عرض مشاركة واحدة
قديم 15-11-2008, 12:23 PM   رقم المشاركة : 10
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

الللقاء الرابع من سيرة عماد الدين زنكى



*سلوك الأمراء والجند تجاه سكان وحاميات المدن المفتوحة :


كانت الاعتبارات السياسية والعسكرية هي التي تجدد سلوك الجند وأمرائهم تجاه سكان وحاميات المدن المفتوحة، ففي عام 533ﻫ على سبيل المثال، فتح زنكي حصن بزاعة بالسيف : وقتل كل من فيه من الروم والفرنج ، كرد انتقامي على سلوك الروم والصليبيين تجاه المسلمين لدى استيلائهم على هذا الحصن، ومعاملتهم لأهله بوحشية بالغة . كما أن هذا الحصن كان يشكل مركزاً عسكرياً مهما لقربه من حلب ومن ثم فإن وجود أية جماعة تؤيد الصليبيين فيه يشكل خطراً على المنطقة كلها وكذلك يمكن القول في موقف زنكي عند فتح الرها عام 539ﻫ، بعد مقاومة شديدة دفعته إلى إطلاق الحرية لجنده وأمرائه في الأيام الأولى من الفتح، فملأوا أيديهم من الغنائم والأسلاب والأسرى، لكنه لدى إطلاعه على البلد : أعجبه منظره فأسف لمثله في الخراب، ورأي أن خرابه وإخلاءه غير مستحسن، فأمر باعادة ما أخذ من الغنائم والسبي فردوا، وعاد البلد عامراً، آهلاً بالسكان، بعد أن كان داثراً . وهكذا نجد أن موقف زنكي بالسماح لجنده بالنهب والأسر كان ذا اعتبار عسكري بسبب المقاومة العنيفة تلك الأعمال كان ذا اعتبار سياسي، إذ كان يرمي من وراء ذلك جعل المسيحيين الوطنيين في الرها كتلة واحدة يقيد منها ضد الصليبيين الذين يخالفونهنم في المذهب، ولعله أراد أن يستعين بالمسيحيين الوطنيين بالإضافة إلى الحامية التركية في المحافظة على الرها بعد طرد القوات الصليبية منها . ولذلك اجتهد في مصالح – أهل الرها – ووعدهم باجمال السيرة وبسط العدالة ، وعلى هذا الأساس كانت معاملة زنكي لأهل بعلبك وأمرائها بعد أن أعطاهم الأمان، إذ أن ما أتخذه معهم من شد وقسوة قصد به إثارة خوف المقاتلين له من المسلمين في دمشق .



- علاقة عماد الدين زنكي بجنوده :



قامت علاق عماد الدين زنكي بجنده على النظام والطاعة والانضباط من جهة وعلى الود والتعاطف والرأفة من جهة أخرى، بسبب ما قدمه للجند من رواتب حسنة، وما شمل به أهليهم من رعاية واهتمام ، وكان عقابه صارماً للمخالفين من جنده سيما إذا كانت مخالفتهم على حساب الرعية ، وقد بلغ زنكي من السطوة والنفوذ لدى جنده أنه : إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خيطين، مخافة أن يدوس العسكر شيئاً من الزرع، ولا يحسر أحد من هيبته أن يدوس عرقاً منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يحسر أحد من أجناده أن يأخذ من فلاح حفنة من التبن إلا بثمنها، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية ، وكان زنكي يقدر الدور الهام الذي يؤديه الجند في خدمة الإمارة لذلك عني بتوفير الراحة والاستقرار للجندي في كل ما يتعلق به، وبخاصة عائلته وزوجته؛ فكان شديد الغيرة على الحريم، لا سيما نساء الجند، فإن التعرض إليهن كان من الذنوب التي لا يغفرها وقد علل ذلك بقوله : إن جندي لا يفارقوني في أسفاري وما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حرمهم هلكن وفسدن ، ولذلك كان يعاقب المتعرضين للنساء أشد العقاب وقد مّر معنا قصة والي جزيرة ابن عمر التابع لعماد الدين زنكي (حسن البرطي) وكيف جرده من كل أمواله وعاقبة .



- الاستخبارات :


أقام عماد الدين زنكي جهازاً للمخابرات وخصص له الموظفين والرواتب وقد ورد عنه أنه : كان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجري لأصحابها حتى في خلواتهم، وكان له في بلاط السلطان السلجوقي من يطالعه وبكتب إليه بكل ما يفعله السلطان في ليله ونهاره وحرب وسلم، وهزل وجد، وكان (يصرف) على ذلك الأموال الجليلة، وكان يصل إليه في كل يوم عدة قاصدين أو كتب كما كان له في كل بلد من يطالعه بالأخبار ، وقد اتصف عماد الدين زنكي بالدراية الواسعة والحذر في هذا المجال : فكان لا يمكن رسول ملك يعبر في بلاده بغير إذنه، وإذا أستأذنه رسول في العبور إلى بلاده أذن له وأرسل إليه من يسيره ولا يتركه يجمتع بأحد من الرعية ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاده ويخرج منها ولا يعلم من أحوالها شيئاً البتة ، كما كان لا يمكن أحد موظفيه من مغادرة بلاده ويعلل ذلك بأن البلاد، كبستان عليه سياج فمن هو خارج السياج يهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدل على عورتها ويطمع العدو فيها، زالت الهيبة وتطرق الخصوم إليها وهنالك عدد من الروايات حول هروب بعض موظفيه وفلاحيه إلى الإمارات الأخرى وإلحاحه بإعادتهم إلى إماراته حتى لو اضطره ذلك إلى استخدام القوة وقد قدم جهاز مخابراته خدمات مهمة له في ظروف شتى ولعب دوراً هاماً في حصار بعرين عام 531ﻫ ، وحصار الرها عام 539ﻫ كما كان يستخدمه عماد الدين على أحوال الجند لدى حصارهم بعض المواقع وملاحظة ما يصل إليهم من رواتب وسلاح ، وكان عماد الدين زنكي مع اشتغاله بأمور الدولة الهامة لا يهمل الإطلاع على القضايا الثانوية، معللاً ذلك. بأن الصغير إذا لم يعرف ليمنع، صار كبيراً . وكان من الطبيعي أن رجال المخبارات في الدولة الزنكية ارتبطوا بعماد الدين مباشرة نظراً لأهمية دورهم السياسي والعسكري، ولأنهم كانوا يتسلمون أوامرهم المباشرة منه .



