذا أرسل رسولاً أو أجاب على رسالة يقول قال الملك كذا وكذا، وكان ينتظر موت السلطان مسعود، ليجمع العساكر باسم ألب أرسلان، ويخرج الأموال ويطلب السلطنة، فعاجلته المنية قبل ذلك ، وكان ابنه سيف الدين غازي عند السلطان مسعود ليثق بطاعته ، وكان يثير الأطراف على السلطان مسعود حتى يحتاجه ويجمعهم عليه مرة ثانية ليشتغل بهم عنه .
5- يقظته وحذره :
كان عماد الدين زنكي شجاعاً غير هياب، إلا أنه كان حذراً يحتاط للأمور، فقد كان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجري لأصحابها، حتى في خلواتهم، ولا سيما بلاط السلطان وكان يدفع في ذلك المال الجزيل، فكان يطالع ويكتب إليه بكل ما يفعله السلطان، في ليله ونهاره، من حرب وسلم وهزل، وجد، فكان يصل إليه كل يوم من عيونه عدة كتب وكان مع أشتغاله بالأمور الكبار، من أمور الدولة لا يهمل الإطلاع على الصغيرة وكان يقول إذا لم يعرف الصغيرن ليمنع صار كبيراً، وكان لا يمكن ملك أن يعبر بلاده بغير إذنه، وإذا استأذنه رسول في العبور أذن له، وأرسل إليه من يسيره ولا يتركه يجتمع بأحد من الرعيةن ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاده ويخرج منها، ولا يعلم من أحوالها شيئاً. ومن آرائه إنه لما اجتمع له الأموال الكثيرة، أودع بعضها بسنجار وبعضها بالموصل، وبعضها بحلب، وقال إن جرى علي بعض هذه الجهات فتق أو حيل بيني وبينه استعنت على سد الخرق بالمال في غيره ، وكان الرجل طويل الفكر كتوماً لا يعلن عما ينويه، إلا بعد أن يتخذ الأهبة الكاملة، وان يفرض أسوأ الاحتمالات، ويعد نفسه لها، فلما سار من بغداد قاصداً الموصل أخذ البوازيج وهي قرية قرب تكريت ، ليملكها وتقوى بها، ويجعلها في ظهره أن منعه جاولي عن البلاد ، ومن حذره تردده في دخول دمشق بعد أن وعده جماعة من أهلها بفتح أبوابها له، خوفاً من أن يتفرق جيشه ولضيق المسالك ولأمكان مهاجمتهم من ظهور البيوت . ولما وصل الروم الفرنج إلى الشام نازلوا حلب، ولم ير عماد الدين أن يخاطر بالمسلمين ويلقاهم لأنهم كانوا في جمع عظيم فانحاز عنهم ونزل قريباً منهم يمنع عنهم الميرة .
6- قدرته على اختيار الأكفاء من الرجال :
وكان يختار الرجال الأكفاء، الذين أخلصوا له، وكانوا دعائم دولته، ودولة أبنائه من بعده، فقد كانت له همة عالية، ورغبة في الرجال وذوي الرأي والعقل، ويرغبهم ويخطبهم من البلاد، ويوفر لهم العطاء، وقال ابن الأثير حكى لي والدي، قيل للشهيد أن هذا كمال الدين، ويحصل له في كل سنة ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية، وغيره يقنع منه بخمسائة دينار فقال لهم بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي، إن كمال الدين يقل له هذا القدر وغيره يكثر له خمسمائة دينار، أن شغلا واحد يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار، وكان كما قال رحمه الله ، وكان يتعهد أصحابه ويمتحنهم فقد أعطى يوماً خُشكُنانكه إلى طشت دار له وقال : احفظ هذه. فبقى نحو سنة لا تفارقه خوفاً أن يطلبها منه، فلما كان بعد سنة سأله عنها، فأخرجها من منديل كان لا يفارقه خوفاً من أن يطلبوا منه، فاستحسن ذلك وجعله دز دار لقلعة كواشي – وهي قلعة حصينة في الجبال الواقعة شرقي الموصل ، وكان يخطب الرجال ذوي الهمم والآراء الصائبة والأنفس الأبية ويوسع في الأرزاق فيسهل عليهم فعل الجميل واصطناع الرجال، ومن أسباب توفيقه أنه كان نقاداً للرجال، يعرف كيف يختار الأكفاء الصالحين منهم ويوليهم ثقته ، فمن هؤلاء :
أ- بهاء الدين الشهرزوري الذي يقول عنه ابن القلانسي : وكان صاحب عزيمة وهمة نافذة ويقظة ثابته.
