دردرشة ومنتديات سعودي فخر
: من جوار الحرم ..أقدم لكم متابعتي في رمضانيات عن الحرم ..منذ القِدم . شـــــــــــــرفوني : ستودعكم الله الذي لاتضيع ودائعـــة واستحلفكم الله أن تحللوني اذا بدر مني أي اسائة ..في أمان الله : مسآء الخير للجورين / مبآأإرك عليكم العشر الأوآخر يأآإرب/ حبيت أقول عن مسآبقة تنسيق الملف أخر موعد تسليم يوم السبت الجآي بأذن الله تحيتأآإتي



 
العودة   شبكة جوري العربية > القسم الإسلامي > ج ـوري الشريعة والحياة
 
 

ج ـوري الشريعة والحياة للمواضيع الدينية والطرح الإسلامي

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-11-2008, 11:35 PM   رقم المشاركة : 11
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

توسع عماد الدين في شمال بلاد الشام وإقليم الجزيرة521ﻫ - 541ﻫ/1127 – 1146م




بدأ عماد الدين زنكي محاولاته لتوحيد المنطقة بضم المدن التي حوله والقريبة منه، بسبب ضعفها وتفرقها وضيق مساحتها وكان ولاة الموصل الذين سبقوه قد عجزوا عن اكتساحها وبالتالي عن تحويل السلطة الرسمية التي منحهم السلاجقة إياها، بحكم الموصل والجزيرة وشمالي الشام، إلى سلطة فعلية، ولذلك سعى زنكي للقضاء على هذه المواقع المستقلة كي تغدو سلطته في هذه المناطق أمراً واقعاً. كانت البوازيج – الواقعة على طريق الموصل، عند مصب الزاب الأسفل – أولى المواقع التي استولى عليها زنكي وذلك لدى توجهه إلى الموصل عام 521ﻫ لتولي مهام منصبه، مستهدفاً من وراء ذلك اتخاذها خط رجعه له لحماية ظهره في حالة تصدي – وصي حاكم الموصل – لزحفه ثم استمر في سيره نحو الموصل، وعندما وصل جاولي نبأ تقدمه على رأس قوات حاشدة، يحمل معه منشور السلطان بحكم الموصل أدرك أن ليس في طاقته التصدي له وآثر السلامة، فخرج لاستقباله، يصحبه أمراء الموصل وقادتها، وما أن التقى به حتى ترجل وقبل الأرض بين يديه وأعلن طاعته له، فأقطعه زنكي مدينة الرحبة وأعمالها، وسيره إليها .




أولاً : جزيرة ابن عمر 521ﻫ :



بعد أن رتب عماد الدين زنكي أوضاعه في الموصل، أراد الانتقال إلى جزيرة ابن عمر وسار بقواته إليها بمجرد وصوله إلى مشارفها، علم أعيانها وسكانها بقدومه فخافوا منه وامتنعوا عن استقباله وأغلقوا أبواب المدينة في وجهه، فضرب عماد الدين حصاره حولها وبدأ بمراسلة أعيان المدينة ومماليك البرسقي، وحاول إقناعهم بالمهادنة وبذل لهم الوعود الكثيرة إن سلموا المدينة، غير أنهم امتنعوا عن موافقته، وعند ذلك قرر عماد الدين قتالهم وإخضاع المدينة عنوة. وكان مجرى دجلة يفصل بين جيش عماد الدين والمدينة فأمر قواته بعبور النهر إلى المدينة، فمنهم من عبر بالسفن، وبعضهم بالأكلاك . ولما تكاثر جيش عماد الدين وشدّد حصاره على المدينة، كان السكان قد خرجوا إلى منطقة بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة وكانوا بخروجهم يحاولون منع جيش عماد الدين من إكمال عبوره، ولكن عساكر عماد الدين تمكنوا من العبور وشددوا الحصار على المدينة، وجرت مناوشات بين مماليك البرسقي والمهاجمين، ظهر فيها التباين بين القوتين، ولم يمضي وقت طويل حتى انهزم جماعة البرسقي. ولما رأى أهالي الجزيرة أن ميزان المعركة ليس في صالحهم، ضعفوا وأيقنوا أن على المدينة أن تستسلم أفضل من دخولها عنوة. فبعثوا إلى عماد الدين، يطلبون منه الأمان فاستجاب لطلبهم واستلم المدينة ، ولعله بدأ بمهاجمة هذا الموقع قبل غيره من المدن والقلاع بسبب قربه من الموصل وأهميته العسكرية والاقتصادية .



ثانياً : حلب 522ﻫ :



تعد حلب ذات أهمية بالغة لأية قيادة عسكرية وسياسية تسعى لمجابهة الصليبيين، بفضل ما تتمتَّع من حصانة عسكرية، ومركز متميز، وإمكانات اقتصادية وبشرية وسياسية هامة، بالإضافة إلى موقعها على خطوط المواصلات بين فارس والعراق من جهة وبين الشام وآسيا الصغرى من جهة أخرى، ثم بين إمارتين صليبيتين هما الرها وأنطاكية، وغدت منُذ عهد طويل، قاعدة لا يمكن بدونها السيطرة على الجهات الشمالية والوسطى من بلاد الشام في الوقت الذي يمكنها فيه الاتصال بالقوى الإسلامية المنتشرة في الجزيرة والفرات والأناضول وشمالي بلاد الشام وأواسطه، مما يعد أساساً حيوياً لاستمرار حركة الجهاد، وتحقيق أهداف حاسمة ضد الصليبيين، لذلك كان ضمها من قبل أي قائداً إسلامي، بمثابة فتح الطريق أمامه لتبؤ مركز القيادة في حركة الجهاد . وساعدت الظروف السياسية التي كانت تمر بها إمارة حلب التي وجدت نفسها في حالة شديدة من الفوضى، عقب وفاة الأتابك عز الدين مسعود بن البُرسقي في عام 521ﻫ/ 1127م) وتعدُّد المطالبين بالسلطة وتنازعهم، فقد استأثر قتلغ أبه نائب الأتابك المتوفى، بإدارة شؤونها ، في الوقت الذي طمع فيه جوسلين الثاني امير الرها، وبوهيمند الثاني أمير أنطاكية لاتخاذها قاعدة لمد نفوذه باتجاه الشرق والجنوب الشرقي وشنَّ الصليبيون هجمات عنيفة للاستيلاء عليها رافقها تدهور حاد في أوضاعها الاقتصادية، وانتشار الخوف والقلق بين السكان ، مما دفع هؤلاء إلى الالتفاف حول نائب حلب السابق سليمان بن عبد الجبار الأرتقي وقد تزعم الثورة ضد قتلغ أبه الذي اتصف بالتعسف ، ويبدو أن سليمان لم يتمكن من وضع حد لتدهور الأوضاع على الرغم من أنه عقد هدنة مع جوسلين الثاني تنازل له بموجبها عن بعض المناطق الزراعية المحيطة بالجهات الغربية لحلب ، لكن، يقظة عماد الدين زنكي أفسدت على الجميع خططهم ومشاريعهم وقد سعى إلى ضَّم حلب بوصفه يملك منشوراً من السلطان السلجوقي بحكم الموصل والجزيرة وبلاد الشام، ومهَّد لخطواته هذه بإرسال الرسل إليها حتى يشرحوا لسكانها أحقيته في تولي أمورها، كما أرسل حاجبه الياغسياني لتنظيم أمورها الإدارية وتمهيد الطريق له لدخولها، ثم غادر الموصل في طريقه إليها وضّم في طريقه بزاعة ، ومنيح، ولما وصل إلى مشارف المدينة في شهر جماد الآخرة عام 522ﻫ شهر جزيران عام 1128م خرج سكانها لاستقباله آملين ببدية عهد جديد من الأمن والاستقرار بعدما سئموا من الفوضى التي سادت مدينتهم، فدخل القلعة وبدأ بتنظيم أمورها، وأقطع أعمالها لأمرائه وأجناده وحتى يثبت أقدامه في حلب ويقطع الطريق على المفسدين ضايق عماد الدين زنكي زعماء المدينة المعارضين لحكمه وذوي المصالح القديمة فيها، فقضى على بعضهم وفَّر البعض الآخر من وجهه، فقتل قتلغ أبه، وفَّر إبراهيم بن رضوان ابن تتش إلى نصيبين وغادر سليمان بن عبد الجبار المدينة والتجأ فضائل بن بديع رئيس حلب السابق إلى قلعة جعبر القريبة من حلب . وبذلك تحققّت الوحدة بين الموصل وحلب، مرة أخرى وحصل عماد الدين زنكي على موقع هام، وأمن جانب المعارضة، وتهيأت له الفرصة للتدخل في الأوضاع السياسية لبلاد الشام لتوحيد صفوف المسلمين ومجابهة أخطار الصليبيين، كما أدَّى ذلك إلى عزل إمارة الرها عن بقية الإمارات الصليبية في الغرب والجنوب .




ثالثاً : سنجار والخابور وحّران وإربل والرقة :



1- سنجار والخابور :


لم يتعرض زنكي – حين توجهه إلى حلب – للمدن والحصون الواقعة على الطريق بينها وبين الموصل، إذ كانت الظروف تستدعي منه أن يضع يده على حلب أولاً، ثم ينطلق لغرض سيطرته على المواقع الأخرى من أجل تأمين الطريق إلى الشام وما أن أقّر الأوضاع في المدينة المذكورة حتى اتجه في أواخر عام 522ﻫ للاستيلاء على سنجار والمناطق المجاورة وفرض الحصار عليها، إلا أن أهاليها امتنعوا عليه، وإذ لم يروا من مقاومتهم جدوى إزاء إصرار زنكي على اقتحام المدينة، اضطروا إلى مصالحته وتسليم سنجار إليه . ثم ما لبث أن أرسل من هناك بعض قواته إلى الخابور، حيث تمكنت من الاستيلاء عليه . وكانت سنجار تقع وسط الطريق بين الموصل وحلب، وتشكل منطلقاً للسيطرة على المناطق الأخرى ولذا فقد حقق زنكي باستيلائه عليها نصراً هاماً .



2- ضُّم حَّران :


كانت حّران تابعة لعز الدين مسعود بن البُرسُقي وكانت قد تعرضت بعد وفاته لتهديدات الصليبيين الذين كانوا قد استولوا على بعض المواقع القريبة منها كالرها وسروج، فاستدعى أهلها عماد الدين زنكي في عام 523ﻫ/1129م إذ انتهت المشكلة بوفاة سوتكين .


3- ضُّم إربل :


أدرك عماد الدين زنكي أهمية أربل العسكرية بالنسبة للموصل، إذ هي بمثابة الباب الشرقي الذي يصلها ببلاد فارس والمشرق، ونقطة الدفاع الرئيسية في الطريق الذاهب غرباً صوب الشام، وعندما أتيحت له فرصة مهاجمتها لم يتردد رغم كونها ممتلكات مسعود بن محمد السلجوقي سلطان أذربيجان فهاجمها عام 526ﻫ وشدد النكير عليها، إلا أن حاميتها استطاعت أن تصمد لحين تقدم السلطان مسعود لنجدتها، فاضطر زنكي إلى الانسحاب، ثم رأى مسعود أن يضحي بهذا الموقع كي يكسب زنكي إلى جانبه في صراعه ضد منافسيه من أجل الحصول على عرش سلاجقة العراق، فوافق الأخير على اتفاق كهذا يتيح له ضم موقع هام إلى إمارته قد يساعده في المستقبل على التوغل شرقاً، وبعد أن أخذ كل من الحليفين العهود من صاحبه تسلم زنكي أربل وعين فيها نائباً عنه .



4- ضُّم الرقة :


مّر عماد الدين زنكي بالرقة في عام 529ﻫ/1135م) وهو في طريقه إلى دمشق في محاولة لضمّها فرأى أن يضمها إلى أملاكه، فانتهز هذه الفرصة ونَّفذ خدعة ذكية فأعلن رغبته بالاستحمام في حمام البلد، فقام حاجبه الياغسياني بتدبير هذا الأمر واتفق مع مسَّبب بن مالك صاحب الرقة الذي لم يشك في نوايا عماد الدين زنكي ورجاله، على السماح للجيش بدخول المدينة، وما أن أصبح آخر جندي داخل السور حتى أمر عماد الدين زنكي قواته لاستيلاء على المدينة، فأبعد المسيَّب وأقطعها أحد أمرائه .



6- ضُّم دقوقا وشهرزورا :


وضم عماد الدين زنكي دقوقاً في عام 531ﻫ/1137م عنوة ، ودخل بعد ثلاث سنوات قلعة شهرزور الواقعة وسط سهل واسع يمتد من إربل إلى همذان ويقطنه الأكراد وقد ارتبط هذا الضُّم بالمدى الذي وصلت إليه العلاقات بين الأمير قفجاق ابن أرسلان تاش التركماني حاكم شهرزور وبين السلطان السلجوقي مسعود فخشي عماد الدين زنكي أن يتناول الأمير التركماني عن بعض أملاكه للسلطان ومنها شهرزور فيغدو مجاوراً لإمارة الموصل، فيشكل عندئذ خطراً جَّدياً عليه .


7- التوسع باتجاه الجنوب :


توسع عماد الدين زنكي بين عامي (536ﻫ- 538ﻫ/1141 – 1143م) في الجنوب الغربي، فضَّم الحديثة الواقعة على الفرات ، وعانة القريبة منها ، وفي عام 541 ﻫ /1146م كان قد بلغ درجة من القوة مما دفعه إلى ضَّم قلعة جعبر المطلة على الفرات، عملاً بخطته القاضية : بألاَّ يبقى وسط بلاده ما هو ملك لغيره . وكانت هذه القلعة تحت حكم العقيليين، فهاجمها على حين غرَّة وحاصرها، وتوغلت قواته في ربضها واستمر القتال حتى اليوم الخامس من شهر ربيع الآخر، حيث اغتيل عماد الدين زنكي، فساد الاضطراب صفوف جيشه، فاضطر أفراده إلى فك الحصار ، مما سنبحثه مفصلاً بإذن الله تعالى.



رابعاً : علاقة عماد الدين زنكي بالأكراد :




1- بنو أيوب حكام تكريت 526ﻫ - 541 ﻫ :


تعتبر علاقة عماد الدين زنكي بالبيت الأيوبي الكردي متميزه وبدأت هذه العلاقة في الثاني عشر من ربيع الآخر عام 526ﻫ عندما انهزم زنكي في أعقاب المعركة التي دارت بينه – كحليف للسلطان مسعود وبين قوات الملكين طغرل وداود المنافسين للسلطان المذَّكور وانسحب بفلول جيشه نحو تكريت التي كان يحكمها نجم الدين أيوب ، فأقام هذه المعابر على دجلة وجهز عدداً من السفن لنقله وقواته إلى الضفة الأخرى التي تقع عليها مدينة تكريت وهناك أحسن نجم الدين إلى زنكي وجنده، وداوى جراحهم، وقدم إليهم سائر ما يحتاجون إليه، وبعد أسبوعين غادر زنكي وأتباعه تكريت مودعين بمثل ما استقبلوا به من حفاوة وإكرام وأخذ يرسل الهدايا إلى نجم الدين تباعاً اعترافاً منه بفضله وحسن ضيافته . وعندما بلغ بهروز- شحنة بغداد – موقف نائبه في تكريت من زنكي بعث إليه رسولاً ليعاتبه على إحسانه لعدو سلاجقة العراق وإطلاق سراحه بعد أن كان قد وقع في يديه ، وأزداد حرج بهروز لدى قيام أسد الدين شيركوه بقتل أحد سكان تكريت بسبب تعرضه لإحدى النساء، واضطّر إلى إصدار أمره إلى نجم الدين بمغادرة تكريت وجميع أفراد عائلته، ولم يكن باستطاعة بهروز معاقبة أسد الدين شيركوه لما بين الطرفين من صداقة قديمة ترجع إلى زمن أبيه في هذه الفترة الحرجة من أواخر عام 532ﻫ ولد صلاح الدين لنجم الدين أيوب، واضطرت العائلة لمغادرة تكريت، وربما كان ذلك في الليلة التي ولد فيها الطفل المذكور ، ولم يكن هناك ملجأ أكثر أمناً لهذه العائلة الطريدة من كنف الأمير الذي أحسنوا إليه قبل عدة أعوام، ولم ينس زنكي الإحسان فاستقبل عائلة بني أيوب أحسن استقبال، وأقطع رجالاتها الاقطاعات الواسعة وأتاح للأخوين نجم الدين وأسد الدين الانخراط في قواته والاشراف على تربية أبنائه ، والاشتراك في الحروب التي خاضها في الشام ضد الصليبيين ، وظلت العائلة الأيوبية تنعم بحماية عماد الدين زنكي، وأخذت علاقاتها به تزداد وثوقاً يوماً بعد يوم وعندما استولى على بعلبك عام 534ﻫ عين نجم الدين أيوب والياً عليها وأقطعه ثلثها ، فاستقر هناك هو وأفراد العائلة الأيوبية ، وظل يمارس مهام عمله كوال لزنكي حتى مقتل الأخير عام 541ﻫ، وكان صلاح الدين خلال تلك الفترة قد ترعرع في كنف والده، وبدت عليه سمات النجابة والذكاء والتمعت عيناه ببريق القوة . وهكذا قدر لعماد الدين زنكي أن يلعب دوراً هاماً في إظهار العائلة الأيوبية في المجالات السياسية والعسكرية والإدارية، وأن يمهد لها الطريق إلى المكانة الكبيرة التي تمتعت بها في عهد ابنه نور الدين محمود .