1- كان عماد الدين زنكي رجلاً ذا هدف واضح


وهذا أول شروط النجاح، وكان جاداً ومثابراً في تنفيذ خططه، وكان غالباً لا يهادن الصليبيين قاسياً عليهم وكان حريصاً على نشر الخوف في حصونهم وقلاعهم ومدنهم، وكان يقدر الظروف الحربية، فقد هادن جوسلين عندما قدم إلى الموصل لكي يتفرغ لإصلاح البلاد وتجنيد الأجناد، وتجنب مهاجمة مملكة بيت المقدس، حتى لا يثير أوروبا ضده، فقد كان هدفه القضاء على الأطراف مثل الرها، وأضعاف أنطاكية والقضاء على إمارة طرابلس وله فقه كبير في السياسة الحربية ستبين بإذن الله تعالى عند الحديث عن جهوده الوحدوية وأعماله الجهادية.



2- نظام الإقطاع العسكري :


أدرك زنكي ضرورة توزيع الإقطاعات على أمرائه وجنده نظراً لطبيعة الظروف الحربية والسياسية التي جابهتها إمارته، حيث انتشرت مجموعة من الإمارات المحلية المتنافسة في الجزيرة والشام والجبال وشرقي الموصل، فضلاً عن إمارات الصليبيين، فكان ذلك يحتم عليه اتباع الأساليب التي تضمن له تشكيل قوة عسكرية متمكنة، يخلص أفرادها لأميرهم ومصلحة إمارتهم بناء على وجود مصالح مشتركة، وليس ثمة في تلك الفترة ما هو أحسن من الأسلوب الاقطاعي لضمان تكوين الجندي المخلص والجيش القوي المنظم لذلك كان أول عمل قام به زنكي عند دخوله الموصل 521ﻫ هو "تقرير قواعد الجنود وإقطاع العساكر" كما جعل من منهجه قبل الاصطدام مع الصليبيين، الاستيلاء على ما بقي من البلاد الشامية والجزرية، وإصلاح شأنها، والفرغ من إقطاع بلادها لجند يختبرهم ويعرف نصحهم وشجاعتهم وفي سبيل تحقيق ذلك عقد هدنة مؤقتة مع صليبي الرها ، ولم تكن معظم مدن الموصل والجزيرة وشمالي الشام خاضعة لزنكي عند توليته هذه المناطق رسمياً من قبل السلطان السلجوقي، لذا غدت معظم عمليات التوزيع الاقطاعي متوقفة إلى حد كبير على فتوحاته ومتدرجة زمنياً مع أوقات هذه الفتوحات، فكان كلما استولى على بلد " رتب أموره وأقطع أعماله الأجناد والأمراء وفضلاً عن قيام المقطع بالدفاع عن المنطقة وامداد جيوش زنكي بقوات من عنده في حالات القتال فقد استخدم الأخير الاقطاع لأغراض أخرى أهمها الغرض الإداري، وهو قيام المقطع بإدارة أمور ولايته كوال من قبل زنكي على تلك المنطقة أو لإبعاد الشخص الذي يرى في وجوده خطراً باقطاعه منطقة بعيدة، أو لإكرام بعض أمرائه المقربين اعترافاً بفضلهم أو لإغراء بعض أعدائه بتسليم حصونهم مقابل إقطاعهم بعض المناطق ، كما أنه تنازل عن بعض الحصون التي فتحها في ديار بكر لحسام الدين تمرتاش أمير بني أرتق وذلك لأغراض سياسية تستهدف تقوية حلفه مع حسام الدين ضد أعدائه في المنطقة وإليك أسماء بعض الأمراء والقواد الذي أقطعهم زنكي بعض المدن والحصون :



أ- الأمير جاولي الذي كان وصياً على ابن عز الدين مسعود والي الموصل المتوفي عام 521ﻫ، أقطع الرحبة تخلصاً من خطره .

ب- بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري، قاضي قضاة الموصل، وهبه زنكي أملاكاً وإقطاعاً
لم تحددها المصادر.

ج- أبو بكر البكجي، أحد كبار أمراء زنكي، أقطع نصيبين .

د- سوتكين الكرجي، أقطع حران عام 522ﻫ أو 523ﻫ وفي عام 527ﻫ أعلن العصيان وقد استطاع زنكي القضاء عليه عام 533ﻫ وعين نوابه هناك .

ﻫ- صلاح الدين الياغسياني (أمير حاجب). قطع حماة عام 523ﻫ.

و- زين الدين علي كجك بن بكتكين، أحد كبار قواد زنكي أقطع أربل عام 526ﻫ ، وعقر الحميدية وأعمالها عام 528ﻫ وشهر زور .

ز- شهاب الدين أميرك الجاندار، أقطع الرقة عام 529ﻫ .

ح- نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه : قطعهما زنكي في بلد شهرزور إقطاعاً سنياً، وقيل أنه أقطع أسد الدين بالمؤزر وذلك بعد التجائهما إليه في أواخر عام 532ﻫ.

ط- عز الدين الدبيسي من أكابر أمراء زنكي، كانت دقوقاً من جملة إقطاعه .

ي- ناصر الدين كوري بن جكرمش (والي الموصل 495 - 500ﻫ) أقطعه زنكي إقطاعاً كثيراً اعترافاً بفضل والده .

ك- الأمير سوار بن ايتكين التركماني، ولي حلب عام 524ﻫ وأجرى عليه زنكي الاقطاعات الكثيرة، وأعتمد عليه في قتال الفرنج .

ل- نجم الدين أيوب الذي ولاه زنكي بعلبك عام 534ﻫ، بعد أن أقطعه ثلثها، وقيل :
نصفها .