ب- ومنهم وزيره ضياء الدين أبي سعيد ابن الكفرتوثي، وكان على ما حكى عنه، حسن الطريقة جميل العقل كريم النفس مرضي السياسة مشهوراً للنفاسة والرئاسة.
ج- ومنهم نصر الدين جقر وقد كان لنصير الدين أخبار في العدل والإنصاف وتجنب الجور والاعتساق، أخباره متداولة بين التجار والمسافرين ومتناقلة بين الواردين والصادرين من السفار وقد كان رأيه جمع الأموال من غير جهة حرام، لكنه يتناولها بألطف مقال وأحسن فعال، وأرفق توصل واحتيال، فهذا محمود من ولاة الأمور وقصد سديد في سياسة الجمهور، وهذه هي الغاية في مرضي السياسة والنهاية في قوانين الرياسة .
7- تقديره للرجال :
ويظهر تقديره للرجال من تولية نائبه بالموصل فبعد مقتل نصير الدين ؟ ارتاب في من يقيمه في موضعه، ويخلفه ؟ في منصبه، فوقع اختياره على الأمير علي كوجك، لعلمه بشهامته ومضائه في الأمور وبسالته، فولاه مكانه، وعهد إليه أن يقتفي آثاره في الاحتياط والتحفظ، وتتبع أفعاله في التحرز، واليقظة وإن كان لا يغني غناءه ولا يضاهي كفاءته ومضاءه، فتوجه نحوها، وحصل بها وساس أمورها، سياسة سكتت معها نفوس أهلها، وبذل جهده في حماية المسالك وأمن السوابل، وقضاء حوائج ذوي الحاجات، ونصرة المظلومين فاستقام الأمر وحسنت بتدبيره الأحوال وتحققت بيقظته في أعماله الأمان .
8- قليل التلون والتنقل :
وكان عماد الدين زنكي رحمه الله قليل التلون والتنقل، بطيء الملل والتغير، شديد العزم، لم يتغيّر على أحد من أصحابه مُذْ مَلَك إلى أن قتل إلا بذنب يوجب التغير والأُمراء والمِقَّدمون الذين كانوا معه أولاهم الذين بقوا أخيراً من سَلِمَ منهم من الموت فلهذا كانوا ينصحونه ويبذلون نفوسهم له وكان الإنسان إذا قدم عسكره لم يكن غريباً : إن كان جندياً اشتمل عليه الأجناد وأضافوه، وإن كان صاحب ديوان قصد أهل الديوان وإن كان عالماً قصد القضاة بني الشَّهُزُوري، فيحسنون إليه ويؤنسون غربته فيعود كأنه أهل وسبب ذلك جميعه أنه كان يخطب الرجال ذوي الهمم العليَّة والآراء الصائبة والأنفس الأبية، ويوسع عليهم في الأرزاق، فيسهل عليهم فعل الجميل واصطناع المعروف .
9- غيرته :
أتصف عماد الدين زنكي بالغيرة الشديدة ولا سيما على نساء الأجناد، فإن التعرض إليهنَّ كان من الذنوب التي لا يغفرها وكان يقول : إن جندي لا يفارقوني في أسفاري وقلَّما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنع من التعُرض إلى حُرمهم هلكن وفَسَدْت، وكان قد أقام بقلعة الجزيرة دُزْداراً اسمه نور الدين حسن البربطي، وكان من خواصَّه وأقرب الناس إليه، وكان غير مرضي السيرة، فبلغه عنه أنه يتعَّرض للحُرمَ، فأمر حاجبه صلاح الدين الياغسيساني أن يسير مُجدا ويدخل الجزيرة، فإذا دخلها أخذ البربطي وقطع ذكره، وقلع عينيه، عقوبة لنظره بهما إلى الحرم، ثم يصلبه، فسار الصَّلاح مجُداً، فلم يشعر البربطي إلا وقد وصل إلى البلد، فخرج إلى لقائه، فأكرمه الصَّلاح ودخل معه البلد، وقال له : المولى أتابك يُسلَّم عليك ويريد أن يُعلَيَ قدرك ويرفع منزلتك ويسلَّمَ إليك قلعة حلب، ويوليَّكَ جميع البلاد الشامية لتكون هناك مثل نصير الدين، فتجهَّز وتحدر مالك في الماء إلى الموصل، وتسير إلى خدمته، ففرح ذلك المسكين فلم يترك له قليلاً ولا كيثراً إلا نقله إلى السفن ليحدرها إلى الموصل في دِجْلة، فحين فرغ من جميع ذلك أخذه الصَّلاح وأمضى فيه ما أمر به، وأخذ جميع ماله، فلم يتجاسر بعده أحد على سلوك شيء من أفعاله .