2- الأكراد الحميدية :


بدأ عماد الدين زنكي يضَّم مناطق الأكراد الحميدية بسبب قرب حصونهم من الموصل. وكان الحميديون يقومون في كثير من الأحيان بمهاجمة قرى ومزارع الموصل الشرقية ونهب فلاحيها، مما سببَّ قلقاً وخوفاً لفلاحي الموصل، وعندما أسس عماد الدين زنكي إمارة الموصل، أقَّر الأمير عيسى الحميدي على ولايته ولم يعترضه بشيء مما في يده إلا أن الأمير المذكور سرعان ما خرج على طاعة زنكي لدى حصار الخليفة المسترشد الموصل عام 527ﻫ، حيث انضم إليه بجيوشه وأمده بالأقوات، وحشد له عدداً كبيراً من الأكراد، وما أن فشل الحصار وانسحب المسترشد عائداً إلى بغداد حتى بدأ زنكي هجومه على قلاع الحميدية، فحاصرها وقاتلها قتالاً شديداً حتى أنه حمل بنفسه على حامية العقر وصعد في جبلها المرتفع إلى سورها فوصلت طعنته إليه ، ثم ما لبث أن استولى عليها 527ﻫ منهياً بذلك أسباب القلق والخوف التي كانت تسببه هجمات الحميديين على فلاحي الموصل ، الأمر الذي أدى – ولا ريب – إلى عود ازدهار الحياة الزراعية والتجارية في المنطقة ونتيجة لضمَّ قلاع الحميدية، حقق عماد الدين زنكي هدفين :

الأول : أمَّن المركز العسكري المسيطر على أمن الموصل بفعل ما كانت تشغله الإمارة الحميدية في موقع هام.

الثاني : حصل على موطئ قدم مهد الطريق أمامه للتوغل في بلاد الأكراد الجبلية
.




3- الأكراد الهكارية :


أدرك أبو الهيجاء الهكاري، صاحب قلعة آشب، مدى قوة عماد الدين زنكي، وخطورة النصر الذي حققه على وضع الأكراد بعامة، فاستعطفه بمبلغ من المال، وتوسل إليه ألا يتعرض له، ثم ما لبث أن قدم إلى الموصل لإعلان ولائه ، والجدير بالذكر أن طائفة من الأكراد الهكارية تقطن في المنطقة المعروفة بهكاريا إلى الشمال في نهر الخابور الذي يصب في أعالي دجلة، وكانت قلعة آشب مركزهم الرئيسي وتنتشر حولها عدة قرى زراعية ترتبط بها وتؤمَّن لها التموين الغذائي واستمرت العلاقات الجيدة بين عماد الدين زنكي وبين الهكاريين حتى عام (537ﻫ/1142م)إذ توفي في ذلك العام أبو الهيجاء فدبت الفوضى في إمارته بسبب النزاعات الأسرية وبرز في هذه الصراعات باو ألا رجي، نائب أبي الهيجاء في حكم الإمارة الذي ساند الطفل علي بن الهيجاء ليهيمن من خلاله على شؤون الإمار ويحكم باسمه، في حين ساند عماد الدين زنكي أخاه أحمد ، ونجح عماد الدين زنكي في ضَّم قلعة آشب بعد أن هزم باو وأنصاره، ثم غادر المنطقة عائداً إلى الموصل بعد أن ترك فيها نائبه نصر الدين جقر ليتم ما بدأه بضَّم منازل الهكارية، فاجتاح هذا القائد القلاع المتبقية وسيطر على المنطقة ، واستطاع عماد الدين زنكي بهذه الانتصارات أن ينهي أعمال الفوضى والفساد في المنطقة، فحل الأمن في ربوعها وعاد نفعه قبل كل أحد على الأكراد أنفسهم، الذين تخلصوا من المنازعات الداخلية على ما يظهر، واتجهوا إلى الانتاج ثم ما لبث عماد الدين زنكي أن أصدر أوامره ببناء قلعة العمادية – نسبة إلى اسمه – على أطلال حصن قديم كان الأكراد قد خربوه لعجزهم عن الدفاع عنه ويبدو أن زنكي أراد اتخاذ هذه القلعة قاعدة عسكرية للدفاع والتموين في حالات التمرد التي قد يقوم بها الأكراد ضد ممتلكاته هناك، ونقطة انطلاق لتوسيع نفوذه في المنطقة .




4- الأكراد المهرانية :



بدأ عماد الدين زنكي هجماته على الأكراد المهرانية في عام 537ﻫ/1142م والجدير بالذكر أن هذه الفئة تقطن عدداً من القلاع المنتشرة في المنطقة الجبلية المتاخمة لجزيرة ابن عمر، وأهمها كواشي الواقعة في جبال الجودي، شرقي نهر دجلة، والزعفراني، والشعباني وغيرها والواقع أن ضمَّ المنطقة الخاصة بالمهرانية يُعد خطوة متممة لضَّم المنطقة الخاصة بالهكارية، بفعل تجاورهما، فبعد أن انتهى عماد الدين زنكي من ضَّم المنطقة الثانبة انتقل إلى ضَّم المنطقة الأولى. واستطاع أن يفرض سيطرته على عدة قلاع، منها المذكورة أعلاه وألقت هذه الانتصارات السريعة الرعب في قلوب حاميات القلاع الأخرى المجاورة مما دفعها إلى طلب الأمان، وخضعت لحكم عماد الدين زنكي .




5- الأكراد البشنوية :


التفت عماد الدين بعد ذلك إلى مناطق الأكراد البشنوية في بلاد الزوزان الواقعة في الأرض الممتدة من جبال أرمينية شمالاً حتى الموصل جنوباً ومن أذربيجان شرقاً حتى إقليم ديار بكر غرباً ، وكان أمراء البشنوية قد أنشأوا عدداً من الحصون لعل أهمها حصن فنك المطل على نهر دجلة، واتخذوه مركزاً رئيسياً لهم نظراً لما يتمتع به من حصانة طبيعية ومتانة وكان أميرهم آنذاك حسام الدين البشنوي قد اشترك، مع عدد من الأمراء الأكراد القاطنين شمالي الموصل في إثارة الفتن والاضطرابات ضد إمارة عماد الدين زنكي، فهاجمها هذا الأخير وأخضعها لسلطانه، باستثناء حصن فنك الذي أوكل مهمة إخضاعه إلى قائده زين الدين على كجك في حين توجه هو لحصار قلعة جعبر، وفرض كجك الحصار على الحصن وصادق أن اغتيل عماد الدين زنكي أثناء حصار قلعة جَعْبَر فاضطر كجك إلى فك الحصار والانسحاب إلى الموصل . تلك هي الجماعات الكردية التي هاجم زنكي مواقعها، واستطاع أن يضع يده على معظم ممتلكاتها وقواعدها المهمة، ويخضعها لسيطرته في أقل من عقد ونصف، بفضل قدرته العسكرية، وخططه السياسية البارعة التي أتاحت له التغلب على مصاعب القتال في المناطق الجبلية الوعرة، وسط فئات لا تدين له بالولاء وقد تمكن بذلك من تأمين إحدى الجهات الهامة لإمارته بعد أن كانت تشكل نقاط خطر عليه، وأن يجعلها تستند إلى خطوط دفاعية يصعب اختراقها، تحقيقاً لخطته في بناء السياج الذي صمم على بنائه حول إمارته عندما قال يوماً : إن البلاد كبستان عليه سياج، فمن هو خارج السياج يهاب الدخول .



خامساً : عماد الدين والإمارات المحلية في ديار بكر :



كان هدف زنكي، بعد أن تّم له الاستيلاء على حلب واتخاذها قاعدة في بلاد الشام، السيطرة على المناطق الممتدة بينها وبين الموصل والتي كان يحكمها أمراء مستقلون، عملاُ بخطته القاضية : بألا يبقى في بلاده ما هو ملك لغيره، حزماً منه واحتياطاً. ذلك أنه كان يستهدف – كما ذكرنا – إنشاء إمارة موحدة قوية، تمكنه من تحقيق انتصارات حاسمة ضد الصليبيين. وكان عليه – لتحقيق هذا الهدف – اكتساح عدد من الإمارات المحلية في منطقة ديار بكر، والتي كانت تشكل خطراً على مواصلاته مع الشام، سيما في حالات صدامه مع الصليبيين .



أ- ضّم نصيبين :


بدأ عماد الدين زنكي حركته التوسعية الهادفة إلى توحيد الإمارات الإسلامية بالهجوم على نصيبين التابعة لإمارة ماردين وقد اختارها أولاً بفعل كونها أقرب المواقع إلى الجهات التابعة لحكمه، فضرب عليها حصاراً مركزاً فاستنجد حاكمها حسام الدين تمرتاش بداوود بن لقمان صاحب حصن كيفا، لصَّده وإرغامه على فك الحصار عنها، فوعده بالمساعدة ، كما بعث إلى أهاليها وحاميتها رسالة مستعجلة على جناح طائر. يحثهم فيها على الصمود ريثما تصلهم النجدة الأرتقية خلال فترة لا تتجاوز الخمسة أيام، إلا أن الرسالة وقعت بيد زنكي وأطلع على ما فيها، ورأى أن ينتهز الفرصة لتدبير حيلة قد تساعده على تحقيق هدفه، فأمر بكتابة رسالة أخرى إلى أهل نصيبين بدلاً من الرسالة الأولى، جاء فيها : من حسام الدين تمرتاش، إنني قد قصدت ابن عمي داود وقد وعدني بالنجدة والمسير بالجيوش، وسوف لن يتأخر قدومه إلينا بأكثر من عشرين يوماً، لذا أطلب منكم الثبات طيلة هذه المدة وبعث الرسالة على جناح الطائر نفسه، ولم يشك النصيبيون لحظة واحدة بأنها وردت إليهم من أميرهم الارتقي : فخافوا على نفوسهم وأيقنوا أنهم يعجزون عن الدفاع عن البلد خلال هذه المدة الطويلة، لذا أرسلوا إلى زنكي وصانعوه وسلموا مدينتهم إليه فبطل على حسام الدين وداود ما كانا قد عزما عليه وبفتح نصيبين أنفسح الطريق أمام زنكي لتحقيق أهدافه ضد إمارات ديار بكر، إذ اتخذ من هذا الموقع قاعدة عسكرية في المنطقة للهجوم على المواقع المجاورة .




ب- معركة دارا :


مهد ضُّم نصيبين الطريق أمام عماد الدين زنكي لتحقيق أهدافه في ديار بكر بعد أن تأكد عن عجز الحكام المحليين عن مواجهته، إذ غدا هذا الموقع قاعدة أنطلاق للانتشار في المنطقة ومن جهتهم، أدرك أمراء هذا الإقليم مدى خطورة توسع عماد الدين زنكي على أملاكهم، فتداعوا في عام (524ﻫ/1130م) إلى عقد حلف للوقوف في وجهه، اشترك فيه الأميران الأرتقيان حسام الدين تمرتاش وابن عمه ركن الدولة داوود، وأنضَّم سعد الدولة أبو منصور إيكلدي صاحب آمد إلى الحلف، بالإضاف إلى عدد كبير من أمراء التركمان الموالين لداوود ، ولما سمع عماد الدين زنكي بحشود الأمراء قّرر مباغتة القوم قبل أن يتهيأوا للقتال، فأنطلق على رأس أربعة آلاف مقاتل، والتقى بهم بالقرب من دارا التابعة لتمرتاش، وانتصر عليهم. كانت النتيجة الفورية للمعركة سيطرة عماد الدين زنكي على عدد من المواقع القريبة كحصن سرجي ودارا ، وحتى يعرقل توغله في المنطقة، قرَّر داود مهاجمة جزيرة ابن عمر التابعة للموصل، مما دفع عماد الدين زنكي إلى ترك ديار بكر والتوجه إليه لإيقافه عند حده لكنه لم يتمكَّن من التوغل بعيداً بسبب وعورة المسالك، وانتشار التركمان في المنطقة، فاكتفى باستقطاب السكان في الجهات التي بلغها ثم قفل عائداً .



3- أساليب سياسية من عماد الدين زنكي لإحداث إنشقاق وتنافر في صفوف الأراتقة :



أدرك زنكي، أثر هذه الأحداث، مدى الخطر الذي يشكله التحالف بين أمراء ديار بكر ضد مطامحه في المنطقة، فرأى أن يلجأ إلى الأساليب السياسية علها تتيح له إحداث إنشقاق وتنافر في صفوف أولئك الأمراء كي يسهل عليه – بعد ذلك – اقتطاع أراضيهم وممتلكاتهم. وأعتقد أن خير ما يبدأ به خططه السياسية هو إيجاد تحالف متين مع أحد هؤلاء الأمراء والاستعانة به ضد الآخرين وكان من الصعب عليه تحقيق هذا التحالف مع غريمه اللدود ركن الدولة، لما كان يتميز به هذا من حقد ورغبة بإنزال الضربات بعدوه وتحين الفرص للانقضاض على ممتلكاته ، كما أن زنكي لم يشأ أن يتخذ من صاحب آمد حليفاً له، لضعف إمكانياته وعدم قدرته على تقديم مساعدات مجدية في حالة نشوب قتال بين أمير الموصل والأراتقة، ولم يبق أمامه إذن سوى حسام الدين تمرتاش الذي كان أكثر مرونة من ابن عمه داود، لذ أخذ يتقرب إليه، وأوقف مهاجمته لممتلكاته وسرعان ما أحس الأمير الأرتقي باتجاه زنكي الودي منه، ورأى أن التضحية بابن عمه داود لابد منها في سبيل كسب حليفه الجديد، وائتمان جانبه، والسعي – عن طريق هذا التحالف – للحصول على مزيد من المكاسب في المنطقة .



أ- مهاجمة حصن آمد :


شهد عام 528ﻫ لقاء ودياً بين الحليفين أنطلق بعده مباشرة لمهاجمة الحصن المنيع آمد، وفرضا الحصار عليه، فأرسل صاحبه سعد الدولة ايكلدي (503ﻫ - 536ﻫ) يستنجد بداود الأرتقي، وسرعان ما جمع هذا جيوشه ومتطوعيه من التركمان وأتجه لفك الحصار عن آمد، وهناك عند أسوار هذا الحصن حدث اللقاء بين الطرفين في أواخر جمادي الآخرة من ذلك العام، وانتهى القتال بهزيمة داود وأسر ولده ومقتل عدد من جنده، بينما استمر حصار زنكي وحليفه لهدفهما المنيع، وكي يلقيا الفزع واليأس في نفوس أصحابه قاما بتخريب واسع النطاق في البساتين والمزارع المجاورة إلا أن آمد صمدت وأقنعت المهاجمين بعدم جدوى البقاء طويلاً ورضي زنكي من صاحبها – لقاء فك الحصار تقديم مقدار من المال ثم اتجه الحليفان بعد ذلك إلى قلعة الصَوْر القريبة وهي من ممتلكات داوود ويحكمها ابنه قرا أرسلان فحاصراها وأرغماها على الاستسلام، وأهداها عماد الدين زنكي لحليفه تقديراً لمساعداته وتأكيداً لتحالفهما .



ب- اتساع شقة الخلاف بين تمرتاش وبين ابن عمه داود :



نتيجة لهذا الانقسام في الصف الأرتقي، اتسعت شقة الخلاف بين تمرتاش وبين ابن عمه داوود وبدت في الأفق السياسي بوادر نزاع مسلح بينهما في الوقت الذي ازداد فيه التحالف بين تمرتاش وعماد الدين زنكي متانة وصلابة. وقام الحليفان بشن هجوم مشترك على جبل جور والسيوان في عام (530ﻫ) وتمكّنا من ضمهما، ومنحهما زنكي لحليفه تماشياً مع خطته في تقوية التحالف معه ، وأدت هذه الانتصارات السريعة إلى إلقاء الرعب في روع قرا أرسلان بن داود الذي أدرك أنه أمام عدو صلب قوي وبالتالي عدم جدوى المقاومة، فغادر المنطقة إلى قاعدة أبيه في حصن كيفا، تاركاً مناطق ولايته لقمة سائغة في يد عماد الدين زنكي، وحاول تمرتاش الإفادة من تحالفه مع عماد الدين زنكي في توسيع رقعة إمارته بضم بعض المواقع القريبة، وتمكَّن في عام (530ﻫ/1136م) من ضم قلعة الهتَّاخ ، وهي آخر الحصون المروانية في ديار بكر .



ج- تعّرض التحالف الزنكي الأرتقي إلى الهتزاز :



تعّرض التحالف الزنكي – الأرتقي إلى الاهتزاز في عام (533ﻫ/1138م) وبدا في الأفق السياسي ما يشير إلى فتور في العلاقات بين الحليفين ويبدو أن مرد ذلك يعود إلى :
- التجاء الأمير أبي بكر، نائب عماد الدين زنكي في نصيبين إلى حسام الدين تمرتاش، بعد ما خرج عليه، فرفض الأخير تسليمه إلى عماد الدين زنكي رغم إلحاحه وجرت بينهما منازعات طويلة بسبب ذلك، فاضطر تمرتاش إلى تسليمه إلى السلطان مسعود الذي سلمه بدوره إلى عماد الدين زنكي لينال عقابه .



ح- عودة الوئام بين تمرتاش وداود :



أدرك كل من تمرتاش وداود أن هذا الخلاف الذي أشتد بينهما واتسع إلى درجة الحرب والتخريب لن يفيد أيا منهما بقدر ما يعود بالمكاسب على زنكي الذي قد يستغله بشكل دائم لتحقيق مزيد من الانتصارات في المنطقة، وبالتالي أضعاف قوى الأراتقة جميعاً، كي يصبحوا بعد ذلك هدفاً سهل المنال، لذا قام كل من الأميرين الأرتقيين بتبادل الرسل في مطلع عام 536ﻫ، وأسفرت المفاوضات عن عقد صلح بينهما ومالبث داود أن أتجه إلى ميا فارقين حيث اجتمع بابن عمه بعد سنين طويلة من العداء .