وكان زنكي يمتلك بعض الاقطاعات، خارج حدود إمارته حصل عليها في ظروف استثنائية، كتلك التي وهبه الخليفة المقتفي إياها، من أملاكه الخاصة في بغداد، رغبة في استمالته وقال متحدثاً عن ذلك : هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف، وهي أن يكون له في العراق إقطاع . ومن ثم اعتبر هذا النوع من الاقطاع شاذاً . فهذه بعض الأسماء التي قدمتها المصادر عن مقطعي زنكي من كبار الأمراء والقواد، والراجح أن عدداً كبيراً من المقطعين لم تشر إليهم المصادر، أما إغفالاً منها، أو لعدم أهمية الأماكن التي أقطعت لهم من النواحي العسكرية والجغرافية وربما لقلة اشتهار المقطعين أنفسهم ، وقد وزعت الاقطاعات على الجند فضلاً عن الأمراء، وتشير النصوص الواردة في ذلك إلى أن زنكي كان يقوم بنفسه أحياناً، بتقرير قواعد الجند واقطاعهم وأورد ابن الأثير في الباهر الإجراء الذي اتخذه زنكي بشأن امرائه المقطعين، إذ نهى هؤلاء : من اقتناء الأملاك معللاً ذلك بقوله : ما دامت البلاد لنا فأي حاجة بكم إلى الأملاك ؟ فإن الاقطاعات تغني عنها، وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية وتعدوا عليهم، وغصبوا أملاكهم . وهذا النص يؤكد بوضوح عدم وجود ملكية مباشرة للأرض من قبل المقطعين بل كانت هذه الملكية بيد الفلاحين ، والأهالي، مقابل دفع ضريبة سنوية للحكومة والمقطعين ، وقد كان لهذا الإجراء الذي اتخذه زنكي بمنع المقطعين من "التملك" نتائج إيجابية.



* إذ أن اقتناء الأملاك من قِبل هؤلاء يؤدي إلى أضرار عديدة قد تلحق بالأهالي وبمصلحة الإمارة على حد سواء أولها ما يجر إليه المقطعين من ظلم للرعية واعتداء عليهم واغتصاب لأملاكهم، ذلك أن الأمير في حالة كهذه سيستخدم ما يمتلكه من نفوذ وسلطة للضغط على أصحاب الملك ببيعه ملكهم بأقل ثمن، وربما دفعهم إلى التنازل عنه بالقوة ، وقد أدرك ابن الأثير مدى عدالة زنكي في هذه الخطوة فعلق عليها قائلاً : فما أحسن هذا الخلق – أي خلق زنكي وأحسن هذا النظر للرعايا، وأكثر هذه الشفقة عليهم والرحمة لهم. لا خلاف في أن عمارة البلاد من ثمرات العدل، وكف الأيدي المتطاولة إلى أهلها .

*وفضلاً عن ذلك، فإن من نتائج اقتناء المقطعين للأملاك تجمع الثروة بأيدي طبقة محدودة من الأمراء، واحتكار هذه الطبقة لموارد الرزق، بينما تبقى أكثرية السكان في فقر مدقع.

* هذا إلى أن اقتناء الأمراء للأملاك والعناية بها قد يؤدي بهم إلى عدم توجيه جهودهم لكل ما يتعلق بالجندية والدفاع وهي الأمور التي أقطعوا الأراضي والأعمال من أجلها
.

ويستدل من بعض الروايات أنه لم يكن يشترط في المقطع البقاء في إقطاعه خاصة إذا كان من أصحاب الوظائف العالية التي تقتضي ملازمته لزنكي وكان المقطع في هذه الحالة ينيب عنه من يقوم بإدارة اقطاعيته، كما حدث بالنسبة لجمال الدين محمد بن أيوب الياغسياني، أمير حاجب زنكي، الذي أقطع عدة مدن، فأناب في كل منها من يعتمد عليه في إدارة شؤونها (كحماه التي أناب فيها ابنه شهاب الدين أحمد ، وحصن الخربة الذي أناب فيه عيسى الحاجب ، وكذلك بالنسبة لزين الدين على كجك بن بكتكين قائد زنكي في الموصل، الذي أقطع أربل وعقر الحمدية وأعمالها ومن المرحج أنه أناب عنه فيهما من يدير شؤونهما، بدليل عدم مغادرته الموصل إلى إقطاعه في أربل إلا عام 563ﻫ .

وتشير الروايات إلى أن نور الدين محمود ابن زنكي أدخل نظام التوريث في الإقطاع، إذ كان : من آرائه الحسنة ما كان يعتمده في أمر أجناده، فإنه كان إذا توفي أحدهم، وخلف ولداً ذكراً، أقر الإقطاع عليه. فكان الأجناد يقولون : هذه أملاكنا يرشها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها وكان ذلك من أعظم الأساب لصبر الجند في الحروب بين يديه . وقد رجح الدكتور عماد الدين خليل أن زنكي سبق ابنه في إدخال هذا النظام، إذ هنالك سابقة من عهده تُشير إلى هذا الاتجاه الجديد في نظام الإقطاع، وذلك عندما قام بنقل طائفة من التركمان مع أميرهم الياروق إلى الشام؛ وأسكنهم بولاية وأمرهم بجهاد الفرنج، وملكهم كل ما استنقذوه من البلاد التي للفرنج وجعله ملكاً لهم، فكانوا يغادون الفرنج بالقتال ويراوحونهم وأخذوا كثير من السواد ، وسدوا ذلك الثغر العظيم، ولم يزل جميع ما فتحوه في أيديهم إلى نحو سنة 600ﻫ. ولا شك أن زنكي، أدرك، كما أدرك ولده من بعده مدى النتائج الإيجابية التي يمكن أن يؤدي إليها نظام التوريث هذا، وأهمها إخلاص جنده له، واستماتتهم في القضاء على ما يهدد إمارته من أخطار لما في ذلك من مصلحة لهم ولأولادهم الذين سيرثون إقطاعهم من بعدهم .



3- نظام الإعداد القيادي (الأتابكية) :


وهي كلمة مشتقة من الكلمة التركية أتابك المركبة من المقطعين (أتا) بمعنى : أب و " بك " بمعنى أمير، وتعني " الوالد الأمير" وكان هذا اللقب يطلق على من يتولى تربية أبناء الملوك والسلاطين، ويرعى شؤونهم وكان الأتابك : هو الحاكم الأعلى في الأتابكية، وكان يلقب بالملك أيضاً، وله الإشراف على جميع شؤون المملكة أو الأتابكية، كما أنه يعد المسؤول الأول عن السياسية الخارجية، ومن حقه أن يعلن الحرب ويقود الجيوش، ويعين الولاة والقواد، فهو لذلك أشبه بالسلطان السلجوقي، كما أن له الحق في نقش اسمه على السكة، والدعاء له في الخطبة إلى جانب اسم الخليفة والسلطان .