10- عدله :
حرص عماد الدين زنكي على نشر العدل بين رعيته، فقد أوصى عماله بأهل حران، ونهي عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية هذا ما حكاه أهل حران، وأما فلاحو حلب، فأنهم يذكرون ضد ذلك لأنه كان يلزم الناس ويجمع الرجال للقتال والحصار ، وكان من أحسن الملوك سيرة وأكثرها حزماً وضبطاً للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل، يعجز القوي من ظلم الضعيف ومما رواه أبو شامه، أن الشهيد كان بجزيرة في الشتاء، فدخل الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ومن ذوي الرأي عنده، ونزل بدار يهودي وأخرجه منها، فأشتكى اليهودي والشهيد راكب وبجانبه عز الدين أبو بكر الدبيسي، ليس فوقه أحد، فلما سمع أتابك الخبر، نظر إلى أبي بكر الدبيسي نظرة غضب ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقري ودخل البلد، فأخرج خيامه وأمر بنصبها خارج البلد، ولم تكن الأرض تحتمل نصب الخيام، فوضعوا عليها التبن، وخرج إليها من ساعته، وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأراضي، والاكتفاء بالاقطاعات لأن الأملاك متى صارت لأصحاب السلطان، ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم ولحسن سيرته قصده الناس يتخذون بلاده داراً للاقامة ومن عدله أنه لما فتح المعّرة وأخذها من الفرنج جاءه الناس يطلبون أملاكهم وكان عماد الدين حنفي المذهب ومن مَذهب أبي حنيفة – أن الكفار إذا استولوا على بلد وفيه أملاك المسلمين خرجت تلك الأموال عن أصحابها لصيرورة البلد دار حرب، فإذا عاد البلد بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال، ولما طلب الناس منه أملاكهم استفتى عماد الدين الفقهاء، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولاحظَّ لأصحابها فيها فقال : رحمه الله : إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم ونحن نأخذ أملاكهم فأي فرق بيننا وبين الفرنج ؟ كل من أتى بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يعترض لشيء
منها .
11- عبادته :
كان عماد الدين زنكي يشعر بمسووليته كمسلم سواء في سياسته وعلاقاته العامة أم في سلوكه الشخصي فقد كرس حياته وطاقاته في سبيل (الجهاد) ضد الصليبيين والجهاد من أفضل أركان العبادة ، واعتبر نفسه قائد المسلمين الأول في الوقوف بوجه الخطر الصليبي معتقداً أن مركزه – كأقوى أمير في المنطقة – يحتم عليه ذلك ولعل موقفه من التحالف البيزنطي الصليبي ضد المسلمين عام 532ﻫ يوضح طبيعة نظرته في هذا المجال، فعندما قرر الاستنجاد بالسلطان السلجوقي واعترض قاضيه بأن ذلك ربما أدى إلى تمهيد الطريق أمام سيطرة السلاجقة على بلاده ردّ قائلاً : إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار ، وكان كلما قرر التوجه لقتال الصليبيين استثار في المسلمين تعشقهم للجهاد ففي عام 524ﻫ - على سبيل المثال – اتجه إلى الشام وصمم العزم على الجهاد ... وإعلاء كلمة الله ، وفي عام 532ﻫ سار إلى بعرين الخاضعة للصليبيين : وجمع عساكره وحثهم على الجهاد ، وعندما عزم على فتح الرها عام 539ﻫ تبعته العساكر .. عازمين على أن يؤدوا فريضة الجهاد . وقد لاقى فتحه للرها استبشاراً عاماً لدى المسلمين في كل مكان : فأمتلأت به المحافل في الآفاق، واعتبروه نصراً حاسماً للإسلام ضد الصليبية ، ومن ثم فإن مفهوم الجهاد خلع على عماد الدين زنكي صفة إسلامية في نظر المسلمين إلى الحد الذي دفع العماد الأصفهاني إلى القول : بأنه كان قطباً يدور عليه فلك الإسلام ، كما ذكر رنسيمان أن زنكي اعتبر نفسه " حامي الإسلام " ضد الصليبيين ، وتتضح نزعة زنكي الدينية في سياسته الداخلية وفي سلوكه الشخصي كذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي تبين إلى أي مدى بلغ الحسّ الديني لدى هذا الأمير المسؤول، فعندما قام عام 534ﻫ - على سبيل المثال – بتولية هبة الله بن أبي جرادة قضاء حلب قال له : هذا الأمر قد نزعته من عنقي وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله . وكان يتصدق كل جمعة بمائة دينار جهراً، ويتصدق بما عداها من الأيام سراً . كما كان يستفتي الفقهاء والقضاة قبل إقدامه على كثير من الأعمال ، وقد أقام الحدود الشرعية في أنحاء بلاده.