س- سعي عماد الدين زنكي في كسب حليف جديد :



لم يغب عن زنكي أن الصلح الذي تم بين الأراتقة سيكون على حسابه للحد من مطامحه في المنطقة، فسعى إلى اتخاذ إجراءات سياسية تكفل عدم انعزاله من جهة وإكتساب حليف جديد ضد منافسيه في المنطقة من جهة أخرى، وقد تمكن – في أقل من عام – من تحقيق هدفين هذين، وذلك بأن أرسل إلى صاحب آمد يتهدده أن استمر زنكي، استطاع أن يحصل على مركز قوي في ديار بكر، وأن يستغل هذا المركز لمّد نفوذه هناك، والاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من الحصون الكثيرة المنتشرة في المنطقة والتابعة لعدد من الأمراء، كي يتسنى له بعد ذلك القيام بخطوته الحاسمة، وهي الانقضاض لإسقاط حكم بني أرتق الذي يقف عائقاً دون تحقيق هدفه الرئيسي في توحيد بلاد الموصل والجزيرة وشمالي الشام .



ش- حملة عسكرية واسعة من عماد الدين زنكي :



وشهدت أواخر عام 537ﻫ ومطالع العام التالي قيام زنكي بحملة واسعة ضد عدد كبير من الحصون الواقعة في أقاصي ديار بكر والتابعة لأمير يدعى يعقوب بن السبع الأخمر الذي لم تشر المصادر – بوضوح – إلى تاريخه السياسي، وهويته وطبيعة علاقاته بأمراء ديار بكر . وقد تمكن زنكي في حملته هذه – من الاستيلاء على مدينة طنزة، والسعرد والمعدن وحيزان ، وحصن الزوق ، وفطليس وباتاسا ، وحصن ذي القرنين ، وانيرون ، وقام بترتيب أوضاع هذه المواقع والحصون، ووضع في كل منها حامية عسكرية لتدافع عنها ضد هجمات الأعداء وأسرع زنكي – بعد انجازه هذه الانتصارات – بالتوجه إلى ميافارقين لتنفيذ الخطة السرية التي رسمها مع شرف الدين حبشي وزير تمرتاش وعسكر بقواته الكبيرة، في إحدى ضواحيها القريبة المسماة (تل بسمي) أملاً أن يقوم حبشي، المقيم في ميافارقين، بفتح الأبواب لدخول قواته والسيطرة على المدينة والقلعة دون إراقة قطرة من دماء، إلا أن الخطة أكتشفت، واتفق رجلان من كبار أعيان البلد ومسؤوليه على اغتيال حبشي وإنهاء الخطر المحدق بميافرقين ، فتسللا إلى خيمته ليلاً وضرباه بالسيوف، ثم حملا رأسه إلى تمرتاش في ماردين، وسرعان ما انتشر نبأ الحادثة، فاضطرب جيش زنكي وعمته الفوضى، واضطر قائده إلى الإنسحاب، إذ أن مقتل حبشي المفاجئ جعل من الصعوبة بمكان الاستيلاء على ميافارقين، فقفل عائداً إلى نصيبين وفي مطلع العام التالي التالي (539ﻫ توفي داود بن سقمان صاحب حصن كيفا، فخلفه ابنه فخر الدين قرا أرسلان ويبدو أن هذا الأخير لم يكن يتمتع، كأبيه، بمقدرة سياسية أو عسكرية فرأى أن خير وسيلة لإيقاف عماد الدين زنكي هي إعادة التحالف القديم بين إمارتي حصن كيفا وماردين، فقام بالخطوة الأولى في هذا السبيل فصاهر تمرتاش واستغل عماد الدين ضعف قرا أرسلان، فتوسع على حسابه، وضَّم مناطق واسعة من إمارة الحصن، وقد أدَّت العمليات العسكرية التي نفَّذها إلى تعميق الخلاف بينه وبين تمرتاش وبخاصة أنه هاجم قلعتي الجور والسيوان وضمهما إلى أملاكه، بعد أن كان قد منحهما لهذا الأخير والواقع أن عماد الدين زنكي لم يأبه لهذا النزاع بعد أن أضحى مركزه قوياً في ديار بكر، فقَّرر استئناف هجماته على الأملاك الأرتقية، فاتجه إلى آمد في محاولة لضمها إلا أنه أنهمك بمهاجمة إمارة الرها الصليبية، فانقذ تمرتاش من هجوم جديد ضد أملاكه .



ك- موقف عماد الدين من إمارة أرمينية :



لابد قبل الانتهاء من سرد وتحليل علاقات زنكي بأمراء أرمينية المتاخمة لذلك الأقليم ، إذ أرسل في عام 528ﻫ يطلب خطبة ابنه سمكان القطبي الذي كانت زوجته قد تولت الوصاية على شؤون الإمارة منُذ وفاته عام 505ﻫ وصادف في الوقت نفسه أن تقدم حسام الدولة بن دلماج أمير بدليس المجاورة، يخطب هذه الفتاة لابنه، الأمر الذي أغضب زنكي أشد الغضب، وأعتبر الموضوع بمثابة تحّد لرغبته، فتقدم على رأس قواته إلى خلاط، سالكاً بجنده الطرق الجبلية الوعرة، غير المسلوكة من أجل أن يبلغ هدفه بأسرع وقت ممكن . فكان الجيش بغير خيام وكل جندي في موضعه من الطريق . وعندما وصلوا خلاط ضربوا خيامهم قريباً منها، واتجه زنكي مع كبار أفراد حاشيته إلى القلعة لكتابة المهر. وما أن أتم ذلك حتى قام بإرسال حاجبه الياغسياني إلى بدليس، على رأس قسم من قواته، لتأديب صاحبها، إلا أن هذا استطاع إقناع قائد زنكي بالعودة إلى سيده مقابل مبلغ من المال. وهكذا أعتمد زنكي رابطة الزواج لتعزيز علاقته بإمارة أرمينية وكسب – بذلك – صديقاً جديداً، ربما حصل على مساعدته خلال عملياته العسكرية في المناطق القريبة من أرمينية، أو ضمن حياده على الأقل، سيما وأن هذه الإمارة كانت تجاور أعداءه في ديار بكر ومناطق الجبال الكردية، مما كان يحتم إبعادها عن الدخول في الصراع إلى جانب هؤلاء الأعداء ولم يحاول زنكي – من جهة أخرى – أن يتوسع على حساب هذه الإمارة، ربما لبعدها عن حدود ممتلكاته، وعدم تشكيلها خطراً مباشراً عليه، حيث يفصل بين الطرفين عدد من الأمارات والمواقع المستقلة في أقاليم الجبال وديار بكر، امتصت معظم جهوده خلال صراعه الطويل مع أمرائها، هذا إلى أن المنشور، الذي منحه السلطان السلجوقي لزنكي، نص على توليته الموصل والجزيرة والشام، دون أية إشارة إلى أرمينية وفضلاً عن هذا وذاك، كان هدف زنكي الرئيسي العمل على توحيد المواقع الإسلامية التي تخدمه في صراعه ضد الصليبيين، ولم تكن أرمينية ذات غناء كبير في هذا المجال، وأخيراً لا بد أن نلاحظ بعد نظر زنكي في سياسته التي استهدفت عدم إضعاف الإمارة المذكورة التي كانت بمثابة حزام واقٍ ضد هجمات الخزر والقفجاق القاسية على الجهات الشمالية من آسيا الصغري وأرمينية، أولئك الذين كانوا يشكلون خطراً على المناطق المجاورة .




سادساً : عماد الدين زنكي، وأمراء دمشق :




1- ضُّم حماة :


أدرك عماد الدين زنكي أنه لا يستطيع مواصلة الجهاد ضد الصليبيين إلا إذا ضّم دمشق والمدن المحيطة بها إلى أملاكه، وأقام محور الموصل – حلب – دمشق لأن قطع الشام عن الجزيرة كان يجعله محتاجاً إلى البقاع وحوران لتموينه بالحبوب، بالإضافة إلى هدف سياسي يعود إلى وجود مملكة بيت المقدس اللاتينية في الجنوب. والواقع أن ممتلكات المسلمين في بلاد الشام كانت تتوزع آنذاك بين ثلاث قوى :


أ- محورها بوري بن طغتكين، أتابك دمشق الذي يسيطر على دمشق وحماة في الشمال، وحوران في الجنوب والجدير بالذكر أن آل طغتكين ورثوا حكم هذه المنطقة الحيوية من سلاجقة الشام، وكانت مشكلتا دمشق الرئيستان تتمثلان في تجنُّب قوة الزنكيين في الموصل وحلب، وقوة الصليبيين في بيت المقدس، والاحتفاظ بالسيطرة على السهلين الزراعين، البقاع في الشمال الغربي، وحوران في الجنوب الشرقي، اللذين يؤمنَّان لها القمح والعلف.

ب- محورها صمصام الدولة خير خان بن قراجا، أمير حمص.

ج- محورها سلطان بن منقذ، الأمير العربي الذي يسيطر على شيزر.


وحتى يحقق هذا الهدف كان عليه أن يضم حماة وحمص أولاً الواقعتين على الطريق المؤدي إلى دمشق نظراً لما يمنحه ذلك من قواعد عسكرية هامة، ومراكز للتموين لا يمكن الاستغناء عنها عند القيام بهجوم ضد المدينة الأخيرة أو فرض الحصار عليها ورأى عماد الدين زنكي أن يستعمل الأساليب والمناورات السياسية لضَّم حماة وحمص، ويتجنَّب ما أمكن استعمال القوة، فأرسل إلى بوري بن طغتكين في دمشق يخطره بنيته في محاربة الصليبيين، ويلتمس منه المساعدة، فكتب بوري إلى ابنه سونج في حماة يأمره بالخروج من عسكره لنجدة عماد الدين زنكي، كما أرسل من دمشق قوة عسكرية مؤلفة من خمسمائة فارس، لتنضَّم إلى القوات الإسلامية. رحب عماد الدين زنكي بقدوم سونج، وأحسن لقاءه، لكنه لم يلبث أن قبض عليه، وعلى عدد من أمرائه وقادته، وأرسلهم إلى حلب ثم تقدم مسرعاً إلى حماة، منتهزاً خلوها من الدفاعات ودخلها في شهر شوال عام 524ﻫ/ شهر أيلول عام 1130م سلمَّها لحليفه خير خان صاحب حمص الذي كان يرافقه في عملياته .



2- محاولة ضَّم حمص :


ويبدو أن هذه الخطوة كانت خدعة من عماد الدين زنكي ليطمئن حليفه قبل أن يضربه، وفعلاً أنقلب عليه بعد ذلك، فقبض عليه، وأمره بمراسلة أهل حمص لتسليمه المدينة قبل أن يرسله إلى حلب، ثم أسرع بمهاجمتها . إلا أن أهالي حمص قاتلوا ببسالة كبيرة، اضطرت زنكي- أخيراً – إلى فك الحصار والعودة إلى حلب . حيث أرسل من هناك كلاً من خير خان وسونج وأمرائه لكي يعتقلوا في الموصل. ثم ما لبث بوري أن أخذ يراسل زنكي مَلتمساً إطلاق سراح ابنه وأخيراً تمت موافقة أمير الموصل على إعادة المعتقلين إلى دمشق مقابل تسليمه دبيساً بن صدقة – أمير الحلة – الذي كان محتجزاً آنذاك في دمشق . أما خير خان فقد بقي في السجن حتى مقتله عام 529ﻫ مالبث زنكي أن قام – في العام التالي – بهجومه الثاني على حمص، لكنه جوبه بنفس المقاومة الشديدة، فآثر الإنسحاب انتظاراً لفرصة مواتية أخرى ، وفي السنة التالية توفي بوري حاكم دمشق، فأعقبه في الحكم ابنه إسماعيل الذي كان أكثر طموحاً واندفاعاً من أبيه، فعزم على مهاجمة حماة، وتمكن من استردادها في شوال عام 527ﻫ بعد أن أبدت حاميتها مقاومة عنيفة .



3- محاولة التفاهم مع حكام دمشق :



حدث في شهر رجب عام 526ﻫ/ شهر حزيران عام 1132م أن توفي بوري بن طغتكين، فخلفه ابنه شمس الملوك إسماعيل الذي اتصف بالطموح والاندفاع الزائد ونجح هذا الحاكم الجديد في إستعادة حماة في أول شهر شوال عام 527ﻫ/شهر آب عام 1133م ، مستغلاً إنهماك عماد الدين زنكي بمشاكله مع الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية غير أن إسماعيل لم يلبث أن أساء السيرة، وبالغ في ظلم الأهالي ومصادرة أموالهم، كما أسرف في التخلص من معارضيه، حتى أضحى كل شخص يخشى على حياته، فاضطربت أحوال دمشق، وتألّب الجميع عليه ، وكان قد أدرك أصرار عماد الدين زنكي على مهاجمة دمشق وصعوبة الصمود بوجهه والنقمة تحيطه من كل مكان قرر القيام بمناورة استهدف من ورائها كسب زنكي إلى جانبه ضد خصومه الدمشقيين، فكاتبه عام 529ﻫ يطلب منه القدوم إلى دمشق لتسليمها إياه طوعاً، وشرط عليه – لقاء ذلك – أن يمكنه من الانتقام من خصومه، وأبلغه أنه إن لم يسرع بتلبية طلبه قام باستدعاء الصليبيين، وسلمهم دمشق وكان إثم المسلمين في عنق زنكي. ثم ما لبث إسماعيل أن شرع بنقل أمواله وممتلكاته إلى صرخد، استعداداً لتسليم دمشق لأمير الموصل. غير أن كبار أمراء دمشق وقادتها أوضحوا لوالدته – ذات النفوذ الكبير في الإمارة – العواقب الوخيمة التي ستجرها عليهم سياسة ابنها الرعناء فأسرعت بتدبير قتله، وأجلست مكانه في الحكم أخاه شهاب الدين محمود حيث بايعه الناس ، كان عماد الدين زنكي آنذاك قد خرج من الموصل وعبر الفرات في طريقه إلى دمشق، وعندما بلغته أنباء التغييرات التي حصلت، لم يقطع أمله في إيجاد وسيلة التفاهم مع الحكام الجدد، لذلك واصل سيره حتى بلغ أرباض المدينة وأرسل رسولاً إلى حكامها للتفاوض بشأن شروط التسليم اعتقاداً منه بعدم قدرتهم على المقاومة .




4- حصار دمشق :



الواقع أن الدمشقيين رفضوا التفاوض معه وأصروا على المقاومة. وأصر هو من جهته على مهاجمة دمشق، فضرب الحصار عليها في أوائل جمادي الأولى ونَّفذ غارات على أطرافها، فردّ عليه الدمشقيون بغارات مضادة وتزعم حركة المقاومة معين الدين أنر أحد مماليك طغتكين ولما فشل في اقتحام المدينة اضطر، تحت ضغط الظروف السياسية والعسكرية المستجدَّة، إلى عقد صلح مع الدمشقيين في آخر شهر جمادي الأولى عام 529ﻫ/شهر أذار عام 1135م وقفل عائداً إلى حلب والواضح أن الظروف التي دفعته إلى فك الحصار تمكن في الأحداث التالية :



أ - قيام الدمشقيين بمضايقة جيشه في الوقت الذي أخذت أقواته في التناقص.
ب- تسللُّ بعض جنوده إلى دمشق، وانضمامهم إلى الدمشقيين.
ج- بَعَثَ حكام دمشق إلى الخليفة العباسي المسترشد بالله مبلغاً من المال، قدره خمسون ألف دينار، وطلبوا منه دفع عماد الدين زنكي عنهم، وتعهدوا، إذ نجح في ذلك، بأن يرسلوا مبلغاً مماثلاً كل سنة، فقبل الخليفة هذا العرض وأرسل إليه يأمره بفك الحصار عن دمشق، والتوجه على رأس قواته إلى بغداد لمعاونته ضد السلطان مسعود ، وهكذا فشلت الجهود التي بذلها عماد الدين زنكي لضَّم دمشق، كما ظلَّت هذه المدينة أمداً طويلاً تمثل عقبة في سبيل إتمام الوحدة الإسلامية في بلاد الشام
.




5- تجُّدد الغارات على حمص :



تمكَّن عماد الدين أثناء عودته إلى حلب، بعد أن فكَّ الحصار عن دمشق من إعادة ضّم حماة إلى أملاكه، كما هاجم حمص، إلا أنه فشل في دخولها ويبدو أن هذه المدينة ظلت طيلة السنوات الثلاثة التالية 530ﻫ - 532ﻫ/1135 – 1137م) عرضة لهجماته، إذ شهد عام 530ﻫ/1135م محاولة أخرى لضمها، فوجد قريش بن جبرخان نفسه عاجز عن صده، فاستنجد بشهاب الدين محمود صاحب دمشق يلتمس منه إرسال من يراه كفئاً لتولي شؤون الحكم فيها على أن يعَّوضه عنها بإحدى مدن إمارته، وافق حاكم دمشق على هذا العرض الذي يتيح له ضَّم مدينة كبيرة وهامة كحمص إلى إمارته فتسلمها في شهر ربيع الأول عام 530ﻫ/شهر كانون الأول عام 1135م وأقطعها معين أنر لم يركن الزنكيون إلى الهدوء وتابعوا شن الغارات على حمص بقيادة سوار ابن أيتكين، غير أن المدينة صمدت وانتعشت بما كان يدخلها من الميرة والأقوات، فاضطر سوار إلى طلب التفاوض، واستقر الصلح بين الطرفين على قاعدة عدم تعرض أي منهما للطرف الآخر . آمن عماد الدين زنكي دائماً بأن قيام الجبه الإسلامية المتحدة في بلاد الشام، يجب أن يسبق أية خطوة عملية يتخذها ضد الصليبيين، فرفض من هذا المنطلق إقرار الهدنة التي عقدها نائبه في حلب، وجدَّد الهجوم على حمص في شهر شعبان عام 531ﻫ/شهر آيار عام 1137م إلا أنه فشل في اقتحامها بسبب المقاومة الشديدة التي أبداها معين الدين أنر من جهة، وظهور بوادر تحالف خطير بين الزعماء الصليبيين من جهة أخرى، إذ قام فولك أنجو، ملك بيت المقدس، برفقة ريموند الثاني، أمير طرابلس، بنجدة المدينة .