وقد عرف عماد الدين زنكي بلقب ( الأتابك ) منُذ تعينه حاكماً على الموصل عام 521ﻫ، واشتهرت الإمارة التي أسسها باسم (أتابكية الموصل) والسلالة التي أعقبته في الحكم باسم الأتابكة، وقد بدأت تسمية زنكي بهذا اللقب في شعبان عام 521ﻫ عندما ولاه السلطان محمود الموصل وسلمه ولديه ألب أرسلان، وفرّوخ شاه (المعروف بالخفاجي) وجعله أتابكاً لهما ، وقد ترتبت على " أتابكية زنكي " نتائج عديدة، فقد كان عليه من الناحية الرسمية، أن يحكم باسم ألب أرسلان، أكبر الأميرين، وأن يخطب له، ولذلك أظهر للخلفاء والسلاطين وأصحاب الأطراف أن البلاد التي يحكمها : إنما هي للملك ألب أرسلان ، وأنه نائب فيها : فكان إذا أرسل رسولاً أو أجاب على رسالة فإنما يقول : قال الملك : كذا وكذا وكان هذا الإجراء من قبل زنكي لا يعدو أن يكون شكلياً، إذ أن السلطة الفعلية كانت متركزة في يده، ولم يكن لأحد من ابني السلطان محمود أية سلطة عملية، بل كانا أشبه بالمحتجزين، إذ فرق زنكي بينهما فجعل أحدهما في أحد معاقل سنجار، والآخر تحت اشراف زوجته في الموصل ، وقد استهدف من الخطبة لألب أرسلان إلقاء الصفة الرسمية " الشرعية " على سياسته وأعماله مستغلاً اسم الملك السلجوقي كما عمل زنكي على استغلال وجود هذين الملكين السلجوقيين، فقام بمحاولات ثلاث (525ﻫ - 529ﻫ) لتنصيب ألب أرسلان على عرش سلاجقة العراق بالاتفاق مع الخليفة العباسي ضد السلطان السلجوقي في اصفهان وقد استهدف من وراء ذلك جعل السلطة الفعلية لسلاجقة العراق بيده باسم السلطان الشرعي المنصب ولكن هذه المحاولات انتهت جميعاً بالفشل .




أ-محاولة انقلابية في الموصل :



قامت مؤامرة ضد عماد الدين زنكي تزعمها الملك الخفاجي عام 539ﻫ أثناء غياب زنكي عن الموصل، إذ اتفق الخفاجي وأنصاره على اغتيال نصير الدين جقر نائب زنكي في الموصل ومن ثم السيطرة على المدينة وإعلان العصيان ضد زنكي ففي صباح الثامن أو التاسع من ذلك القعدة عام 539ﻫ ركب جقر في موكبه كعادته واخترق شوارع المدينة متجهاً إلى الدار التي يقيم فيها الملك الخفاجي للتسليم عليه ، فحسَّن المفسدون للملك قتله وقالوا له : إنَّك إن قتلته ملكت الموصل وغيرها ويعجز أتابك أن يقيم بين يديك، ولا يجتمع معه فارسان عليك فوقع هذا في نفسه وظنه صحيحاً، فلما دخل نصير الدين إليه كعادته وثب عليه جماعة في خدمة الملك فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظناً منهم أن أصحابه إذا رأوا رأسه تفرَّقوا، ويملك الملك البلاد وكان الأمر بخلاف ما ظنُوا، فإن أصحابه وأصحاب أتابك الذين معه لما رأوا رأسه قاتلوا من بالدّار مع الملك، واجتمع معهم الخلق الكثير، وكانت دولة عماد الدين مملؤة بالرّجال الأجلاد ذوي الرأي والتجربة، فلم يتغير عليه بهذا الفتق شيء .



ب- دور العلماء في تثبيت عماد الدين :


كان عماد الدين زنكي منشغلاً بمحاصرة البيرة سنة 539ﻫ وكانت هذه المدينة قد أوشكت على السقوط في يد عماد زنكي فورد إليه نبأ مقتل نائبه بالموصل نصير الدين جقر فانزعج كثيراً واضطر عماد الدين إلى الرحيل عن البيرة وأرسل نائباً عنه إلى الموصل لاستطلاع حقيقة الأمر وهو القاضي تاج الدين بن يحي بن الشهرزوري كان ملازماً لعماد الدين أثناء محاصرته للبيرة، فلما وصل تاج الدين إلى الموصل علم أن الملك السلجوقي ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه كان وراء مقتل نصير الدين جقر ليملك الموصل في غياب عماد الدين عنها ، ولذلك قام القاضي تاج الدين بن الشهرزوري بخدعة كي يفسد على الملك السلجوقي زعيم الإنقلاب بالموصل مخططه، فدخل في الدار التي كان يحاصره فيها أصحاب جقر وأصحاب عماد الدين زنكي، وظل يخادعه بمعسول الكلام ويحسن له ما فعله مع جقر ويشجعه على الصعود إلى قلعة الموصل حتى يملكها ويكون في مأمن، حيث يوجد بها الأموال والسلاح فيستطيع بعد ذلك تملك الموصل، فاقتنع الملك السلجوقي بن محمود وخرج في صحبة القاضي تاج الدين وصعدا معاً إلى القلعة، وهناك قبض عليه وعلى من معه من أتباعه الذين قتلوا نصير الدين جقر، وبعد ذلك توجه القاضي تاج الدين إلى عماد الدين زنكي وبلغه بكل ما فعله فسكن جأشه وأطمأن قلبه ، ومما تقدم يتضح لنا مدى ما بلغه القاضي تاج الدين من الفطنة وحسن التصرف، مثل باقي أقاربه من بيت الشهرزوري الذين إمتلأت بهم دولة عماد الدين زنكي وعين عماد الدين زنكي قائده زين الدين علي كجك ليحل محل جقر نائب الموصل المقتول ثم ذهب هو بنفسه بعد ذلك لإقرار الأوضاع هناك .