شبهات حول شخصية عماد الدين :
إن عدداً من المؤرخين يأخذون على زنكي لجوءه إلى الغدر والظلم إزاء أعدائه في بعض الأحيان، فيصفه الأصفهاني بأنه كان يبلغ في ذلك حد الظلم ويصفه الذهبي بالظلم والزعارة ، ويذكر أسامه بن منقذ كيف كان زنكي أحيانا يسكت عن الأساليب القاسية التي اتبعها أحياناً بعض كبار موظفيه أمثال الياغسياني حاجبه ، ونصير الدين جقر نائبه في الموصل ، ويحمل ابن واصل عليه لدى استعراضه أحداث الهجوم على حماه عام 524ﻫ - قائلاً : وأرتكب أمراً قبيحاً أنكره الناس عليه، ولا شيء أقبح من الغدر. ولما عزم على تلك الفعلة الشنعاء، استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتاه من لا دين له، وجوز له مالا يحل ولا يحسن شرعاً وعرفا . وقد ناقش الدكتور عماد الدين خليل تلك التهم وقال : .. ولعل ما يبرر لزنكي موقفه هذا إزاء أمراء الشام، محاولته الجادة لكسب الوقت وتوحيد العدد الأكبر من المدن ذات الحكم الذاتي هناك من أجل الإسراع بتشكيل الجبهة الإسلامية الموحدة للوقوف بوجه الخطر الصليبي، بعد أن أدرك عدم إمكان تحقيق نصر حاسم ضدهم في حالة تمزق بلاد الشام إلى إمارات عديدة متطاحنة، فكان لابد من الخدعة سيما وإنها في حالة كهذه توفر على المسلمين كثيراً من الجهود والدماء، لذا نجد زنكي يستفتي الفقهاء قبل أن يقدم على فعلته هذه، وشبيه بهذا. الحيلة الطريفة التي مكتنه عام 529ﻫ من الاستيلاء على الرقة، دون سفك قطرَّة دم واحدة . وهل الحرب ضد الأمراء الذين سنوا وحدة الأمة ومصالحها الحيوية، إلا خداعهم والكيد لهم، أما أعدامه بعض أمراء بعلبك أثر استيلائه عليها بعد قتال عنيف عام 534ﻫ فقد جاء نتيجة نقضهم بعض الشروط التي تم الاتفاق عليها قبيل مغادرتهم القلعة ولعل هذه الخادثة هي أبرز ما دفع المؤرخين إلى وصف زنكي بالقسوة والغدر، وقد أشار ابن الأثير – في الكامل – إلى ذلك بقوله : واستقبح الناس ذلك من فعله، واستعظموه. وخافه غيرهم . ولكن زنكي سرعان ما سعى إلى التعويض عن خطأه هذا وذلك بإصداره العفو عن العدد الأكبر من المحكوم عليهم بالإعدام، وتولية بعلبك لنجم الدين أيوب وهو الذي بذل جهوداً مشكورة في التوسط لهؤلاء الأمراء والدفاع عنهم . وفي حصار زنكي لقلعة جعبر عام 541ﻫ، جرت مفاوضات بين الطرفين وافق فيها على تسلم مبلغ ثلاثين ألف دينار مقابل فك الحصار عن القلعة وما أن وصله الرسول حاملاً المبلغ المتفق عليه حتى ردّه من حيث جاء، بعد أن وردته أنباء تشير إلى أن القلعة قد أوشكت على السقوط ، وهو موقف يبرره تماماً حرصه على وحدة الجبهة الإسلامية إزاء أنانيات الأمراء الصغار وأطماعهم الذاتية . وأما ما أورده ابن العديم من أن زنكي كان يقول : ما يتفق أن يكون أكثر من ظالم واحد – قاصداً نفسه ، فإنه لا يعني سوى عزمه على اتباع نظام المركزية في الإدارة، وتركيز السلطة بيد المسؤول الأعلى .