6- الهدنة مع حكام دمشق :



اضطر عماد الدين زنكي إلى عقد هدنة مع حكام دمشق كي يتفرغ للتصدي للصليبيين الذين احتشدوا في حصن بارين المنيع، فانتصر عليهم ، وتهيأت له الفرصة مرة ثانية لمهاجمة ممتلكات آل طغتكين، وتوحيد بلاد الشام فقام في أوائل عام 532ﻫ/ أواخر عام 1137م بمهاجمةبعلبك إلا أنه قنع بما بذله له صاحبها ، واتجه إلى حصن المجدل فاستولى عليه دون مقاومة تذكر، وإذ ذاك شعر إبراهيم بن طرغت صاحب بانياس بضعف مركزه تجاه زنكي فراسله وأعلن دخوله في طاعته، وعندما دخل الشتاء وأشتد البرد، أوقف زنكي نشاطه في المنطقة .




7- الحصار على حمص :



ومع بوادر الربيع أنطلق على رأس قواته صوب حمص وفرض الحصار عليها. كان مركزه في المنطقة قد بلغ درجة كبيرة من القّوة أتاح لنفسه معها أن ينقض الهدنة التي عقدها مع حكام دمشق في العام الماضي، كما أنه باستيلائه على حصن المجدل، وفرض طاعته على صاحبي بعلبك وبانياس تمكن من السيطرة على معظم المواقع الغربي لإمارة آل طغتكين، ولم يبق أمامه، لإتخاذ طريقه صوب دمشق، سوى مدينة حمص شدد عماد الدين زنكي الحصار على حمص، وجمع عليها جموعاً كبيرة من مقاتلي التركمان استقدم من حلب فرقة عسكرية متمرسة على أساليب الحصار وقام بشن هجماته على أنحاء المدينة، مستخدماً هذه المرة مزيداً من أساليب العنف والإرهاب، إلا أنه اضطر إلي فك الحصار وتوجه لمجابهة أخطار التحالف البيزنطي – الصليبي، وقد تمكن في فترة قصيرة من القضاء على هذا التحالف الذي انتهى بانسحاب أمبراطور الروم إلى بلاده ، وعاد زنكي إلى حصار حمص من جديد، محاولاً هذه المرة استخدام الأساليب السلمية لتحقيق هدفه، مستغلاً مركزه القوي في المنطقة أثر الانتصارات الحاسمة التي حققها ضد الصليبيين والبيزنطيين فتقدم طالباً يد زمرد خاتون والدة شهاب الدين محمود حاكم دمشق، لعله يضمن الحصول على حمص عن طريق هذا الزواج السياسي، فأجيب إلى طلبه بعد مفاوضات قصيرة وتمت إجراءات العقد في السابع عشر من رمضان، بعد أن تمكن من اقناع آل طغتكين بتسليمه حمصا كجزء من الاتفاق، على أن يعوض نائبها بعدد من الحصون القريبة من دمشق كبعرين واللكمة والحصن الشرقي كما اشترط عليهم تزويج ابنته من شهاب الدين محمود – مستهدفاً من وراء ذلك – أقامة علاقته بهذه العائلة الحاكمة على قواعد راسخة قد تفيده في المستقبل القريب .




8- تجدُّد هجمات عماد الدين زنكي على دمشق :



ظن عماد الدين زنكي أن بهذا الرباط العائلي ستصبح دمشق في متناول يده إلا أنه لم يكسب شيئاً، باستثناء الحصول على حمص فقط، أما ضمُّ دمشق الذي كان هدفه الأساسي من هذا الزواج فلم يتحقق. ويقول ابن الأثير في ذلك : إنما حمله على الزواج بها ما رأى من تحكيمها في دمشق، فظن أنه يملك البلد بالاتصال بها فلما تزوجها خاب أمله، ولم يحصل على شيء، فأعرض عنها فما الذي تغير في الأوضاع السياسية في دمشق وحال بين عماد الدين زنكي وبين تحقيق هدفه ؟ الواقع أنه ما إن غادرت زمرد خاتون دمشق حتى فقدت مكانتها السياسية العالية التي كانت تتمتع بها، حيث غدت الكلمة الأولى لابنها محمود وحاشيته . وشَّكلت سنة (533ﻫ/1139م) نقطة تحول هام في تاريخ دمشق، فقد هوجمت هذه المدينة من اتجاهين متباعدين، فقد هاجمها الصليبيون في بيت المقدس من الجنوب، في حين هاجمها عماد الدين زنكي من الشمال، ولم يدرك الدمشقيون أي الخطرين كان أشد على وضع مدينتهم إلا أن الجنوبية، شهدت هدوءاً يكاد يكون تاماً بعد حملة عام 523ﻫ/1129م، ثم تحقق السلام بين الجانبين في عام 528ﻫ/1134م والذي كان من الممكن أن يتجَّدد. أما سياسة عماد الدين زنكي تجاه دمشق، فقد اختلفت كلياً، فإنه بوصفه المدافع الأول عن المسلمين، فقد رأى توحيد صفوفهم تحت رايته، ولكن دمشق وقفت عقبة أمام تحقيق ذلك فكان عليه تذليلها وشهدت دمشق خلال (شهر شوال / شهر حزيران) تطورات سياسية متسارعة أدّت إلى مقتل شهاب الدين محمود على أيدي رجاله، وتنصيب أخ له غير شقيق هو جمال الدين محمد صاحب بعلبك. والراجح أن معين الدين أنر كان وراء هذه الأحداث بهدف السيطرة على الحاكم الجديد والتفرد باسمه بالسلطة الفعلية. وفعلاً حقَّق أنر هدفه بعد أن فَّوض إليه الأتابك أمور المدينة وأقطعه بعلبك . وهكذا أدّت تلك التطورات السياسية إلى إزدياد نفوذ أنر مما حمل ابن الأثير على وصفة بأنه صار هو الجملة والتفصيل ، ولم تكن هذه التطورات في صالح عماد الدين زنكي، كما عَّز على زمرد خاتون التي كانت تقيم في حلب أن يقتل ابنها ويحل محله في حكم دمشق ابن ضرتها، فأرسلت إلى عماد الدين زنكي، وكان في الموصل تستدعيه طالبة الثأر لولدها والسيطرة على دمشق . كما أن الأمور لم تستتب للحكام الجدد بسهولة، إذ كان للأتابك جمال الدين محمد أخ يدعى بهرام شاه، عزَّ عليه أن يتجاهله أنر بعد مقتل شهاب الدين محمود، فلجأ إلى حلب، ومنها سار إلى الموصل، طالباً مساعدة عماد الدين زنكي ، وبذلك تهيأت لعماد الدين زنكي فرصة أخرى للتدخل في شؤون دمشق، فأعَّد جيشاً خرج على رأسه في (شهر ذي القعدة عام 533ﻫ/شهر تموز عام 1139م) قاصداً دمشق لاقتحامها قبل أن تستتب الأمور فيها، ويبدو أنه أدرك أن مهاجمة دمشق ليس بالأمر الهين، هي المدينة التي أخلص أهلها لبيت بوري، إذ لم يكد سكانها يسمعون بأخبار الزحف باتجاه مدينتهم حتى صمَّموا على الدفاع والمقاومة إنطلاقاً من هذا الواقع، وضع خطة عسكرية من شقين :


* تنفيذ حصار شديد على دمشق وعزلها عن بقية ممتلكاتها.
* تكوين جبهة مناهضة لحكامها
.


وتنفيذاً للشق الأول هاجم بعلبك، التي كانت إقطاعاً لأنر، ودخلها في شهر صفر عام 534ﻫ/شهر تشرين الأول عام 1139م ووضع يده عليها ، والواضح أن ضمَّ بعلبك في هذه الأونة وحمص وحماة وبانياس والمجدل من قبل، هيَّأ له تحقيق الشق الأول من خطته بعزل دمشق ومنع حكامها من الاتصال ببقية أجزاء الإمارة لطلب المساعدة العسكرية والاقتصادية الأمر الذي سيضعف من مقاومتها إلى حد كبير ، وتنفيذاً للشق الثاني قام، بجهود سياسية لتقوية موقفه، فراسل رضوان ابن الولخشي، الوزير الفاطمي، الذي كان في طريقه إلى دمشق هرباً من ثورة الجند عليه وأغراه بالانضمام إليه، وفعلاً استجاب الوزير الفاطمي ومال إلى مساندته . ويبدو أن أنر أدرك خطورة هذ التحالف على وضعه الداخلي، فسعى لإحباطه وأرسل أسامة بن منقذ إلى رضوان ليقنعه بالعدول عن هذا التحالف، وبذل له من الأموال ما أغراه . وظل عماد الدين زنكي قابعاً في بعلبك حتى (شهر ربيع الأول عام 534ﻫ/ شهر تشرين الثاني عام 1139م، أعاد خلالها تنظيم أمورها الإدارية وعين عليها نجم الدين أيوب، ثم زحف نحو دمشق، وعسكر في سهل البقاع، ورأى قبل أن يهاجمها استقطاب الأتابك جمال الدين لتسليمه المدينة، مقابل منحه حمص وبعلبك إلا أن هذا الأخير رفض هذا العرض، وسانده رجال دولته وعلى رأسهم معين الدين أنر عندئد اضطر إلى التقدم نحو المدينة وفرض الحصار عليها، ودارت عدة اشتباكات بين الطرفين لم تكن حاسمة إنما جاءت لمصلحة عماد الدين زنكي، الذي أوقف القتال مدة عشرة أيام لإعفاء المحاصرين فرصة أخرى للتسليم ، ويبدو أن جمال الدين محمد اقتنع أخيراً، بعدم جدوى المقاومة، وضرورة حقن الدماء، إلا أنه جوبه بمعارضة أنر فوجد نفسه مضطراً لاستئناف القتال . وفي شهر شعبان عام 534ﻫ/ شهر آذار عام 1140م توفي جمال الدين محمد، مما أتاح لعماد الدين زنكي، في ظل النزاع بين الورثة حول الفوز بحكم دمشق، فرصة مؤاتية لتوجيه ضربة حاسمة ضد المدينة، إلا أنه أنر أسرع بتعيين مجير الدين أبق بن محمد أميراً على دمشق، فاضطر عماد الدين زنكي، الذي ضعفت نفسه وضاق صدره إلى التراجع قليلاً، بعدما رأى إصرار الدمشقيين على المقاومة لكنه استمر حصاره أملاً في إنهيار الحالة الاقتصادية في دمشق، ومن استسلام المدينة .




9- التحالف بين حكام دمشق والصليبيين :



وأمام استمرار الحصار، واشتداد الخطر الزنكي، رأى أن يستعين بالصليبيين، فأرسل أسامة بن منقذ إلى فولك أنجو، ملك بيت المقدس لإجراء مفاوضات معه تستهدف طلب المساعدة وأبدى استعداده، بأن :



أ - يدفع عشرين ألف دينار كل شهر، وهي نفقات القوات الصليبية التي ستأتي لمساعدته.
ب- يعيد له حصن بانياس بعد انتزاعه من حاكمه التابع لزنكي
.


ج- يسلمه عدداً من كبار أمرائه ليكونوا رهائن ضماناً لحسن التنفيذ وأوضح له أنه إذا نجح عماد الدين زنكي في ضَّم دمشق فإن مقدرات بلاد الشام ستصبح بين يديه مما يشكل خطراً كبيراً على الصليبيين وفعلاً، أدرك الملك فولك ومجلسه الاستشاري أن عماد الدين زنكي الذي بات يمتلك الموصل وحلب وحماة وحمص وبعلبك، لا ينبغي، بأي حال، أن يمتلك دمشق، وإلا فإن تحقيق الوحدة الإسلامية في بلاد الشام وشمالي العراق ستصبح واقعاً، وهذا معناه طردهم من الشرق الإسلامي وأقنعتهم الظروف السياسية والعسكرية بضرورة التعاون المثمر مع أنر، وساد بينهم الشعور بأنه لابَّد من قبول عرضه، وبخاصة أنهم كانوا يتطلعون إلى استعادة حصن بانياس ، وسرعان ما أتجه الصليبيون شمالاً بقيادة فولك لنجدة حليفهم. أما عماد الدين زنكي، ظل يراقب الوضع عن كثب، وفك الحصار عن دمشق حتى لا يقع بين فكي الكماشة، وأسرع للتصدي للصليبيين منفردين قبل أن يقتربوا من دمشق وعسكر في إقليم حوران في شهر (رمضان/نيسان) بانتظار وصولهم ويبدو أن فولك، الذي كان يتقدم بحذر، فضَّل التوقف قرب بحيرة طبرية، مما دفع عماد الدين زنكي إلى معاودة حصار دمشق، بيد أن ما لبث أن فكَّ الحصار عندما سمع بتقدم الصليبيين لنجدة حلفائهم، وعاد إلى حمص وتمكنَّ الحليفان من الاستيلاء على بانياس في شهر (شوال/ آيار) وتسلمها فولك وفقاً للاتفاق المبُرم مع أنر. والواقع أن التحالف بين دمشق وبيت المقدس، أنقذ الأولى دون أن ينشب القتال، وتخلصَّ أنر من أخطر وآخر محاولة جدّيه من عماد الدين زنكي لضمَّها إلى أملاكه، الأمر الذي أعاق جهوده بتوحيد المسلمين في بلاد الشام، إلا أنه ظل على الرغم من ذلك يفكر طوال سنوات حكمه المتبقية بتحقيق هذا الهدف .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 18-11-2008, 01:12 PM   رقم المشاركة : 12
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

جهاده ضد الصليبيين :



أولاً : حال المسلمين والصليبيين قبل عماد الدين :




كان المسلمون في الشام متفرقين تكاد كل مدينة أن تكون دولة مستقلة وأقام الصليبيون في شمال سوريا تسعة شهور بعد فتح أنطاكية قبل سيرهم إلى بيت المقدس واستفادوا من هذه الفترة بالإغارة على المناطق الشمالية في سوريا وأقاموا النفوذ الصليبي محل النفوذ الإسلامي دون أن يحتكوا بالبيزنطيين، فأقاموا بذلك سداً في وجه القوات الإسلامية والبيزنطية على السواء إذ فكرت في مهاجمة أنطاكية أو غيرها من الإمارات الصليبية في المستقبل كما جعلت الترابط بين الإمارات اللاتينية متيسراً لتستطيع أحداها أن تنجد الأخرى على جناح السرعة إذا جد الجد وتعقدت الأمور وتقدم الصليبيون نحو الجنوب فأسسوا مملكة بيت المقدس مستغلين ضعف الدولة الفاطمية، ودمشق عن حماية المنطقة والمدن الساحلية وبإنشاء إمارة طرابلس حدث توازن بين الصليبيين والمسلمين فأنطاكية تواجه حلب وطرابلس تواجه مدن وادي العاصي والرها تقع بين حلب والدولة الإسلامية في الشرق والغرب والقدس تقع بين دمشق ومصر ونقطة التوازن والسؤال المطروح هل تنضم حلب إلى دمشق أو للموصل أو إلى الصليبيين . لقد كانت بلاد الفرنجة تقتصر على سواحل سوريا وفلسطين وتعتمد على البحر لضمان التموين من الخارج وعلى سلسلة من القلاع الضخمة المبتدئة من ذغيرة في الطرف الجنوبي لبحيرة طبرية ثم كرك وبيت جبريل والدروم وكان خلف هذا الخط الأول توجد القلاع الممتدة من شقيق أرنون إلى صفد والقسطل وفي الشمال حصون عكا والكرك وبارين ومن ورائها جميعاً المدن الساحلية الكبيرة أنطاكية طرابلس وعكا وصور والمرقب وبيروت ويافا وعسقلان وهي أطراف القوى الصليبية من ناحية البحر. ويقابلها من ناحية البر مرجعيون وجسر يعقوب وبيسان وطبريا وامتازت هذه الحدود الصليبية، أن قلاعها جمعت بين خصائص العمارة الحربية الغربية والشرقية، من حيث أزدواج الأسوار وتعدد الأبراج ذات الطابقين وكل مستلزمات الحامية من ذخيرة وتموين ووسائل دينية وصحية .