ج- سياسة عماد الدين مع الملك الآخر ألب أرسلان :


أبدى زنكي، بعد مقتل الخفاجي، عطفه على الملك الآخر ألب أرسلان، فألغى احتجازه في أحد معاقل سنجار وعطف عليه وعين بتفاصيل أمره وعين له حراساً وموظفين لخدمته واهتم بمراسيم جلوسه وركوبه، وطالب رجاله بالاهتمام بأمره واحترامه وتلبية مطالبة وقد استهدف من هذه الإجراءات تغطية مقتل الملك الخفاجي ، كي لا يثير السلاجقة ضده ومحاولة منه لاستغلال ألب أرسلان لتحقيق أمله في المستقبل وذلك بالمطالبة بتوليته سلطنة العراق. بعد وفاة عمه السلطان مسعود، ليصبح زنكي المتحكم الفعلي باسم السلطان
الجديد .




علاقة عماد الدين زنكي بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية :




تسلّم عماد الدين زنكي الموصل من الأمير جاولي وأقطعه الرحبة وأعمالها ، ثم انصرف إلى تنظيم جاولي وأقطعه الرحبة وأعمالها ، ثم انصرف إلى تنظيم شؤون إمارته إداريا وعسكريا مستنداً في ذلك إلى ما كان سائداً عند السلاجقة من نظم الحكم، فولَّى نصير الدين جقر قلعة الموصل، وفوَّض إليه أمر الولاية جميعها، وعيَّن الياغسياني أمير حاجب والقاضي الشهرزوري قاضي بلاده وما يفتحه من بلاده ، ثم انصرف إلى العمل على تحقيق هدفينَّ وضعهما نصب عينيه هما :

* تأسيس دولة وراثية وتوسيعها عن طريق ضّم المدن والامارات المحلية في الجزيرة وبلاد الشام، وتوحيدها مع إمارة الموصل.

* تكوين جبهة إسلامية متماسكة تستطيع مواجهة الصليبيين وتطردهم من الشرق الإسلامي، فدخل من أجل ذلك في علاقات سياسية عسكرية مع الأمراء المحليين
.

ويبدو أنه لم يتمكن من المضي قدُماً في تحقيق هدفيه في بادئ الأمر، بسبب انغماسة في أحداث العراق، مما صرفه عن ميدان بلاد الشام، إذ شهد هذا البلد آنذاك صراعاً بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية من أجل الاستئثار بالنفوذ تدخل فيه عماد الدين زنكي، وانتهى بانتصار واضح لصالحه وتحديد مستقبله السياسي .



أولاً : محاولة عزل عماد الدين زنكي عن الموصل :


تراوحت علاقة عماد الدين بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بين التعاون المثمر والعداء الشديد وفقاً للمصلحة العامة والشخصية في الوقت نفسه، على أن هذه التقلبات لم تؤثر على مركزه في ولاية الموصل والجزيرة وبلاد الشام، فقد تعَّرض في بداية حكمه، لمحاولة استهدفت عزله عن منصبه وإحلال دُبَيس بن صدقة أمير الحلة مكانة، ذلك أن هذا الرجل كان قد التحق بخدمة السلطان سنجر، سلطان السلاجقة العظام في خراسان، وأضحى من أمرائه المقربين وحدث أن توجه محمود سلطان سلاجقة العراق إلى خراسان لتصفية المشاكل القديمة مع عمه سنجروأثناء المباحثات التي جرت بينهما طلب سنجر من ابن أخيه محمود أن :

* يعزل عماد الدين زنكي عن الموصل والجزيرة وبلاد الشام ويوليها لدُبَيس.
* يطلب من الخليفة تحسين علاقاته به بعد المشاكل التي أثارها ضد الخلافة
.

ويبدو أن محموداً استجاب لطلب عمه، فعندما وصل إلى بغداد في مطلع عام 523ﻫ/آخر عام 1128م) سعى لدى الخليفة المسترشد بالله لتحقيق ذلك، كما طلب من عماد الدين زنكي التخلي عن منصبه وتسليمه لُدبَيس .

كان هذا الطلب كافياً للقضاء على آمال عماد الدين زنكي وتطلعاته السياسية، لذلك تحرك على وجه السرعة لإحباط هذا التدبير، فقدم إلى بغداد، وتمكّن بعد مباحثات طويلة من إقناع السلطان بضرورة إبقائه على ولاية الموصل لمجابهة الصليبيين، كما أكَّد طاعته وإخلاصه له فخلع عليه وجّدد له ولايته، وكتب له منشوراً جديداً بحكم الموصل والجزيرة والشام، تأكيداً لمنشور عام 521ﻫ وقد ساعدت عماد الدين زنكي مجموعة من العوامل على بقائه في منصبه منها ما بذله الخليفة من جهود لتثبيت زنكي على الموصل بدافع من كراهيته العميقة لدبيس، حتى أنه أرسل إلى السلطان محمود يقول له : إن دبيساً أعان الفرنجة ضد المسلمين فكيف توليه وكان دبيس قد انضم إلى الصليبيين – وهو من الطائفة الشيعية الاثني عشرية – بعد هزيمة 517ﻫ وأسهم معهم في حصار حلب طمعاً بالاستيلاء عليها وحكمها نيابة عنهم.

* لم يكن أهالي بغداد أقل كراهية لدبيس وحقداً عليه من الخليفة نفسه، حتى أنهم تظاهروا ضده لدى دخوله العاصمة وراحوا ينددون به ويهتفون بالتأييد والدعاء للخليفة والسلطان بسبب محاولات دبيس المتكررة لنهب بغداد وتخريبها. فضلاً عن مساعدته للصليبيين .

* ولم يكن في صالح السلطان محمود نفسه عزل زنكي عن الموصل وهو الذي وقف إلى جانبه في الظروف الحرجة، ولعله لم يقم بمحاولة العزل – أساساً – إلا تحت ضغط عمه سنجر صاحب السلطة العليا على السلاجقة، هذا فضلاً عن أن تعيين دبيساً في الموصل قد يتيح لسنجر أن يتخذ منه صنيعة ضد مصالح السلطان محمود في العراق .