هواياته :
كان طبع زنكي الحاد، وعمله المتواصل من أجل تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، ويستنفذان الكثير من وقته، ولا يتيحان له من الفراغ للراحة والتمتع إلا القليل القليل وفي هذه الفترات المتباعدة من التحرر من قيوم العمل والمسؤولية، كان زنكي يسعى للترفيه عن نفسه وممارسة هواياته المفضلة التي كان الصيد والطراد أبرزها وأقربها إلى طبيعته الحادة .ويحدثنا ابن منقذ عن الجولات التي قام بها مع أمير الموصل وعن أنواع الصيد ووسائله وحيله ولنستمع إليه : شاهدت زنكي يوماً، وكانت له الجوارح الكثيرة، ونحن نسير على الأنهار، فيتقدم البازدارية بالبزاة ويطلقونها على طيور الماء، وتدق الطبول كجاري العادة، فتصيد – من طيور الماء – ما تصيد، وتخطئ ما تخطئ ووارءهم الشواهيق الجبلية على أيدي البازدارية، فإذا أخطأت البزاة أرسلوا الشواهيق على الطيور ، ويستطرد ابن منقذ قائلاً : وشاهدته يوماً ونحن بظاهر الموصل ..0 وبين يديه بازدار على يده باشق، فطار ذكرُ دراج ، فأرسله عليه، فأخذه ونزل. فلما صار في الأرض – تمكن من الإفلات – فلما أرتفع لحقه الباز وأخذه ونزل به وقدثبته . ثم يمضي ابن منقذ يقضى علينا وجوها أخرى من الصيد، الذي كان يألفه زنكي ويهواه : فيقول : ورأيت زنكي وهو في صيد الوحش مراراً عديدة، فإذا ما نصبت الحلقة واجتمعت الوحوش داخلها – ثم حاولت الخروج – رموها وكان زنكي من أرمى الناس، فكان إذا دنا منه الغزال، رماه فنراه، كأنه قد عثر فيقع ويذبح وشاهدته وقد ضربوا الخيام، فوصل الوحش إلى الخيام، فخرج الغلمان بالعصي والعمد فضربوا منها شيئاً كثيراً .. وشاهدته يوماً ونحن بسنجار. وقد جاءه فارس من أصحابه فقال : ها هنا ضبعة نائمة؛ فسار زنكي، ونحن معه إلى واد هناك والضبعة نائمة على صخرة في سفحة، فترجل ومشى حتى وقف مقابلها وضربها بنشابه، فوقعت أسفل الوادي، فنزلوا وجاءوا بها بين يديه وهي ميتّة . وكان الملوك والأمراء إذا أرادوا التقرب إلى زنكي وكسب وده قدموا له هدايا مما اصطادوه من طيور وحيوانات شتى، وكان يرد عليهم – بدوره – بهدايا مما جنته يداه في جولات الصيد والطراد فهوداً وبزاة وصقوراً ، ولم يكن تعشق زنكي لسباق الخيل ومهارات الفروسية بأقل من تعشقه للصيد والطراد، فهذه هواية تصدر هي الأخرى عن الطبع الجاد والرغبة في قضاء أوقات الفراغ بما هو مجد في عصر كانت الفروسي فيه شارته الأولى . وفي فترات أخرى من فترات الفراغ المتباعدة كان زنكي يروح عن نفسه بالقيام منفرداً برحلات هادئة في نهر دجلة، متخففاً من أعباء ومهام إمارة شاسعة الأطراف يتربص بها الأعداء من كل جانب .