وأما خصائص الصليبيين الاستراتيجية الإسلامية فامتازت باتساع رقعتها وطول خطوط مواصلاتها المتصلة شرقاً وغرباً بقواعد آمنة للتموين في سرعة ففي الشمال حلب وحماه وإلى الشرق الموصل وقلاع الجزيرة ولكنها مدن حصينة، وفي الغرب مصر وما وراءها من بلاد المغرب العربي والنوبة واليمن . وبدأ المسلمون في مقاومة الصليبيين منُذ اللحظات الأولى لقدومهم لكن كانت الكفة الراجحة للصليبيين فطمعوا في حلب ودمشق وفرضوا عليها الأتاوات ويصف الحال ابن الأثير ، لما ملك المولى الشهيد البلاد كانت الفرنج قد اتسعت بلادهم وكثرت أجنادهم وعظمت هيبتهم وامتدت إلى بلاد الشام أيديهم وضعف أهلها عن غارتهم وكانت مملكة الفرنج جينئذ قد امتدت من ناحية ماردين وسثجتان إلى عريش مصر لم يتخلله من ولاية المسلمين غير حلب وحمص وحماه ودمشق وكانت سراياهم تبلغ من ديار بكر إلى آمد ومن الجزيرة إلى نصيبين ورأس العين وأما الرقة وحران فقد كان أهلها معهم في ذل صغار وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والبر فكان التجار والمسافرين يلقون من المخاوف وركوب المفازة تعباً ومشقة ويخاطرون بالقرب من القبائل العربية بأموالهم وأنفسهم ثم زاد الأمر وعظم الشر حتى جعلوا على كل بلد جاورهم خراجاً يأخذونها منهم ليكفوا أيديهم عنهم، ثم لم يقتنعوا بذلك حتى أرسلوا إلى مدينة دمشق واستعرضوا الرقيق ممن أخذ من الروم والأرمن وسائر البلاد النصارنية وخيروهم المقام عند أربابهم أو العودة إلى أوطانهم والرجوع إلى أهلهم وإخوانهم وناهيك بهذه الحالة للمسلمين ذلة وصغاراً وللكافرين قدرة واقتساراً ... وأما حلب فإنهم ناصفوها أعمالها حتى الرحا على باب الجنان وبينها وبين المدينة عشرون خطوة وأما باقي بلاد الشام فكانت حالها أشد من هذين البلدين .



ثانياً : سياسة عماد الدين زنكي مع الصليبيين



أدّت مواقف عماد الدين زنكي من الصراع ضد الصليبيين دوراً بارزاً في تحديد مستقبله السياسي، إذ دفعت السلطان محمد السلجوقي إلى توليته الموصل والجزيرة وما يفتحه من بلاد الشام إثر وفاة واليها عز الدين مسعود بن البُرسُقي في عام 521ﻫ/1127م ويبدو أن السلطان اقتنع بأنه الرجل الكفء الذي يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تركه حكام الموصل من قبل، مما يؤكد حرصه على الاستفادة من قدراته لصد الخطر الصليبي الجاثم على حدود العراق الغربية .لم يمارس عماد الدين زنكي، في بداية حكمه للموصل أي نشاط عسكري ضد الصليبيين قبل أن يُثبَّت أقدامه في إماراته الجديدة، ويُعزَّز إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية ويؤحَّد ما أمكنه من الإمارات الصغيرة المتناثرة حولها لتأمين خطوط تحركاته في الجزيرة وبلاد الشام إلى الحد الذي يمكَّنه من التصدي لهم ولعل ما يدل على بُعد نظره في هذا الصدد، انه وقَّع هدنة مع جوسلين الثاني أمير الرها لمدة سنتين أخذ أثناءها يوحَّد سلطانه في بلاد الشام ، ولم تشر المصادر إلى شروطها، إلا أن ابن الأثير يذكر أنها تمّت على ما اختاره عماد الدين زنكي ويبدو أن المشاكل التي جابهت صاحب الرها، اضطرته إلى قبول هدنة لصالح عدوه المسلم كان هدف عماد الدين زنكي من عقد الهدنة التفرغ لضَّم حلب إلى أملاكه واتخاذها نقطة انطلاق له في بلاد الشام ، ونجح في تحقيق هذا الهدف، وانطلق بعد ذلك لاكتساح ما كان يقف في طريقه من حصون مستقلة وإمارات محلية منتهزاً فرصة الهدنة.



ثالثاً : مشكلة الوراثة الأنطاكية :




وصادق عام 524ﻫ أن اجتازت أنطاكية الصليبية ظروفاً صعبة كادت تنتهي سقوط هذه الإمارة في يد زنكي، أو بخضوعها لطاعته على الأقل. ذلك أن أميرها " بوهيمند الثاني " قتل هذا العام على أيدي سلاجقة آسيا الصغرى، فخلفته في الحكم زوجته " أليس " ابنه (بلدوين) ملك بيت المقدس، وعندما استنجد الأنطاكيون بأبيها، واتجه لإنهاء المشاكل هناك، أسرعت ابنته وبعثت رسولاً إلى زنكي تعرض عليه إعلان طاعتها له مقابل إقرارها كأميرة على أنطاكية. لكن الرسول مالبث أن قتل على يد بلدوين، الذي عثر عليه أثناء توجهه إلى أنطاكية، إلا أن ملك بيت المقدس ما أن وصل إلى هناك حتى قامت ابنته بإقفال الأبواب في وجهه ثم ما لبثت أن أعلنت – مضطرة – خضوعها له وهكذا خسر زنكي فرصة ثمينة لا تعوض، كان ستتيح له – بلا شك – السيطرة على أهم إمارات الصليبيين في الشمال.




رابعاً : فتح الأثارب :



كان عماد الدين آنذاك قد أنهى معظم مشاكله وحروبه ضد أمراء ديار بكر ، كما كانت هدنته مع جوسلين قد انتهت، فقرر البدء بالهجوم على المواقع الصليبية، مستهدفاً أشدها قرباً وخطراً على كيانه السياسي في حلب، ولم يكن غير حصن الأثارب المجاورة هو ذلك الهدف، بسبب ما كان يلحقه من أضرار بفلاحي المنطقة من المسلمين، وكان من فيه من الصليبيين يقاسمون سكان حلب كافة أعمالها الغربية، ويقومون بغارات مستمرة عليهم وقد جمعوا فيه خيرة فرسانهم، نظراً لخطورة موقعه وأهميته بالنسبة لأهدافهم في المنطقة ، اتجه عماد الدين زنكي إلى هذا الحصن وفرض الحصار عليه، فلما علم صليبيو الشام بذلك حشدوا قواتهم من كل مكان، وشكلوا جيشاً ضخماً اتجَهوا به لقتال زنكي، فاستشار هذا أصحابه وقادته فيما يعمل، فاجمعوا أمرهم على الإنسحاب، وترك الحصن، لأن لقاء الصليبيين في بلادهم مجازفة وخيمة العاقبة، إلا أنه أجابهم إن الفرنج متى رأونا قد عدنا من بين أيديهم، طمعوا وساروا في أثرنا، وخربوا بلادنا ولا بد من لقائهم على كل حال . ومن ثم سار بجيشه للقائهم بعيداً عن الأثارب، وجرت بين الطرفين معركة قاسية انتهت بانتصار المسلمين وقتل وأسر عدد كبير من الصليبيين. ثم ما لبث زنكي أن أتجه إلى الحصن وفتحه عنوة، وقتل وأسر معظم أفراد حاميته، ثم أمر بتخريبه . كيلاً يكون عرضة لتهديد مستمر من قبل الصليبيين وتقدم من هناك إلى حارم الواقعة على طريق أنطاكية، وضرب عليها الحصار، فبذل له أهلها نصف دخل بلدهم والتمسوا مهادنته، فأجابهم إلى ذلك، وقفل عائداً إلى حلب . وقد أشار ابن الأثير إلى نتيجة من أهم نتائج معركة الأثارب، وهي أن الأحداث في الشام أخذت تتجه اتجاهاً جديداً لصالح المسلمين الأمر الذي جعل الصليبيين يدركون أن عليهم مجابهة قوة جديدة لم تكن في حسابهم، ويحولون خططهم العسكرية من الهجوم إلى الدفاع، بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع .




خامساً : حصن بعرين أوبارين :



أنهمك عماد الدين زنكي طيلة السنوات بين (525 -528ﻫ/1131 – 1134م) بتنظيم شؤون إمارته وتوسيعها، ولم يستطيع أن يوجه اهتمامه إلى الصليبيين على الرغم من المنازعات التي نشبت بينهم إثر وفاة الملك بلدوين الثاني ، وفي عام 529ﻫ اتيحت له الفرصة ثانية لتحقيق انتصارات جديدة في بلاد الشام، حيث قام بمهاجمة عدد من المواقع الصليبية المحيطة بحلب والتي كانت تهددها باستمرار، فضلاً عن كونها الخط الدفاعي الذي يحمي أنطاكية من هجمات المسلمين، وتمكن من الاستيلاء على خمسة منها : الأثارب، زردنا، تل اغدي، معرة النعمان، وكفر طاب ، أدت هذه الانتصارات التي حققها زنكي ضد الصليبيين إلى تنبيههم إلى تزايد خطره على ممتلكاتهم في الشام، وإلى ضرورة توجيه ضربة حاسمة إليه، وراحو يتحينون الفرصة المواتية لإنزال هذه الضربة وبعد عامين وحينما كان منهمكاً في حصاره لحمص، قاموا بحشد جيش كبير تقدموا به مسرعين لمباغتة زنكي والقضاء عليه، وكسب حكام دمشق إلى جانبهم وعندما سمع بذلك سار للقائهم بعيد عن حمص كيلاً يوقع نفسه في شقي الرحى بينهم وبين الحمصيين، ورأى أن خير وسيلة يستدرج بها الصليبيين إليه، وتتيح له، في نفس الوقت تولي زمام المبادرة بنفسه، هو أن يظهر عزمه على مهاجمة حصن بعرين الصليبي القريب وما أن بدأ زحفه صوب ذلك الموقع حتى تقدم إليه الصليبيون بقيادة كل من فولك ملك بيت المقدس وريموند كونت طرابلس ودارت بين الطرفين معركة شديدة انتهت بانتصار المسلمين، وقتل وأسر عدد كبير من جند العدو وأمرائه وقادته، كان ريموند من بينهم، أما فولك فقد تمكن من الهروب إلى حصن بعرين . ومالبث عماد الدين زنكي أن تقدم نحو الحصن وفرض عليه حصاراً شديداً، بينما إتجه عدد من المنهزمين من المعركة إلى بلاد البيزنطيين وأوروبا طالبين النجدة من أبناء العالم المسيحي وأمرائه قائلين لهم أن زنكي، إذا ما تمكن من الاستيلاء على بعرين، سهلت عليه السيطرة على بقية الممتلكات الصليبية في الشام، لعدم وجود من يدافع عنها : وأن المسلمين لهم نية في قصد بيت المقدس. فجمع المسيحيون جيشاً كبيراً من الصليبيين والبيزنطيين، وساروا لنجدة الحصن. إلا أن زنكي كان قد عزله عن العالم الخارجي ومنع عنه تسلل الأخبار، كما أن تشديده الحصار على هذا الموقع الهام أدى إلى تناقص الميرة والذخيرة فيه، الأمر الذي اضطر أصحابه إلى طلب الصلح، فأجابهم زنكي إليه، بعد أن علم بتقدم الأعداء لنجدته، واشترط عليهم، فضلاً عن تسليم الحصن، تقديم مبلغ قدره خمسون ألف دينار يستعين بها على نشاطه العسكري، فلم يتردد أصحاب الحصن في قبول مطالب زنكي، بعد أن أيقنوا بعجزهم عن مقاومته، والتمسو منه إطلاق سراح أمرائهم وكبار أسراهم، فأطلقهم، بعد أن عاملهم معاملة حسنة، وتسلم الحصن . والواقع أن ما اشتهر به عماد الدين زنكي من الجلد والصبر ساعده في تحقيق أهدافه، وهو على يقين بما يفعله، فلم تكن بارين قلعة غير ذات أهمية، إذ أن تملكها سوف يمنع الصليبيين من أن ينفذوا إلى أعالي وادي نهر العاصي، كما أن موقعها الاستراتيجي يجعلها تسيطر على حماة وحمص، ويُعُّد فتحها بالغ الأهمية في مشاريعه المستقبلية .




1- الشاعر ابن القيسراني يخلد انتصار عماد الدين في بارين :



قال عنه الذهبي في سيره : سيد الشعراء، أبو عبدالله، محمد بن نصر بن صغير بن خالد القيسراني ولد بعكَّا ونشأ بقيسارية، وسكن دمشق وامتدح الملوك .. وقرأ الأدب، وأتقن علم الهيئة والهندسة قال عنه السمعاني : هو أشعر من رأيته بالشام، ولد سنة ثمان وسبعين وأربع مئة، وتوفي سنة ثمان وأربعين، وخمس مئة ويعتبر القيسراني من أشهر شعراء العهد الزنكي وقد خلد انتصارات عماد الدين في بلاد الشام، وشهد بأم عينيه البطولة الإسلامية وهي تحقق الانتصارات الرائعة على الصليبيين وقد قال هذا الشاعر قصيدة مدح فيها عماد الدين زنكي وخلد انتصاره على الفرنجة في معركة بارين أمنع حصونهم، سنة 534ﻫ .

حذار منا وأنَّى ينفع الحَذَرُ
٭٭ وهي الصوارم لا تبقي ولا تَذَرُ

وأين ينجو ملوك الشَّرك من مَلِكِ
٭٭ مَمْ خيلُهُ النصر لا بل جُنْدُهُ القَدَرُ

سلُّوا سيوفاً كأغماد السُّيوفِ بها
٭٭ صالوا فما غَمَدُوا نَصْلاً ولا شهروا

حتى إذا ما عماد الدين أرهَقَهُم
٭٭ في مأزق مِنْ سَنَاه يَبْرُقُ البَصَُر

وَلَّوْا تفيقُ بهم ذَرْعاً مسالكهم
٭٭ والموتُ لا ملجأٌ منه ولا وَزَرُ

وفي المسافة من دون النَّجاة بهم
٭٭ طُولٌ وإن كان في أقطارها قِصَرُ

وأصبح الدَّين لاعيناً ولا أثراً
٭٭ يخاف والكُفْرُ لاعين ولا أثُر

فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبة
٭٭ فالقوم إن نفروا أَلْوى بهم نَفَرُ

إن قاتلوا قُتلوا أو حاربوا حُرِبوا
٭٭ أو طاردوا طُرِدوا أو حاصروا حُصِروا

وطالما استفحل الخطُب البهيمُ بهم
٭٭ حتى أتى مَلِكُ آراؤه غُرَرُ

والسيف مُفْترِعٌ أبكارَ أنفسهم
٭٭ ومن هنالك قيل الصارم الذَّكرُ

لا فارَقَتْ ظِلَّ محيي العَدْل لامعة
٭٭ كالصُّبْح تطوي من الأعداء ما نَشَروُا

ولاَ انثنى النَّصُر عن أنصار دَوْلته
٭٭ بحيث كان وإن كانوا به نُصِرُوا

حتى تعود ثُغورُ الشام ضاحكة
٭٭ كأنما حَلَّ في أكنافها عمر


ويعتبر عماد الدين زنكي أول من مدحه ابن القيسراني من الزنكيين وكان جمال الدين الأصفهاني وزير عماد الدين السبيل الذي أوصله إليه، فنظم في جمال الدين القصائد ومدحه بمدائح كانت – كما يقول العماد – أجود ما سمع من منظومة في الأفاضل ومما قاله في مدح جمال الدين الأصفهاني

وإذا الوفود إلى الملوك تبادرت
٭٭ فعلى جمال الدين وفدْ محامدي

يا حبذا هم إليك أصارني
٭٭ وعزيمةْ تقفو رياضة قائد

أنا روضةٌ تزُهى بكل غريبة
٭٭ أفرائدي من لم يُفْر بفرائدي

إن ساقني طلُب الغنى أو شاقني
٭٭ حبُّ العُلا فلقد وَردَتُ مواردي

ومتى عَدّدْت إلى نداك وسائلي
٭٭ أعْدَدْتُ قصدي من أجلَّ مقاصدي

حتى أعود مِن امتداحك حالياً
٭٭ وكأنني قُلَّدتُ بعض قلائدي


ومما قال فيه أيضاً :

ومروَّع سَكَنَتْ خوافقُ أمنه
٭٭ لولا جمال الدين عزَّ أمانه

أمحمد بن عليَّ اعتنقْ الأسى
٭٭ فكري فضاق بفارس مَيدانُهُ

ما بالُ حادي المجد مغبَّر المدى
٭٭ وأخو الهُوَينى روضةٌ أعطانُهُ

وأنا الذي لا عيب فيه لقائل
٭٭ مالم يُقلْ هذا الزمان زمانه

فهل المحامد ضامناتٌ عنكَ لي
٭٭ معنىً على هذا البيانِ بيانُه ؟

وهي القوافي ما تناظر بالندى
٭٭ إلا وقام بفضلها برهانُهُ

ما كان بيتُ فضيلةٍ في فارس
٭٭ إلا ومن عربيتي سلمانُهُ


وقد أورد الذين ترجموا لابن القيسراني طائفة مختارة من شعره ولاسيما العماد الكاتب في خريدته وياقوت في إرشاده وقد درس مجموعة من الناقدين شعره ومن أشهرهم من المعاصرين الدكتور عمر موسى باشا وقد أشار إلى أن شعره تميز باتجاهات عامة ثلاثة، تصور الأحداث الكبرى في بلاد الشام والاتجاه التقليدي في المدح، والتجديد في معاني الغزل والنسيب ونحن ندعو شعراء اليوم للقيام بواجبهم في بث روح الجد والعمل والجهاد في الأمة من خلال ملكة الشعر التي وهبها الله لهم.