ثانياً : صراع البيت السلجوقي على السلطنة بعد وفاة السلطان محمود :




أطمأن زنكي إلى ولايته طيلة الأعوام الأخيرة من حكم السلطان محمود وعند ما توفي هذا في منتصب عام 525ﻫ أرسل زنكي إلى الخليفة المسترشد يطلب منه أن يقيم الخطبة ببغداد للملك السلجوقي ألب أرسلان – وهو أحد الملكين اللذين انيطت بزنكي مهمة الإشراف على تربيتهما، إلا أن الخليفة اعتذر عن ذلك محتجاً .


1-بصغر سن ألب أرسلان وبعدم صلاحيته للحكم.

2-بأن السلطان كان قد عهد بالسلطنة من بعده وهو بأصفهان إلى إبنة داوود.

3-بأن حكام الولايات قد بدأوا فعلاً بإقامة الخطبة له وأضاف، بأنه لن يقدم على اتخاذ أي إجراء بهذا الصدد قبل أن تصله رسالة من السلطان سنجر زعيم السلاجقة الكبار في خراسان
.

وهكذا فوَّت الخليفة فرصة ذهبية على عماد الدين زنكي للاستفادة من وفاة السلطان محمود، الذي لو نجح في اغتنامها لأتاحت له مجالات جديدة في العمل السياسي، ودفعته إلى الخروج عن الولاء للسلاجقة بتنصيب أحد أمرائهم المقيم تحت إشرافه في الموصل سلطاناً على سلاجقة العراق فيصبح بذلك المتحكم الفعلي في شؤون العراق باسم السلطان الجديد .

وفي العام التالي استطاع السلطان مسعود بن محمد – حاكم أذربيجان استمالة زنكي لمساعدته في المطالبة بعرض سلاجقة العراق، لقاء منحه مدينة أربل الحصينة شرقي الموصل، وتم الاتفاق بينهم على أن يتجها إلى بغداد لمطالبة الخليفة المسترشد بالخطبة لمسعود والاعتراف به سلطاناً على العراق ، إلا أن سلجوق شاه بن محمد – أخو مسعود الذي كان يطمح هو الآخر بعرش السلاجقة في العراق سبق أخاه إلى بغداد، وطالب الخليفة بالخطبة له فامتنع الأخير عن تنفيذ طلبه، ولما سمع سلجوق شاه باقتراب زنكي على رأس قواته الموالية لمسعود، أمر قائده (قراجا الساقي) بالإسراع في التوجه شمالاً لإيقاف تقدمه، فوصل إلى مشارف سامراء بأقل من يومين، ودارت المعركة بين الطرفين عند قصر المعشوق على الجهة المقابلة لسامراء، وانتهت بهزيمة زنكي وأسر عدد كبير من قواته، فلجأ بمن معه من فلول إلى تكريت حيث أسرع وإليها نجم الدين أيوب بإقامة المعابر لهم، وإكرام ضيافتهم لحين عودتهم إلى الموصل ، وهناك استطاع زنكي أن يعيد تنظيم قواته، بعد أن أنفق عليها أموالاً كثيرة وجهزه بالمؤن والمعدات .



ثالثاً : موقف السلطان سنجر من الأحداث :



كان السلطان سنجر يراقب تطورات الأحداث السياسية في العراق، بهدف انتهاز فرصة للتدخل والهيمنة على مقدرات الأمور واخضاع سلاجقة العراق لإشرافه المباشر. وحتى يدعم موقفه، رأى أن يستقطب كلاً من عماد الدين زنكي ودُبيس بن صدقة، فطلب منهما التوجه إلى بغداد والاستيلاء عليها وإقامة الخطبة فيها له ولخليفته الملك طغرل بن محمد بن محمود، وتعهد بإضافة شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي، وبإقطاع الحلة لدُبَيس فوافق عماد الدين زنكي على هذا العرض لاعتقاده بأن النصر سيكون حليف سنجر، وبذا يستطيع أن يحقق مزيداً من مطامعه أدرك كل من مسعود وسلجوقشاه أن الصراع بينهما سوف يتيح الفرصة لتدخل عمهما سنجر ويقضي على مصالحهما في العراق فعقد صلحاً بينهما ووحَّدا قواتهما للوقوف في وجهه، لكن سنجر انتصر على جيوشهما، وأجلس طغرل بن محمد علي عرش سلاجقة العراق في شهر جمادي الآخرة عام 526ﻫ/ شهر نيسان عام 1132. في هذه الأثناء كان عماد الدين زنكي ودُبيس قد اقتربا من بغداد، واشتبكاً مع قوات الخليفة في " أواخر شهر رجب/ شهر آيار" وحلَّت بهما الهزيمة، فتراجع عماد الدين زنكي إلى الموصل، وقام دُبيَس بمحاولة فاشلة لاستعادة الحلة واستطاع مسعود، بعد سلسلة من الحروب، أن يقضي على منافسيه ويجلس على عرش سلاجقة العراق بموافقة سنجر في شهر صفر عام 527ﻫ/شهر كانون الأول عام 1132م.



- نتائج تلك الحروب :


كان للحروب التي حدثت بين السلاجقة فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، واشتراك عماد الدين زنكي فيها نتائج هامة على وضعه السياسي والعسكري منها :


1-أنه خسر علاقته الودية بالسلطنة السلجوقية التي استفاد منها في أيام السلطان محمود، إلا أنه حصل على مدينة إربل المهمة عسكرياً.

2-اتسعت شهرته كأمير ذي قوة مؤثَّرة في الصراع الدائر في المنطقة.

3-خرج من تلك الحروب وقد تعرَّف على عائلة بني أيوب، مما سيكون له أثر كبير في تطور هذه العائلة، وازدياد نشاطها
.

4-تدهورت العلاقات بينه وبين الخلافة العباسية .