رابعاً : سياسته الداخلية :
اهتم عماد الدين زنكي بضبط إمارته وكانت النظم التي سار عليها تعتبر امتداداً طبيعياً لمن فصلناه في كتابنا عن السلاجقة وتحول الموصل من عهد ولاة السلاجقة (489 - 521ﻫ ) إلى عهد الأتابكة – لم يؤد إلى ظهور مؤسسات إدارية جديدة بالمرة على المنطقة بل إن معظم هذه المؤسسات ظل موجوداً في العهد الجديد مع إجراء بعض التعديلات واستحداث عدد قليل من المناصب التي اقتضتها الظروف السياسية، والعسكرية الجديدة وأقام زنكي تنظيماته الإدارية على اكتاف مجموعة الموظفين منحهم نوعاً من الاستقلال الذاتي في ممارسة شؤونهم الإدارية، ولكن تحت إشرافه التام ومراقبته الدقيقة، وكان هؤلاء الموظفون يعملون في أربعة مجالات رئيسية هي :
* محافظة قلعة الموصل وسائر قلاع الإمارة. وكانت تسمى في كثير من الأحيان : النيابة، ويدعى متوليها (النائب).
* ولاية المدن والأعمال.
* الوزراة.
* الدواوين.
1- نيابة الموصل أو محافظة القلعة :
أنشأ زنكي هذا المنصب حال دخوله الموصل في رمضان عام 521ﻫ وقد أطلقت المصادر عليه لقب النيابة أحياناً ، وذر دارية قلاع الإمارة أحياناً أخرى . ولما كانت كلمة دزدار الأعجمية تعني حافظ القلعة فمن الممكن تسمية هذا المنصب بالمحافظة وكان من مهام نائب الموصل أن يدير شؤونها وبقية أجزاء الإمارة نيابة عن زنكي، وأن يكاتب السلطان السلجوقي والخليفة العباسي عن أحوال الإمارة خلال تغيب الأمير ، ومن مهامه جمع الضرائب وجباية الأموال، والإشراف المستمر على أحكام تحصينات الموصل وتعميق خنادقها، فضلاً عن الأعمال العسكرية المحصنة كالدفاع عن المدينة ، والقيام بحملات توسعية بناء على أوامر زنكي وكان نائب زنكي بالموصل يشرف على إقامة الحدود وتعقب المفسدين ومثيري الفتن مدمني الخمر ومعاقبة كل منهم حسب جريمته فضلاً عن مراقبة أبواب العاصمة والطواف في أحياء التجارة والمال وغير ذلك من الأعمال. وفي أغلب الظن أن السلطات الإدارية الواسعة التي كان نائب زنكي يمارسها كانت تتطلب جهازاً إدارياً واسعاً لتنفيذ الأوامر والقرارات ، ومن أشهر نواب زنكي في الموصل.
أ- نصير الدين جقر بن يعقوب 521 - 539ﻫ :
هو أبو سعيد جعقر بن يعقوب الهمذاني الملقب : نصير الدين وكان جقر أعظم أصحاب زنكي منزلة، وقد لعب دوراً هاماً في توليته على الموصل عام 521ﻫ واتبع جقر سياسة إدارية تضاربت المصادر في تحديد سماتها، بل إن المصدر الواحد لم يستطع تجنب هذا التناقض، فابن خلكان يصفه بأنه عرف بالعدل والإنصاف وتجنب الجور والظلم، ثم يشير إلى أن الطابع العام لسياسته وما أشتهر عنه هو الظالم وإنه كان : جباراً عسوفاً سفاكاً للدماء مستحلاً للأموال ، ويشير الفارقي إلى مالقي الناس منه من شدة الجور والظلم والقتل والمصادرات والأقساط وكان ظلم جقر – كما يشير ابن خلكان – أحد أسباب المؤامرة التي دبرها أحد الأمراء ضده . وكان زنكي يقول عنه : إنه يخافني وما يخاف الله . ووضح عماد الدين خليل هذه التناقضات بقوله : .. بأن جقر اتبع سياسة شديدة قاسية ممتزجة بأسلوب من الرفق واللباقة أضفى على سياسته سمات العدل، ودفع بعض المؤرخين على عدم التأكيد على أي من الجانبين. ويظهر أنه كان قد اهتم إلى حد كبير بتجميع الأموال لحسابه وحساب أهله وأقاربه حتى أن زنكي لدى عودته إلى الموصل بعد مقتل جقر، استخرج ذخائره وصادر معظم ما لأولئك الأقارب . إن أهم الأعمال التي أنجزها جقر خلال فترة نيابته هي إحكامه لاسوار الموصل. وحفره لخنادقها ودفاعه عنها ضد حصار الخليفة المسترشد العباسي عام 527ﻫ الذي اضطر أخيراً إلى الإنسحاب بسبب صمود جقر لقيادة جيوش زنكي لدى مهاجمة حصون الأكراد في الجهات الجبلية شمالي الموصل، حيث تمكن من الاستيلاء على معظمها ، كان يساعد جقر في حكم الموصل وال يعينه هو .