أ- أحداث كبرى :


صور الشاعر الأحداث الكبرى في عصره خير تصوير، ووصف من خلال المدح الأبطال المسلمين وحروبهم ورسمها بدقة، فكانت لناصورة حقيقية عن الملاحم المشتجرة بين المسلمين والفرنجة ونستطيع القول إن المدح التقليدي المعروف خرج عن طوقه الآسر، وتطرق إلى وصف هذه الأحداث خلال فترة مديدة من الزمن ولم يبق الشاعر كما كان كثير من سابقيه أسير المعاني التقليدية المعروفة : جود، وبأس، وحلم وجد نفسه أمام صراع مرير تسترخص فيه المهج وتبذل له الأرواح في سبيل العقيدة، وصوت الأوطان، وحماية الأعراض، وطرد المغتصب، فقد أدى الشاعر مهمته خير أداء، فصور هذه الأحداث الجسام ونظمها في شعره، وخلدها على توالي الأيام وتعاقب الدهور، شأنه في ذلك كأي مؤرخ ، وقد تفاعل مع الأحداث ومما قاله في عماد الدين زنكي وجهاده :

فقل لملوك الكفر تُسلُم بعدها
٭٭ ممالكها إن البلاد بلاده

كذا عن طريق الصبُّح فلينته الدجا
٭٭ فيا طالما غال الظلام امتداده

ولله عزمٌ ماءَ سيحان وردهُ

٭٭ وروضة قسطنطينة مسترداه



ب- التجديد في معاني الغزل والنسيب :


درج الشعراء في معظم الأحيان على استهلال قصائدهم بالنسيب وعلى هذه السنة جرى ابن القيسراني في مطالع بعض القصائد وله في هذه المجال كلام يطول وقد وصف العماد الكاتب في وصف إحدى قصائده أنها : قطعت مجنسة في لطافة الهواء، مالكة رق الأهواء، خلصت من كلفة التكلف، وصفا مشربها عن قذى التعسف، فالأشعار المتكلفة المصنوعة قلما ينفق فيها الأبيات المطبوعة، إلا أن يخص الله من يشاء بالخاطر العاطر، والفكر الحاضر، والقريحة الصافية والآداب الوافرة الوافية، وربما يندر للناظر مقطعات يرزق فيها القبول، كهذه القطعة التي تسلب العقول .

ومما قاله في هذا الباب :

سقى الله بالزوراء من جانب الغرب
٭٭ مهاً وردت عين الحياة من القلب

عفائف إلا عن معاقرة الهوى
٭٭ ضعائفُ إلا في مغالبة الصبَّ

عقائلُ تخشاها عُقيلُ بن عامر
٭٭ كواعب لا تعطى الدَّمام على كعب

إذا جاذبْهَُنَّ البوادي مزيَّة
٭٭ من الحسن شبهَّن البراقع بالنقب

تظلمتُ من أجفانهنَّ إلى النَّوى
٭٭ سفاها وهل يعدي البعادُ على القُرب

ولما دنا التوديع قلت لصاحبي
٭٭ حنانيك سربي عن ملاحظة السَّرب

إذا كانت الأحداق نوعاً من الظُّبا
٭٭ فلا شك أن اللحظ ضرب من الضرب

هبوني تعشقت الفراق ضلالة
٭٭ فأصبحت في شعب وقلبي في شِعْب

فمالي إذا ناديت ياصبُر منجداً
٭٭ خذلت، ولبى إن دعا حرقةً لبَّي


تقضَّى زماني بين بينٍ وهجرة
٭٭ فختامَ لا يصحو فؤاديَ مِنْ حبَّ

وأعجب ما في خمر عينيه أنها
٭٭ تضاعف سكري كلما قللَّت شربي

إذا لم يكن في الحب عندي زيادة
٭٭ تُرجَّى فما فضلُ الزيارة عن رغبَّ

فصرت إذا ما هزَّني الشوق نحوهم
٭٭ أحلت عذولي في الغرام على صحبي





2- ابن منير الطرابلسي يمدح عماد الدين في بارين :



شاعر الشام أبو الحسين، أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، صاحب ديوان مشهور وله نظم بديع وكان يلقب بمُهَذَّب الدين ويقال له : عين الزمان قال ابن عساكر : رأيته مرات، وكان رافضيّاً، خبيث الهجو والفُحش، سجنه بُورى مدة – حاكم دمشق – وهمَّ بقطع لسانه، ثم تَسَحَّبَ، فلما ولي شمس الملوك عاد إلى دمشق، فلبغ شمس الملوك عنه أمرٌ، وأراد صلبه، فاختفى، وهرب، ثم قدم في صحبة نور الدين، وتوفي في جمادي الآخر سنة ثمان وأربعين وخمس مائة بحلب وكان هو والقيسراني كفرسي رهان، ولكن القيسراني سُنيَّ دَيَّن .

ولقد صّور ابن منير في مدائحه الزنكية كفاح المسلمين البطولي ضد الغازين الصليبيين ومما قاله في موقعة بارين :

فدتك الملوك وأيّامها
٭٭ ودان لنقضك إبرامها

وزلتّ لِعَيْنِك أقّدامُها
٭٭ وزال لبطشك إقدامُها

ولو لم تُسلمَّ إليك القلوب
٭٭ هواها لما صّح إسلامها

أيا محيي العدل لَمَّا نعاه
٭٭ أيامَى البرايا وأيتامها

وُمْستقِذَ الدَّين من أُمَّةٍ
٭٭ أذال المحاريب أصنامها

دَلَفْتَ لها تقتفيك الأسود
٭٭ والبيض والسُمر آجامها

جَزَرْتَ جزيرتها بالسيوف

٭٭ حتى تشاءمها شامها

وصارت عواريَّ أكنافه
٭٭ متى شئت أرخص مُسْتامُها


تصور هذه الأبيات حب الشاعر لعماد الدين وإعجابه به وشماتته بأعدائه الصليبيين، فيفتحها بالدعاء بأن يجعل الله ملوك الصليبيين فداء لعماد الدين وبأن يديم قدرته على نقض ما يبرمون ويرجو أن تزل أقدامهم أمام ثبات أقدامه وأن يزول إقدامهم أمام بطشه ويرى أن قلوب المسلمين لا يصح إسلامها إذا لم تسلم إليه زمامها، وهو الذي أحيا العدل بعد أن بكت على فقده الأرامل والأيتام وأنقذ الدين من الصليبيين الذين أزالوا المحاريب وأقاموا مقامها الأصنام ثم يمدحه لفتحه الجزيرة بسيوفه حتى تشاءم أهل الشام وتوقعوا أن يحل بهم ما حلّ بإخوانهم أهل الجزيرة .




سادساً : الأمبراطور البيزنطي يغزو بلاد الشام :




1- ظروف قيام الحملة :


ذكر ابن الأثير أن الصليبيين بالشام عندما علموا بحصر الملك فولك في بارين أرسلوا طالبين النجدة من الإمبراطور البيزنطي والغرب الأوروبي : فدخلت القسوس والرهبان بلاد الروم والفرنج وماوالاها من بلادد النصرانية مستنصرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكي إن أخذ حصن بارين ومن فيه من الفرنج، ملك جميع بلادهم في أسرع وقت لعدم الحامي عنها، وأن المسلمين ليس لهم إلا قصد البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام مع ملك الروم ، والواقع أنه إذا كانت الأميرة الأنطاكية أليسن لم تنجح في الاتصال بعماد الدين زنكي لمساندتها في صراعها مع والدها والنبلاء الآخرين، فنجدها تلجأ إلى طريقة أخرى هي الاتصال بالأمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين تعرض عليه زواج ابنتها الأميرة كونستاس من ابنه مانويل وقد صادف هذا العرض قبولاً حسناً من قبل الأمبراطور، لأن ذلك يعني دخول أنطاكية في تبعية بيزنطية، وهي ما تسعى إليه جاهدة منُذ الحملة الصليبية الأولى، وهو الأمر الذي لا يقُّره بقية الزعماء الصليبيين لذلك سارعوا بتزويج كونستانس من ريموند دي بواتييه وقد غضب يوحنا من هذا الزواج الذي تَّم دون استشارته لأن أنطاكية تابعة له من الناحية الأسمية، وبذلك أضحى الصدام وشيكاً بين يوحنا وريموند . والحقيقة أن العداء قد اشتد بين البيزنطيين والصليبيين منُذ وصول هؤلاء إلى أطراف بلاد الشام والعراق، ورفضهم التقيد بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم للأمبراطور البيزنطي بتسليمه كافة المدن والبلدات التي كانت فيما مضى من ممتلكات الأمبراطورية البيزنطية قبل أن يفتحها المسلمون، وقد تركّز جزء كبير من العداء بين الطرفين في العلاقات بين الأمبراطورية البيزنطية وإمارة أنطاكية، لأن هذه الأمارة بالإضافة إلى إمارة الرها كانت تشكل أهمية دينية وعسكرية وتجارية في السياسية البيزنطية، وعَّدت بيزنطة هذه البلدات جزءاً من ممتلكاتها والواضح أن هذه البلاد كانت تتيح للأرمن الذين سكنوها منُذ أكثر من مائة عام، التوغل داخل الأراضي البيزنطية وتهديدها، ثم إن إقامة الصليبيين في بلاد الشام كان يعني توطيد النفوذ اللاتيني المضر بالمصالح البيزنطية، مما يعَّرض للخطر تجنيد المرتزقة الصليبيين ضمن إطار النظام العسكري البيزنطي. بالإضافة إلى ذلك، فإن مدنها الرئيسية كانت تشكل رؤوساً للجسور التجارية البالغة الحيوية في التجارية البيزنطية، فضلاً عن أنها كانت أكثر الإمارات الصليبية في بلاد الشام تطرفاً إلى جهة الشمال، مما جعل حدودها تجاور الحدود البيزنطية في كيليكية ، ويذكر أن الأمبراطور يوحنا كومنين حدَّد السياسة البيزنطية في الشرق الأدنى عند اعتلائه العرش على الشكل التالي :


* إعادة الحدود الآسيوية للأمبراطور إلى ما كانت عليه قبل الغزو السلجوقي.
* طرد سلاجقة الروم من الأناضول.
* طرد الأرمن من كيليكية.
* إجبار الصليبيين في أنطاكية على الاعتراف بسيادة الأمبراطورية.
* استعادة عدد من المواقع الإسلامية في شمالي الشام .



وحتى يؤمن مؤخرة جيشه أثناء زحفه نحو بلاد الشام، عقد يوحنا اتفاقيات أمنية مع سلاجقة الروم في الأناضول في عام 531ﻫ أما الدانشمهديون في سيواس، فقد انهمكوا في منازعات أسرية، فلم يشكلوا أي خطر جدَّي على الأمبراطورية، فأضحى بوسعه بعد ذلك، التدخل في أمور بلاد الشام وهو مطمئن .



2-السيطرة على كيليكية وأنطاكية



تقدم الأمبراطور البيزنطي من السيطرة على القلاع الأرمينية في كيليكية وتابع زحفه نحو الجنوب، فاجتاز إسكندرونة، وعبر الدروب الشامية إلى أنطاكية التي كانت الهدف الثاني لحملته بعد كيليكية، فظهر أمام أسوارها، وضرب الحصار عليها، فاضطر صاحبها، ريموند بواتيه، أمام ضخام وقوة الجيش البيزنطي من جهة، وعدم حصوله على مساعدات الصليبيين في الرها وبيت المقدس من جهة أخرى، إلى الخضوع لإرادة الأمبراطور بعد حصوله على موافقة الملك فولك وتسلمّ الأمبراطور البيزنطي المدينة، إلا أنه لم يُصر على الدخول إليها، غير أن العلم الأمبراطوري إرتفع بأعلى القلعة .




3- زحف الحملة على حلب : وجرت مباحثات بين الصليبيين والبيزنطيين أدّت إلى ما يلي :



* قيام تحالف بينهم.
* توحيد الجهود العسكرية وتوجيهها للقيام بحملة نصرانية كبرى ضد مسلمي بلاد الشام بهدف.
* تحطيم قوة عماد الدين في حلب.
* القضاء على إمارة بني منقذ في شيزر.
* إقامة إمارة صليبية تشمل الجهات الداخلية من بلاد الشام بما فيها حلب وشيزر وحماة وحمص.
* تعيين ريموند بواتييه أميراً على تلك الإمارة.
* ترك ريموند إقليم أنطاكية للأمبراطور البيزنطي.
* إنجاز هذا العمل التوسعي في الصيف القادم 1138م .



دلت المفاوضات على ما يشعر به الصليبيون من الضيق والقلق نحو الأمبراطور البيزنطي، إذ أن موافقة الملك فولك أملتها فيما يبدو، واقعية الظروف السياسية السيئة التي كان يمر بها الصليبيون حيث كان يُدرك جيداً أن عماد الدين زنكي هو العدو الأكبر للصليبيين، ولذا لم يشأ أن يقاوم القوة البيزنطية وينهكها وهي الوحيدة القادرة على وقف تقدمه، ومن جهته، فإن يوحنا كومنين كان واقعياً في تفكيره السياسي، فأدرك أن مصلحة النصارى العامة تقضي بعدم طرد الصليبيين من أنطاكية دون أن يبذل لهم تعويض، يضاف إلى ذلك، أنه أراد أن يقيم على امتداد الحدود إمارات تابعة يتحكم في سياساتها العامة، وتتحمل في الوقت نفسه صدمات، كما تجلّت أطماعه في أملاك المسلمين بالشام ويبدو أن أخبار هذا الاتفاق قد تسربت إلى أهالي حلب الذين قاموا بأعمال التحصين وحفر الخنادق، كما أن الأمير سوار قام بمهاجة الجيش البيزنطي أثناء عودته من أنطاكية إلى أرمينية لقضاء فصل الشتاء وظفر بسرية وافرة العدد من عسكره، فقتل وأسر، ودخل بهم إلى حلب ورغم ما كان يضمره يوحنا من سوء النية وما كان يبيته من هجوم على حلب في العام التالي، إلا أنه تظاهر بالود تجاه عماد الدين زنكي، فأرسل إليه رسولاً أخبره بأنه ذاهب لقتال الأرمن وأن البيزنطيين ليسوا راغبين في أن يبادروا إلى مهاجمته وهو ينوي خداعه حتى يطمئن إليه ثم ما لبث أن أصدر أوامره بالقاء القبض على جميع المسافرين القادمين من حلب والقرى المجاورة صوب الغرب، كيلا تصل أنباء تحركات قوات المتحالفين إلى زنكي ، ومن ثم تقدم الامبراطور، يصحبه أميراً الرها وأنطاكية، وبدأوا بمهاجمة حصن بزاعة القريب من حلب وتمكنوا من الاستيلاء عليه ، وقد استطاع بعض أهاليه أن يفروا إلى حلب، حيث أنذروا المسؤولين فيها عن قرب الخطر، فقام هؤلاء بتعزيز التحصينات الدفاعية، وأرسلوا إلى زنكي يطلبون نجدة مستعجلة، فأمدهم بقوة من الفرسان، كان لدخولها حلب تأثير كبير على رفع معنويات أبنائها وما أن وصل المتحالفون إلى حلب وفرضوا الحصار عليها، حتى أدركوا مدى مناعتها وقدرتها الكبيرة على المقاومة، هذا إلى أن الحلبيين أخذوا يقومون بهجمات سريعة على معسكرات الأعداء أدخلت الرعب وعدم الاستقرار في نفوسهم، فآثروا الإنسحاب، ولما علم جند الأثارب بذلك، خافوا من توجه المتحالفين إليهم، فأحرقوا خزائن القلعة وانسحبوا، وقام الامبراطور – أثر ذلك – بإرسال بعض قواته إلى هذا الموقع، فتمكنت من الاستيلاء عليه. أما هو فقد تقدم على رأس القسم الأكبر من جنده إلى معرة النعمان واستولى عليها، وتوجه من هناك إلى شيزر، وفرض الحصار عليها ساعياً بذلك إلى وضع يده على موقع هام يمنح الغزاة السيطرة على وادي نهر العاصي، ويقف سداً أمام مطامح وأهداف زنكي البعيدة في المنطقة .




4- مناصرة عماد الدين زنكي لبني منقذ في شيزر :



أبدى أهالي حلب مقاومة عنيفة للقوات الغازية فضلاً عن وصول نجدة عماد الدين زنكي مما أقنع الأمبراطور بعدم جدوى الاستمرار لحصار المدينة، فغادرها وإتجه إلى حصن الأثارب وملكوه ثم احتلوا بعد ذلك معرة النعماة وكفر طالب واتجهوا إلى شيزر كما ذكرنا وكانت حجم القوات الغازية : مائة ألف راكب ومائة ألف راجل، ومعهم من الكراع والسلاح مالا يحصيه إلا الله : وأمام هذا الخطر الكبير ما كان من حاكم شيزر أبو العساكر إلا أن يعزز من استحكامات المدينة ويطلب النجدة من عماد الدين زنكي، الذي أسرع بالقدوم إلى المنطقة ونزل حماة واتخذها قاعدة لقواته . وشرع الأمبراطور في بادئ الأمر بمهاجمة حصن الجسر، وتمكن من زحزحة المدافعين الذين انسحبوا عنه إلى داخل حصن شيزر، واتخذ الإمبراطور من ذلك الحصن الواقع على الجهة اليمنى من نهر العاصي مقراً به، ثم اندفع فرسانه إلى الجزء الذي عليه " البلد " وأظهر بنو منقذ مقاومة عنيفة في المعركة التي جرت بين الطرفين وجرح فيها أحد أمرائهم، وهو أبو المرهف نصر بن منقذ الذي توفي فيما بعد متأثراً بجروحه وتمكن عدد من المهاجمين من النفاذ إلى داخل القلعة من خلال إحدى الثغرات التي أحدثتها قذائف المنجنيقات إلاّ أن رجال بنو منقذ تصدوا لهم وأجبروهم على الإنسحاب من المدينة ولكن البيزنطيين ظلوا يحتفظون ببعض المواقع المتقدمة في ضواحي المدينة، واستمرت غاراتهم مدة عشرة أيام، ثم اقتصر القتال فيما بعد على ضرب المدينة بالمنجنيقات .