رابعاً : محاصرة الموصل :



أرسل المسترشد بالله إلى عماد الدين الإمام أبا الفتوح الاسفرايني، فأغلط له في القول فأهانه عماد الدين وعاد إلى المسترشد بالله فسار إلى الموصل بثلاثين ألفا سنة 527ﻫ ، وحصرها في 20 رمضان فنزل زنكي بالموصل نائبه نصير الدين وسار هو إلى سنجار ليقطع المسيرة عن عسكر الخليفة واستمر الحصار ثلاثة أشهر وعاد الخليفة إلى بغداد يوم عرفة وسبب هذا الحصار سير عماد الدين زنكي السابق إلى بغداد، واختلاف سلاطين السلاجقة، وإهانة زنكي لرسول الخليفة ، لم يتمكن جيش الخليفة من اقتحامهم الموصل وكان عماد الدين في غضون ذلك يشن الهجمات عليه، حتى أضحى محاصراً، فتناقضت أقواته وساء وضعه القتالي. وعلى الرغم من هذا الموقف الصعب الذي وجد الخليفة فيه نفسه إلا أن عماد الدين زنكي لم يتمكن من النيل منه، وكان تراجع الخليفة العسكري الذي حصل بعد ذلك نتيجة لعوامل خارجية. إذ استغل السلطان مسعود فرصة انهماك الخليفة بحصار الموصل فتوجه إلى بغداد لتعزيز مركزه فيها، واستغاث بُدَبيس بن صدقة للاستيلاء عليها تلقى الخليفة هذه الأنباء المقلقة، وهو يحاصر الموصل، ففكَّ الحصار عنها وعاد إلى بغداد ليدافع عن عاصمته، فوصل إليها في العاشر من شهر ذي الحجة . وبذلك تخلص عماد الدين زنكي من الخطر الذي كاد يقضي على آماله .



خامساً : التوتر بين عماد الدين والسلطان مسعود :




أجرى الخليفة المسترشد بالله العباسي مفاوضات ناجحة مع عماد الدين زنكي وعُقد الصلح بين الجانبين في مطلع عام 528ﻫ أواخر عام 1133م وتبودلت الهدايا، وأرسل عماد الدين زنكي ابنه سيف الدين غازي إلى الخليفة ليؤكد طاعته وولاءه له واستنجد الخليفة بزنكي عام 529ﻫ أثناء صراعه مع السلطان مسعود وكان عماد الدين زنكي آنذاك يحاصر دمشق، ففك الحصار عنها، وعقد صلحاً مع حكومتها حتى لا يُطعن من الخلف وعاد مسرعاً إلى بغداد لنجدة الخليفة إلا أنه وصل متأخراً، إذ انتصر السلطان مسعود على الخليفة المسترشد في المعركة التي دارت بينهما في العاشر من شهر رمضان ووقع في السر، وظل مأسوراً حتى منتصف ذي القعدة، حين هاجمه جماعة من الباطنية وقتلوه وقد فصلت في سيرة المسترشد بالله العباسي في كتابي عن دولة السلاجقة والمشروع الإسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي. هذا وقد أخذت البيعة بعد مقتل المسترشد بالله لابنه أبو جعفر منصور الملقب بالراشد بالله (529ﻫ -530ﻫ) بموافقة السلطان مسعود ، وهكذا ضاعت فرصة أخرى من يد عماد الدين زنكي للسيطرة على العراق ، ونتيجة لهذه التطورات السياسية ازداد التوتر بين عماد الدين زنكي والسلطان وقد بلغ حداً دفع الثاني إلى تدبير مؤامرة لاغتيال الأول حتى يتخلص من خطره بشكل نهائي فاستدعاه إلى أصفهان، لكن دُبَيساً أخبره. بنواياه وحذَّره من التوجه إلى بلاطه، فامتنع عن الذهاب، ولما علم السلطان بما فعله دُبيس قتله على الفور . وكان عماد الدين زنكي قد أحسن لصدقه فعندما وقع في يدي تاج الملوك حاكم دمشق طلب عماد الدين من أمير دمشق أن يسلمه دُبيساً وإن امتنع عن تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخرّبها ونهب بلدها فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، وأرسل عماد الدين سونج بن تاج الملوك والأمراء الذين معه، وأرسل تاج الملوك دُبيساً، فأيقن دُبيس بالهلاك ففعل زنكي معه خلاف ما ظن وأحسن إليه وحمل له الأقوات، والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن وقدمه على نفسه وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك . ولما سمع عماد الدين زنكي بمقتل دبيس بن صدقة قال : فديناه بالمال وفدانا بالروح وذكر ابن كثير بأنه فداه بخمسين ألف دينار ومالبثت العلاقات أن تدهورت بين الخليفة الجديد وبين السلطان مسعود واجتمع لدى الراشد عدد من الأمراء المناهضين للسلطان، وجندوا له العمل على إسقاطه والمجئ بسلطان جديد يرتضونه وفي مستهل صفر عام 530ﻫ وصل زنكي بغداد قادماً من الشام بعد أن استدعاه الراشد واتفق معه على إعلان الخطبة لألب أرسلان المقيم في الموصل ، وانضم إلى الأمراء الذين كانوا قد حرضوا الخليفة على إعلان العصيان ضد السلطان مسعود ، وجد الخليفة أن الفرصة قد سنحت للبدء بالعمل، فألغى الخطبة لمسعود وحولها لداود بن محمود، خلافاً لما تم الاتفاق عليه مع زنكي .

وقام السلطان الجديد بتعيين شحنة له في العراق، ولم يمض على ذلك سوى وقت قصير حتى دبت الخلافات بين الراشد وسائر الأمراء بسبب المنافسات والأحقاد القديمة واتفق المتحالفون على توجيه ضربتهم للسلطان مسعود في بلاد فارس نفسها، إلا أنهم ما أن قطعوا مسافة قصيرة حتى ورد خبر بتوجه مسعود على رأس قواته صواب بغداد، فارتأوا أن يعودوا إليها لاتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة لصد الهجوم ومالبث السلطان مسعود أن فرض الحصار على بغداد، وجرت مناوشات ومعارك جانبية بين الطرفين لم تستقر عن نتيجة حاسمة وسعى الخليفة إلى إحلال الصلح وإنهاء الصلح وإنهاء دون جدوى وأخذت الأوضاع داخل بغداد تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ، ونجح السلطان مسعود في دخول بغداد وخلعه عن سدة الخلافة وولىّ المقتفي لأمر الله مكانه في شهر ذي الحجة عام 530ﻫ أيلول عام 1136م ، وغادر الراشد بغداد متوجهاً إلى الموصل بصحبة عماد الدين زنكي، والجدير بالذكر أن الخطبة للمقتفي اقتصرت على بعض أنحاء العراق بينما استمرت مناطق الموصل والجزيرة وبلاد الشام تخطب للراشد الذي كان يتمتع بحماية عماد الدين زنكي .