ب- زين الدين علي كجك بن بكتكين 539 - 541ﻫ:
يعتبر زين الدين علي كجك من أبرز رجال عماد الدين، وأحد قادته الكبار وقد اشترك معه في معظم حروبه في بغداد والشام ومناطق الأكراد وكان زين الدين رجلاً صالحاً، ذا أصل تركماني، لقب بكجك أي : القصير اللطيف وكان معروفاً بالقوة والشجاعة والأقدام رؤوفاً بالفقراء مواساً للمرضى . اشتهر بالمحافظة على حسن العهد، وأداء الأمانة، ولم يمارس غدراً قط ، وبلغ من تقواه أن قال عنه زنكي : إنه يخاف الله ولا يخافني ، وقد رأى عنه أهل الموصل كل خير، واستقام له الأمر، وحسنت بتدبيره الأحوال ، وانتشر الأمن في المنطقة وازداد عمران البلاد ، وتحققت بهذا آمال السكان .
ت- نائب زنكي في حلب :
أدرك زنكي أهمية حلب بالنسبة لأعماله العسكرية والسياسية في الشام فاتخذها قاعدة له في المنطقة واعتبرها عاصمته الإدارية هناك، وأقام فيها جهازاً إدارياً يشابه إلى حد ما ذاك الذي أقامه في الموصل، وجعل على رأس هذا الجهاز نائبه في حلب ليقوم في منطقة الشام بما يقوم به نائبه في الموصل في الجهات الشرقية من إمارته وقد جعل عماد الدين زنكي نائبه في حلب المسؤول الأعلى عن الجهاز الإداري هناك، وكان نائبه من كبار القادة العسكريين وكان يطلق عليه أحياناً اسم " مقدم زنكي في حلب " ومن أشهر نواب عماد زنكي في حلب سوار بن ابتكين قدم إلى حلب عام 524ﻫ الأمير سوار الملقب بمسعود هارباً من دمشق أثر تدهور علاقته بأميرها، وتقدم لعرض خدماته على زنكي : فأكرمه هذا وشرفه وخلع عليه، وأجرى له الاقطاعات الكثيرة وأعطاه ولاية حلب وأعمالها، واعتمد عليه في قتال الصليبيين، وكان له بصيرة بالحرب وتدبير الأمور ، وكانت أعماله العسكرية هي التي أكسبته شهرة واستنفذت معظم أوقاته وجهوده بسبب قربة من المواقع الصليبية وهكذا كان الأمير سوار يقوم بشن هجمات سريعة خاطفة على قوات الصليبيين وقوافلهم وكان – أحيانا أخرى يمّد قوات زنكي بجند من عنده يقودهم بنفسه إن دعت الضرورة، كما كان يقوم بالدفاع عن مدينة حلب وأعمالها ضد هجمات الصليبيين، وفضلاً عن الجنود النظاميين الذين أعتمدهم. كان ينضم إليه أحياناً كثيرة تركمان المنطقة ، طمعاً في الغنيمة أو حباً للجهاد. وقد استمر سوار في منصبه حتى مقتل زنكي عام 541ﻫ .
ث- ولاة (نواب زنكي على المدن والقلاع :
يتضح مما سبق أنه كان لزنكي نائبان مركزيان هما : نائبه في الموصل الذي يشرف على الجهات الشرقية من الإمارة، ونائبه على حلب الذي يشرف على الجهات الغريبة " أي القسم الشامي ". وفضلاً عن هذين عين زنكي على المدن والأقاليم التي فتحها مجموعة من الولاة يطلق عليهم اسم النواب أو العمال .