أ- توزيع القوات المهاجمة :


توزعت القوات المهاجمة في أثناء فترة القتال على النحو التالي : قوات ريموند حاكم أنطاكية الذي كان يتمركز في مسجد سمّون الذي يقع بالقرب من باب المدينة وقوات حاكم الرها جوسلين الثاني الذي اتخذ مواقعه في الساحة العامة المخصصة للصلاة أما الأمبراطور يوحنا فبعد ما عجز عن تحقيق النصر في غارته على المدينة أختار مرتفعاً مقابلاً لشيزر يعرف باسم جبل جرجيس ونصب عليه ثمانية عشر منجنيقاً وأربع لعب كانت تضرب المدينة بشكل مباشر، وتمنع المدافعين عنها من الوصول إلى النهر والتزود من مائه ، وعلى الرغم من ذلك فقد ذكر أسامة بن منقذ أن جماعة من الراجلة من أهالي شيزر خرجوا لقتال المهاجمين ولكنهم قتلوا وأسر البعض منهم ، وقد أثارت المنجنيقات التي جلبها البيزنطيون معهم الاستغراب والذعر لدى أهالي شيزر، نظراً لضخامتها ولما ألحقته من خراب ودمار بالمدينة حتى وصفها أسامة بأنها : مجانيق هائلة جاءت معهم من بلادهم ترمي الثقل وتبلغ حجرها ما تبلغه النشّابة، وترمي الحجر عشرين وخمسة وعشرين رطلاً ، ويذكر أن إحدى القذائف أصابت منزلاً لصديق له يدعى يوسف بن أبي الغريب فانقلب رأساً على عقب وإن أخرى وقعت على القاعدة الحديدية التي أثبتت عليها السارية المرفوعة في دار عمه الأمير فكسرتها على أحد المارة فقتلته .



ب- موقف عماد الدين زنكي من هذه المجابهة :



وأما عن دور زنكي في هذه المجابهة فإنه لدى سماعه استغاثة أبي العساكر هرع بقواته إلى المنطقة واختار موضعاً بين حماة وشيزر على ضفاف نهر العاصي، ولم يشأ أن يغامر بشن هجوم عام على البيزنطيين وحلفائهم نظراً لتفوقهم عليه عدة وعدداً : وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو وعساكره ويقفون بحيث يراهم الروم ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم ، ويضيف ابن القلانسي أن عماد الدين زنكي كان يحول بخيله على أطرافهم ويفتك بمن يظفر به : فضلاً عن قيامه بمساعدة بني منقذ بالرجال والسلاح، كما أنه استطاع منع وصول المؤن إلى القوات المهاجمة ، فأثّر هذا في زيادة حراجة الموقف بالنسبة لهم ويؤيد لنا هذا الرهاوي في تاريخه بقوله : وشرعت القوات تشعر بالنقص في المؤونة، لأن شعباً فقيراً كان معهم وكان عماد الدين زنكي بمهارته يمنع باحتراس وصول شيء إليهم .



* أساليب الحرب النفسية :


ولجأ عماد الدين زنكي إلى اعتماد أساليب الحرب النفسية تجاه أعدائه، فقد أرسل إلى الامبراطور البيزنطي يقول له : إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال فأنزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم بي استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها، ولم يكن له بهم قوة وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه . وعندما أشار الفرنجة على الإمبراطور بالاستجابة لمنازلة عماد الدين قال لهم : أتظنون أن معه من العساكر من ترون وله البلاد الكثيرة، وإنما هو يريكم قلة من معه لتطمعوا فيه، إنما يريد أن تلقونه فيجيئه من نجدات المسلمين مالا حد له .


* طلب النجدة من مختلف المناطق :


ومن الجدير بالذكر أن عماد الدين زنكي قد أرسل في طلب النجدة من مختلف المناطق، فأرسل إلى القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبدالله بن القاسم الشهر زوري إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه يستنجده ويطلب منه العساكر فقال القاضي لعماد الدين حين أرسله : أخاف أن تخرج البلاد من أيدينا ويجعل السلطان هذا حجة علينا وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها. فقال عماد الدين : إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام وعلى كل حال فالمسلمون أولى من الكفار بها . وهذا الموقف درس عملي من عماد الدين للقادة السياسيين والعسكريين في الولاء والبراء قال تعالى : " يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " (المائدة : 51). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله ، وكم ضاعت من بلاد المسلمين قديماً وحديثاً بسبب ضياع هذا المبدأ العقائدي المهم في حياة الأمة قال القاضي كمال الدين : فسرت طالب بغداد وجدت في السير، فلما وصلت بغداد وحضرت قدام السلطان وأديت الرسالة بإنفاذ العساكر، وأنا أخاطب ولا أزاد على الوعد شيئاً فلما رأيت قلة اهتمام السلطان بهذا الأمر العظيم أحضرت فلاناً وهو فقيه كان ينوب عني في القضاء – فقلت له : خذ هذه الدنانير وفرقها في جماعة من أوباش بغداد والأعاجم، وإذا كان يوم الجمعة وصعد الخطيب المنبر بجامع القصر قاموا وأنت معهم واستغاثوا بصوت واحد : وإسلاماه؛ ودين محمداه ويخرجون من الجامع ويقصدون دار السلطان مستغيثين ثم وضعت إنساناً آخر فعل ذلك في جامع السلطان؛ فلما كانت الجمعة وصعد الخطيب المنبر قام ذلك الفقيه وشق ثوبه وألقى عمامته عن رأسه وصاح وتبعه ذلك النفر بالصياح والبكاء، فلم يبق في الجامع إلا من قام وبكى، وبطلت الخطبة، وسار الناس كلهم إلى دار السلطان؛ وقد فعل أولئك الذين بجامع السلطان مثلهم، فاجتمع أهل بغداد وكل من بالعسكر عند دار السلطان يبكون ويصرخون ويستغيثون وخرج الأمر عن الضبط، وخاف السلطان في داره وقال ما الخبر ؟ فقيل إن الناس قد ثاروا حيث لم ترسل العساكر إلى الغزاة فقال : أحضروا القاضي ابن الشهرزوري. قال : فحضرت عنده وأنا خائف منه، إلا أنني قد عزمت على صدقه وقول الحق. فلما دخلت قال : يا قاضي ما هذه الفتنة ؟ فقلت : إن الناس قد فعلوا هذا خوفاً من الفتنة والشر ولاشك أن السطان لم يعلم كم بينه وبين العدو، وإنما بينكم نحو أسبوع، وإن أخذوا حلب انحدروا إليكم في الفرات وفي البر، وليس بينكم بلد يمنعهم عن بغداد، وعظمت الأمر عليه حتى كأنه ينظر إليه؛ فقال : فخرجت إلى العامة ومن انضم إليهم، وعرفتهم الحال وأمرتهم بالعود فعادوا وتفرقوا، وانتخبتُ من عسكره عشرة آلاف فارس من خيار العسكر، وكتبت إلى الشهيد أعرفه الخبر وأنه لم يبق غير المسير : وأجدد استئذانه في ذلك فأمرني بتسييرهم والحث على ذلك، وعبرت بالعساكر الجانب الغربي، فبينما نحن نتجهز للحركة، وإذا قد وصل نجًّاب من الشهيد يخبر بأن الروم والفرنج رحلوا عن حلب خائبين لم ينالوا منها غرضاً، ويأمرني بترك استصحاب العساكر؛ فلما خاطبت السلطان في ذلك أصّر على إنفاذ العساكر إلى الجهاد وقصد بلاد الفرنج وأخذها وكان قصده أن تطأ عساكره البلاد ويملكها، ولم أزل أتوصل مع الوزير وأكابر الدولة حتى أعدت العساكر إلى الجانب الشرقي وسرت إلى الشهيد ويتضح لنا مما تقدم مدى بعد نظر القاضي كمال الدين الشهرزوري وحكمته وفطنته لما يدور حوله، حيث استطاع أن يكشف مكنون نفس السلطان مسعود، وبحسن تصرفه في الموقفين في توفير الجيش عند الاحتياج له وصرفه عند انتفاء الحاجة إليه أنقذ عماد الدين زنكي من مأزق خطير كان من الممكن أن يقع فيه إذ وصلت عساكر السلطان إلى الشام في ذلك الوقت بعد رحيل البيزنطيين والصليبيين عن حلب ويكفي هنا أن نوضح أهمية وجود القاضي كمال الدين في دولة عماد الدين زنكي أن نذكر تعقيب ابن الأثير على ما قام به هذا الفقيه مع السلطان مسعود، إذ يقول : فانظر إلى هذا الرجل الذي هو خير من عشرة آلاف فارس، رحم الله الشهيد، فلقد كان ذا همة عالية ورغبة في الرجال ذوي الرأي والعقل، ويرغبهم ويخطبهم في البلاد ويوفر لهم العطاء إن عماد الدين زنكي، ثبت الله ملكه بالعلماء، فقد جاء إلى حكم الموصل بسبب آرائهم، وانقذه الله من إنقلاب محقق على يديهم، وأبعد الله عنه أطماع السلطان مسعود بسبب حنكة العلماء وذكائهم من أمثال القاضي كمال الدين الشهرزوري ولهذا كانت لكمال الدين مكانة خاصة عند عماد الدين زنكي، فقد قال عن جهوده وأعماله .. إن شغلاً واحداً يقوم فيه كمال الدين خير من مائة ألف دينار هذا وقد أرسل عماد الدين إلى سلاجقة الروم يشير عليهم بالاغارة على المواضع البيزنطية في آسيا الصغرى حتى ينصرف البيزنطيون عن القتال هناك ، وصدق حدس الأمبراطور عندما وردته أخبار مفادها قدوم أرسلان بن داود ومعه عساكر بلغ تعدادها عشرين ألف فارس لنجدة شيزر .



* سهام الحيلة والدهاء يطلقها عماد الدين زنكي :


أدرك زنكي كنه العلاقة بين الأمبراطور والفرنجة فلجأ إلى اعتماد أسلوب الحيلة والخداع لتعميق الخلاف بينهما فراح يراسل افرنج الشام ويحذرهم من ملك الروم، ويحملهم أنه أن ملك بالشام حصناً واحداً أخذ البلاد التي بأيديهم منهم، وكان يراسل ملك الروم يتهدده ويوهمه بأن الفرنج معه. فسادت الشكوك بين الطرفين المسيحيين سيما وأن أميري الرها وأنطاكية لم يسعيا إلى التعاون الجاد مع الإمبراطور، فضلاً عن اشتداد المنافسة بينهم، وتخوف ريموند من انتصار الروم، وبالتالي تنفيذ الاتفاقية التي وقعها معهم، والتي تجعله يقف وجهاً لوجه أمام قوات المسلمين بعيداً عن أنطاكية ولم يرغب أمير الرها – هو الآخر – في أن يكون منافسه ريموند قريباً منه في حلب، في حالة انتصار المتحالفين وتنفيذ بنود الاتفاقية المعقودة بينهم، وقد عرقلت هذه العوامل جميعاً توحيد الجهود لفتح شيزر . ووردت أنباء إلى أن أمير حصن كيفا الأرتقي أرسل ابنه على رأس جيش كبير من التركمان وأن قوات دمشق تحركت لمساعدة زنكي .



ج- فك الحصار عن شيزر :


إزاء هذا وذاك رأى الإمبراطور أن الإنسحاب أصبح أمراً محتماً فانهى حصاره لشيزر في التاسع من رمضان (532ﻫ)، بعد أن عرض عليه أميرها مبلغاً من المال .وقال له : أيها الملك أن الفرنج خدعوك إذ دفعوك إلى محاصرة هذا الموضع، بينما نحن لم نسيء إلى أحد قط ولم نضايق المسيحيين، فأستجاب الإمبراطور بسبب الضغوط الخارجة عن يده وأعلن الإنسحاب وبادر بنو منقذ بإرسال هدايا إليه قوامها آنيه كنيسة من الذهب والفضة وصلبان من الذهب مرصعة بالياقوت، وهي بقايا الغنائم التي حصل عليها آباؤهم في أثناء مشاركتهم في معركة ملاذكرد ، وقاد يوحنا كومنين الأمبراطور البيزنطي القوات المسيحية في طريق العودة إلى أنطاكية وحينئذ إنقضى عماد الدين زنكي على آلاتهم الحربية الثقيلة ومجانيقهم العظام فاستولى عليها ورفعها إلى قلعة حلب ، كما أرسل بعض جنده في آثار قوات العدو المنسحب، فقتلوا وأسروا عدداً كبيراً منهم ، وفي أنطاكية حدث خلاف جديد بين الإمبراطور والصليبيين، كاد أن ينتهي بفتنة واسعة بين الطرفين لولا إسراع كومنين بالرجوع إلى بلاده .



د- أسباب فشل الحملة : يمكن تحديدها فيما يلي :



* عدم قيام الصليبيين بواجباتهم العسكرية وانصرافهم عن مساندة الإمبراطور .

* اشتداد المنافسة بين كل من ريموند بواتييه وجوسلين الثاني، فخشي الأول أنه إذا سقطت شيزر بيد النصارى سُيجبر على أن يقيم بها، وفقاً للاتفاقية المُبرمة بين الحلفاء وهي تقع على الخط الأمامي للممتلكات النصرانية المواجهة للمسلمين وسيبتعد نتيجة ذلك عن أنطاكية ومباهجها. أما جوسلين الثاني يكنُّ في قرارة نفسه الكراهية لريموند يواتييه، فإنه لم يود أن يراه مستقراً في شيزار، وفي حلب فيما بعد، فحاول الإيقاع بينه وبين الأمبراطور، ونجح في ذلك.

* انتهز مسعود سلطان سلاجقة الروم فرصة تواجد الأمبراطور يوحنا بعيداً عن الأمبراطورية، وإنشغاله بأمر الصليبيين وعماد الدين زنكي فقام بمهاجمة مدينة أذنة، ولا شك بأن مثل هذه الأنباء قد أزعجت الأمبراطور لأنه خرج بجيشه من أجل العمل على ضَّم أنطاكية إلى أملاك بيزنطية، لا من أجل فقدان بعض أملاك الأمبراطورية، مما حمله على فك الحصار وشرع في العودة إلى بلاده لحمايتها من السلاجقة .

* اتبع عماد الدين زنكي خطة عسكرية ذكية يمكن أن نطلق عليها الحرب النفسية إذا جازت هذه التسمية في ذلك الوقت. ذلك أنه راسل المتحالفين وهم في مواقعهم الحصينة عند مدينة شيزر يقوللهم : إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال فاخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرتم أخذتم شيزر، وإن ظفرنا بكم أرحت المسلمين من شركم وكادت الخطة تنجح حين أشار الصليبيون على الأمبراطور بالنزول إليه وقتاله ولكن يوحنا خشي مغبَّة ذلك وأجاب : أتظنون أنه ليس من العسكر إلا ما ترون ؟ وإنما يريد أنكم تلقونه فيجيء إليه من نجدات المسلمين مالا حّدله عليه وفي نفس الوقت كان يراسل صليبي الشام يحَّذرهم من أمبراطور الروم ويعلمهم أنه إذا استولى على حصن واحد في الشام أخذ البلاد التي بأيديهم منهم، ويرسل من جهة أخرى إلى الأمبراطور يخَّوفه من أن الصليبيين في بلاد الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه لتخلوا عنه، فاستنفر كل طرف من الطرف الآخر وسادت الشكوك بينهما، وكان قد بلغ الأمبراطور أن قرا أرسلان بن داوود الأرتقي قد عبر الفرات في جموع عظيمة في طريقه إلى شيزر، مما كان له دافعاً له على فك الحصار عدم قيام الصليبيين بواجباتهم العسكرية وانصرافهم عن مساندة الإمبراطور .





5- النتائج التي أسفرت عن فشل حملة المسيحيين :



إن أهم النتائج التي أسفرت عن فشل حملة المسيحيين هذه، هي تدهور العلاقات بين البيزنطيين والصليبيين، وعدم استطاعتهم القيام بعمل سريع ضد نشاط زنكي في المنطقة في السنين التالية وفي الأيام التي أعقبت إنسحاب المتحالفين، استطاع صلاح الدين الياغسياني حاجب زنكي، أن يستولي على كفرطاب بعد أن بلغه هروب الصليبيين منها . كما سار زنكي إلى حصن عرقة، فحاصره وفتحه عنوة، وأسر من فيه من الصليبيين، ثم أمر بتخريبه . وما لبث أن اتجه في مطلع العام التالي 533ﻫ إلى حصن بزاعة، فاجتاحه عنوة وقتل معظم من فيه من قوات الصليبيين والروم، ثم حاصر الأثارب، وتمكن من فتحها – في صفر – وقفل عائداً إلى الموصل وأنهمك زنكي، في الفترة التالية، بالعمل على اتمام خطته بتوحيد الجبهة الإسلامية، كي يكون أكثر قدرة على مجابهة الصليبيين وقام عام 533ﻫ بعد مناورات وعمليات عسكرية وسياسية، في بعض جهات الجزيرة مستهدفاً ضمهاً لإمارته ، ثم عاد ليستأنف السعي من أجل تحقيق هدفه القديم بالاستيلاء على دمشق وتوحيد الجبهة الشامية، فاتجه إليها في أواخر العام نفسه، وفرض حصاراً شديداً عليها كاد أن يسقطها في يديه، لولا استنجاد أمرائها بصليبي بيت المقدس، واستجابة هؤلاء لهم، رغبة منهم في القضاء على الخطر المشترك الذي يمثله وجود زنكي في المنطقة، الأمر الذي اضطر الأخير إلى الإنسحاب ، وفي عام 538ﻫ اتيح لزنكي استغلال مركزه القوى في ديار بكر ، والقيام بفتح عدد من المواقع والحصون الصليبية العائدة لإمارة الرها الصليبية، والمنتشرة في المناطق القريبة من ماردين، كجملين والموزر ، وتل موزن، وغيرها من حصون إقليم شيختان , وكان هدفه من وراء ذلك قطع الاتصال بين قرا أرسلان الأرتقي، أمير حصن كيفا. وبين جوسلين أمير الرها، وبسبب تحالفهما ضده وبذلك تمهد الطريق أمامه لإنزال ضربته المباشرة بالرها نفسها وتحقيق حلمه الذي طالما راود خياله عبر سني صراعه الطويل ضد الصليبيين .