سادساً : مصالحة عماد الدين زنكي للسلطان مسعود :



لم يدم التحالف طويلاً بين عماد الدين زنكي والراشد فقد شعر كل منهما بضعف موقفه أمام موقف السلطان والخليفة الجديد لذلك أسرعا بإرسال الرسل للتوسط لديهما وإنهاء حالة الحرب ، وأضحى عماد الدين زنكي على الرغم من ضعف موقفه، القوة التي تتطلع إليها الأطراف المتنازعة لاستقطابها، وهكذا استمالة أعوان المقتفي، إلى جانبهم وكافأة الخليفة، بأن أقطعه بعض أملاكه وزاد في ألقابه ، واضطر تحت ضغط الأحداث السياسية والعسكرية إلى التخلي عن حليفه الراشد كانت التقلبات السياسية السريعة بعماد الدين زنكي تهدف إلى ضمان استمرار حكمه، وتحقيق وحدة الصف الإسلامي في الموصل والجزيرة والشام لتكوين جبهة إسلامية موحّدة تقف في وجه الصليبيين ، وكان من الطبيعي أن تتحسن العلاقات بينه وبين السلطان مسعود الذي أرسل إليه في شهر ربيع الأول عام 532ﻫ/ شهر تشرين الثاني عام 1137م التشريف الكامل والخلع ، وأدرك عماد الدين زنكي خطورة الأوضاع في شمالي الشام بفعل تهديد الصليبيين لمدينة حلب التي كانت تعاني من الفوضى في ظل صراع على السلطة بعد وفاة حاكمها إيلغازي الأرتقي في شهر رمضان عام 516ﻫ/1122م، فأرسل قاضيه الشهرزوري ليشرح للسلطان هذا الوضع، ويطلب منه مساعدة عسكرية لإبعاد الصليبيين عن المنطقة ونجح الشهر زوري في مهمته، وتمكّن من إقناع السلطان بإمداده بقوة عسكرية إلا أن رسالة عاجلة وصلت إلى بغداد من عماد الدين زنكي، أفادت بأن الصليبيين رحلوا عن حلب، وأنه لم يعد بحاجة، إلى المدد العسكري وتدليلاً على العلاقات الجيدة بين السلطنة السلجوقية والدولة الزنكية، فقد أرسل السلطان مسعود رسالة تهنئة إلى عماد الدين زنكي وهو على أبواب حمص بمناسبة انتصاره على الصليبيين وخلع عليه الخلع السلطانية، إلا أن هذه العلاقات تبدَّلت في عام 538ﻫ/1143م حين حاول السلطان مسعود الذي خشي من طموحات عماد الدين زنكي واتساع رقعة إمارته، وتنامي قوته العسكرية، توجيه ضربة حاسمة له، معتقداً بأنه وراء القلاقل التي كان يقوم بها أمراء الأطراف ضد حكمه في العراق وأن هؤلاء لا يلتزمون بسياسته والراجح أن عماد الدين زنكي هدف إلى إلهاء السلطان لمنعه من مضايقته وبذلك يستطيع وهو مطمئن أن يؤطد نفوذه في الموصل ويوسع رقعة أملاكه على حساب الأمراء المسلمين المجاورين، ويحارب الصليبيين . ولما علم بنوايا السلطان أرسل إليه يستعطفه ويستميله وفعلاً جرت مفاوضات بين الطرفين أدّت إلى إعادة الوفاق بينهما وكان من أهم بنود الصلح أن :

- يدفع عماد الدين للسلطان مبلغ مائة ألف دينار.

- يتنازل له عن بعض إقطاعاته.

- يحضر شخصياً إلى بلاطه لإعلان الطاعة .

- والواضح أن تراجع السلطان عن موقفه العدائي تجاهه يعود إلى أمرين
:


الأول : أنه أدرك خطورة الوضع في الجزيرة وشمالي الشام حيث غدا الصليبيون يشكلون خطراً مباشراً على المنطقة وأن عماد الدين زنكي هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تقف في وجههم، وترغمهم على التراجع.

الثاني : أنه جوبه بمعارضة شديدة من رجال دولته ومواطنيه من أجل إبقاء إمارة الموصل كحاجز قوي متماسك أمام أطماع الصليبيين، وقد أوضحت هذه المعارضة أن عماد الدين زنكي هو الأمير الوحيد في المنطقة الجدير بالتصدي لتلك الأطماع وأن القضاء عليه يعني فتح الطريق أمام الصليبيين في العراق بعد إقرار الصلح، أرسل عماد الدين زنكي عشرين ألف دينار كدفعة أولى تنفيذاً للبند الأول من الاتفاق، ثم تنازل السلطان عن المبلغ المتبقي بهدف استقطابه وكسب وده حتى لا ينضم إلى أمراء الأطراف الذين خرجوا عن حكمه، كما تغاضى عن تنفيذ البند الخاص بحضوره إلى البلاد السلجوقي، وعذره بسبب انهماكه في جهاد الصليبيين إلا أنه اشترط عليه فتح الرها .وقامت علاقات عماد الدين زنكي مع الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله على الود والتعاطف، واستمَّرت الصلات المتبادلة بينهما، وازدادت هذه العلاقات وثوقاً بعد أن فتح عماد الدين زنكي الرها في عام (539ﻫ/1144م) حيث منحه عدداً من الألقاب، كالأمير الكبير، العادل، المؤيد، المظفر، المنصور. وهكذا يتضح أن عماد الدين زنكي اتبع سياسة مستقلة إلى حد كبير، تجاه علاقته بكل من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، وأضحى يشكل قوة مؤثرة ضاغطة في الأحداث التي شهدها العراق مستغلاً علاقات الخلافة المتقلبة بالسلطنة السلجوقية لتحسين وضعه السياسي غير أن هذه السياسية لم تؤدَّ إلى استقرار وضعه بل على العكس هدَّدت حكمه بين الفينة والفينة، ولولا نجاحه في مقاومة الصليبيين وإقامة إمارة حاجزة في الموصل، بينهم وبين العراق لكان من المحتمل أن تتعَّرض إمارته لخضات سياسية شديدة وخطيرة، ربما أودت بجهوده في بناء دولة .








  رد مع اقتباس