- مبالغات عند الكتّاب الأوروبيين متعلقة بشيزر :


عند الحديث عن حقيقة إنسحاب الأمبراطور عن شيزر يلاحظ عنصر المبالغة الذي اتسمت به الكتابات الأوروبية وإنساق وراءها مؤرخينا المحدثين مفيدة أن بني منقذ أعلنوا عند مفاوضاتهم مع الأمبراطور عن قبولهم بالتبعية والسيادة له، ويبدو أن هذه الكتابات اعتمدت على بعض الروايات البيزنطية التي أرادت أن تغطي للفشل الذريع الذي واجهه الأمبراطور عند أسوار شيزر. والذي يثبت عدم صحتها – كما نرى – هو أن الأمبراطور ليكن في وضع يسمح له بأن يملئ شروطه على بني منقذ للأسباب الآنفة الذكر، حتى أنه لم يمتلك الوقت عند إنسحابه لحمل معداته الحربية أو تدميرها فتركها في إماكنها، فأمر زنكي بحملها إلى حلب، يضاف إلى هذا عجز قواته عن صد الهجمات التي كانت تتعرض لها قواته من قبل زنكي بعد إنسحابه عن شيزر ، علاوة على أن المصادر العربية والسريانية التي عاصرت تلك الحملة لم تتطرق إلى هذه المسألة .



- من عجيب ما يحكى :


أن ملك الروم لما عزم على حصر شيزر سمع من بها ذلك، فقال الأمير مرشد بن علي صاحبها وهو ينسخ مصحفاً : اللهم بحق من أنزلته عليه إن قضيت بمجئ ملك الروم فاقبضني إليك فتوفي بعد أيام .



- ابن قسيم الحموي يمدح عماد الدين زنكي :


ولد شرف الدين أبو المجد، مسلم بن الخضر بن مسلم بن قسيم التنوخي الحموي أوائل القرن السادس الهجري بحماة 500ﻫ وهو أحد شعراء العصر الزنكي الثلاثة المشهورين بعد ابن القيسراني وابن منير، نبغ في عصر شيخوختهما وبلغ إلى درجتهما وأحرز ابن قسيم أول نصر أدبي له عام 532ﻫ وكان ذلك في الثلاثينات من عمره عندما هرع عماد الدين للدفاع عن المسلمين ضد الأطماع الصليبية في شيزر، وقد خلد الشعراء هذا الحادث الكبير وكانت قصيدة ابن قسيم الوحيدة التي اقتبسها المؤرخون في كتبهم دون سائر القصائد الأخرى، وهي لأعلام شعراء عصر عماد الدين زنكي ومما قاله من الشعر :

بعزمك أيها الملك العظيمُ
٭٭ تَذِلُّ لك الصَّعاب وتستقيمُ

ألم تر أن كلب الرُّوم لمَّا
٭٭ تبَّينَ أنه الملك الرحيمُ

فجاء يطَّبق الفلوات خيلاً
٭٭ كأن الجّحْفَل اللَّيْلُ البهيمُ

وقد نزل الزمان على رضاه
٭٭ فكان لِخَطبِه الخَطْبُ الجسيمُ

فحين رَمَيْتَه بك في خميس
٭٭ تيقَّن أن ذلك لا يدوم

وأبصر في المفاضة منك جيشاً
٭٭ فأحرن لا يسير ولا يقيم

كأنك في العجاج شهاب نور
٭٭ توقَّدَ وهو شيطان رحيم

أراد بقاء مهجته فولَّى
٭٭ وليس سوى الِحمام له حميمُ



يؤمَّلُ أن تجود بها عليه
٭٭ وأنت بها وبالدنيا كريم

أَيلتمس الفرنجُ لديك عفواً
٭٭ وأنت بقطع دابرها زعيم

وكم جَرَّعْتَها غُصَصَ المنايا
٭٭ بيوم فيه يَكْتَهِلُ الفَطيمُ

ولمَّا أنْ طلبتُهُم تمنَّى
٭ ٭٭ المنية جُوسلينَهُمُ اللئيم

أقام يطَّوف الآفاق حيناً
٭٭ وأنت على معاقله مقيُم

فسار وما يعادله مليك
٭٭ وعاد وما يعادله سقيم

إذا خطرت سيوفك في نفوس
٭٭ فأوّل ما تفارقها الجسوم








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-11-2008, 02:41 PM   رقم المشاركة : 13
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

اللقاء الأخير من سيرة عماد الين زنكى



سابعاً : فتح الرها :


كانت إمارة الرها الصليبية أولى الإمارات التي تأسست في الشرق الإسلامي سنة 491ﻫ / 1097م بزعامة بلدوين الأول الذي استمر في حكم هذه الإمارة حتى سنة 494ﻫ/1100م حين انتقل إلى حكم بيت المقدس عقب وفاة جورفرى ملك بيت المقدس وقد تميزت الرها عن بقية الإمارات الصليبية بموقعها في الحوض الأوسط لنهر الفرات حيث تحملت عبء الدفاع عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام، وذلك لقربها من الخلافة العباسية ثم لوقوفها في وجه التركمان الذين كانت تعج بهم منطقة الجزيرة عقب التفكك الذي أصاب السلاجقة في بلاد الشام والعراق عقب وفاة السلطان ملكشاه 485 ﻫ /1092م ، ولم تقتصر أهمية الرها على موقعها الاستراتجي وكونها خط الدفاع الأول عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام بل إنها شكلت خطراً أساسياً على خطوط المواصلات الإسلامية بين الشام وآسيا الصغرى والعراق ومنطقة الجزيرة . ومما يوضح ذلك أن الحملة التي قام بها كربوقا صاحب الموصل سنة 491ﻫ/ 1098م نجدة للمسلمين بأنطاكية قد تعطلت بعض الوقت حول الرها في محاولة لانتزاعها من بلدوين الأول وعلى الرغم من أن الرها لم تقع في نطاق الأراضي المقدسة في فلسطين فقد عدها الصليبيون من أشرف المدن عندهم بعد بيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينية، وفيرة الثروات ساعدت أمراء الرها على توسيع رقعتهم فامتدت إمارة الرها الواقعة على ضفتي نهر الفرات من راوندان وعين ثاب غرباً إلى مشارق ومن بهنسي وكيسوم شمالاً إلى منبج جنوباً واكتسبت الرها أهمية بما تهيأ لها من حكام اتصفوا بالقوة والشجاع استطاعت الصمود في وجه المقاومة الإسلامية، على الرغم من أن الرها كانت تعاني من نقطتي ضعف واضحتين أحدهما الحدود الطبيعية إذ لا توجد لها موانع طبيعية تحميها وتكسبها وقاية ومناعة وثانيها عدم وجود تجانس بين سكانها إذ كانوا خليطاً من المسيحيين الشرقيين " السريان والأرمن اليعاقبة " ومن الصليبيين الغربيين، فضلاً عن المسلمين الذين تركزوا من مدن بكاملها كسروج والبيرة التي خضعت للصليبيين ولم تقتصر أهمية الرها على الجانب الصليبي، بل كانت في نظر المسلمين من أهم المواقع التي يجب السيطرة عليها، فقد ذكر ابن الأثير مكانتها في بلاد الجزيرة بسبب موقعها بين الموصل وحلب، أي بينها قاعدة عما في شمال العراق وقاعدتها في الشمال، ولهذا ووصفها بإنها من الديار الجزرية عينها ومن البلاد الإسلامية حضها مما جعل القوى الإسلامية سواء في العراق أو الشام أو الجزيرة ترغب في السيطرة عليها .



1- أوضاع إمارة الرها الداخلية :


كانت ظروف الرها الداخلية مؤاتية لعماد الدين زنكي، إذ اتصف أميرها جوسلين الثاني بضعف الشخصيةوإنسياقه وراء العواطف والأهواء وعدم امتلاكه مقدرة سياسية، وبعد نظر، والواقع أن جوسلين الثاني تأثر في نشأته بالميول الأرمينية بفعل أن والدته كانت منهم، فترعرع وفي نفسه ميل إلى الأرمن وغيرهم من السكان الأصليين من الطوائف النصرانية الشرقية وفضَّلهم على النصارى الغربيين الأمر الذي أثار الفرسان الصليبيين وأوجد نوعاً من عدم الاستقرار داخل الإمارة وعُرف عن صاحب الرها أنه كان من عدم الاستقرار داخل الإمارة وعُرف عن صاحب الرها أنه كان من ذلك النوع الذي يؤثر الراحة والعافية، حتى أنه في الوقت الذي هاجم فيه عماد الدين زنكي إمارته، اختار أن يترك مدينته ليقيم في تل باشر عن الضفة الغربية للفرات، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المسلمين أحاطوا بهذه الإمارة من كل جانب، وفصلها نهر الفرات عن بقية الممتلكات الصليبية في بلاد الشام؛ لاستطعنا أن نكَّون فكرة عامة عن العوامل التي ساعدت على سقوطها والجدير ذكره أن هذه شَّكلت خطراً كبيراً على المواصلات الإسلامية بين حلب والموصل وبغداد وسلاجقة الروم في آسيا الصغرى، كما كانت عائقاً حال دون قيام الوحدة الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة بسبب تدخلها المستمر لصالح خصوم عماد الدين زنكي من الأمراء المسلمين في المنطقة ، فكان فتحها ضرورة سياسية وعسكرية واقتصادية ودينية.




2- عمليات الفتح :


استغل عماد الدين زنكي الظروف السابق ذكرها وسعى إلى تدبير خدعة تتيح له تحقيق هدفه من أقصر طريق. وكان يعلم أنه لن يستطيع أن ينال غرضه من الرها ما دام جوسلين وقواته موجودين بها، وهكذا انصب اهتمامه على إيجاد وسيلة تدفع غريمه إلى مغادرة مقر إمارته، فاتجه إلى آمد، وأظهر أنه يعتزم حصارها، وأنها هدفه دون غيرها، وبث عيونه – في الوقت نفسه – في منطقة الرها ليطلعوه – أولاً بأول – على تحركات أميرها الذي ما أن رأى إنهماك زنكي بحروبه في ديار بكر وعدم تفرغه للهجوم على المواقع الصليبية، حتى غادر مقر إمارته على رأس قواته ، بعد أن اتخذ إجراءاً احتياطياً بأن عقد هدنة مع فرار أرسلان صاحب حصن كيفا الذي كان قد التجأ إليه بعد تهديد زنكي لإمارته ، ومن ثم اتجه إلى تل باشر الواقعة على الضفة الغربية للفرات، كي يتخلص هناك، من كل مسؤولية، ويتفرغ لملذاته، تاركاً حماية الرها لأهاليها من الأرمن والسريان والنساطرة واليعاقبة، وكان معظمهم من التجار الذين لا خبرة لهم بشؤون الحرب والقتال بينما تولى الجند المرتزقة مهمة الدفاع عن القلعة ، وجاءت عيون عماد زنكي لتطلعة على النبأ الذي كان يتحرق إليه فأسرع بالتوجه إلى الرها مستعيناً على السرعة بركوب النجائب الإبل مستنفراً كل قادر على حمل السلاح من مسلمي المنطقة للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وما لبث أن انهالت عليه جموع المتطوعين، فطوق بهم الرها من جهاتها الأربع. وحاول في البدء أن يتوسل بالطرق السلمية علها تحقق هدفه دون اضطرار إلى رفع السيف، مراسل أهالي الرها باذلاً لهم الأمان، طالباً منهم أن يفتحوا له الأبواب قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى تدمير أسوار بلدهم وإخلاء دياره، إلا أنهم أبوا قبول الأمان . وحينئذا اشتد زنكي في التضييق على الحصن، مستخدماً آلات الحصار الضخمة التي جلبها معه لتدمير أسواره، أن تتاح الفرصة لتجمع الصليبيين والتقدم لإنقاذ هذا الموقع الخطير، وأرسل جوسلين لدى سماعه نبأ الهجوم – في طلب نجدة مستعجلة من كافة الإمارات الصليبية في الشام، فلم يستجب له سوى (ميلزاند) الوصية على بيت المقدس، التي وصلت نجدتها بعد فوات الأوان ، كما أنه قام بمحاولة للدخول إلى المدينة، أو إرسال نجدة لتعزيز دفاعها فحيل بينه وبين ذلك وفي السادس والعشرين من جمادى الآخرة 539ﻫ وبعد مرور ثمان وعشرين يوماً على بدء الحصار إنهارت بعض أجزاء الحصن، أثر الضرب المركز الشديد الذي تعرضت له، فاجتاحت قوات المسلمين المدينة ، ثم ما لبثت القلعة أن استسلمت بعد يومين، وقام القس اليعقوبي برصوما بإجراءات تسليم الرها لزنكي .




3- سياسة عماد الدين زنكي في الرها :


رأى عماد الدين زنكي، بعد أن فتح الرها، أن ذلك البلد لا يجوز في السياسة تخريب مثله وأصدر أوامره إلى جنده بإيقاف أعمال القتل والأسر والسلب، وإعادة ما استولوا عليه من سبي وغنائم، فاعيدوا ولم يفقد إلا الشاذ النادر، وأعقب ذلك بإصدار أمر آخر بالإسراع في تنظيم ما اضطرب من أمور الرها، وتعمير ما تهدم خلال أسابيع طويلة من القتال ورتّب من رآه أهلاً لتدبير أمرها وحفظها والاجتهاد في مصالحها، ووعد أهلها با جمال السيرة وبسط العدالة مستهدفاً من وراء ذلك استمالة سكانها الأصليين من المسيحيين الشرقيين ضد الصليبيين الكاثوليك، الأمر الذي يؤكده قيامه بتدمير عدد من الكنائس الكاثوليكية، واحتفاظه بكنائس الشرقيين .



4- العوامل التي ساعدت عماد الدين على استعادة الرها :



هناك العديد من العوامل التي ساعدت عماد الدين على تحرير الرها منها :


* تنامي حركة الجهاد الإسلامية حتى عصره وحصاد تجربة المسلمين في ذلك المجال، فلا ريب في أن التجارب السابقة أثبتت أن إمارة الرها مرشحة أكثر من غيرها لكي تكون أولى الإمارات الصليبية المعرضة للسقوط في أيدي قادة الجهاد الإسلامي حينذاك، وقد اجهدها أمر الإغارات المستمر من جانب أتابكة الموصل على نحو خاص طوال ما يزيد على أربعة عقود من الزمان على نحو مثل موتاً بطيئاً لها إلى أن تم الإجهاز عليها في العام المذكور.

* ويضاف إلى ذلك براعة عماد الدين زنكي العسكرية الذي فأجا تلك الإمارة الصليبية بالهجوم، بعد أن أطمأن الصليبيون إليه وتصوروا أنه لن يهاجم فاستغل فرصة غياب أميرها جوسلين الثاني عنها ووجه لها ضربته القاضية التي انتهت بإسقاطها، وهكذا أثبت ذلك القائد المسلم الكبير أنه اختار التوقيت الملائم لذلك العمل العسكري العظيم.
٭زد على ذلك : أن الخلاف الواقع بين إمارتي الرها وأنطاكية أثر بدوره على إمارة الرها، وأدى إلى إجهادها واستهلاكها سياسياً وعسكرياً ، على نحو أثبت أن الخلافات التي كانت تحدث بين القيادات الصليبية أثرت بدورها على كياناتهم السياسية وها هي – لحسن
الحظ – إمارة الرها تدفع الثمن بأن سقطت في قبضة من استحقها من قادة الجهاد الإسلامي في ذلك الحين.
* ولا نغفل – من ناحية أخرى شخصية أمير الرها جوسلين الثاني الذي لم يكن على نفسه القدر من الكفاءة السياسية والعسكرية التي اتصف بها والده جوسلين الأول، وكان أميل إلى حياة الخلاعة والمجون والسعي الحثيث إلى الملذات، بل إن كثيراً ما غادر مدينة الرها ذاتها واتجه إلى تل باثر من أجل أن يجد هناك ما يبحث عنه من صور الفساد ولذلك أدرك فيه المسلمون تلك الزاوية فأحسن قائدهم الإفادة منها وهاجم الرها وقت أن غاب عنها جوسلين الثاني، فأصابها في مقتل .
* ويبدو أن الجيل الصليبي الذي حل بعد الجيل الأول الذي أسس الكيان الصليبي وحافظ عليه، لم يكن قادراً على الحفاظ على ما شيده السابقون بل لم يكن يدرك أهمية دوره التاريخي في ذلك الموقع الشديد الحساسية الذي أحاطه المسلمون من كل جانب، وهكذا شارك جوسلين الثاني – دون أن يدري – في إنجاح حركة الجهاد الإسلامية حينذاك بقيادة قائدها الكبير عماد الدين زنكي .
* وعلى أية حال : من الممكن أن من المؤرخين الغربيين من حاول إظهار عوامل الضعف الداخلي في إمارة الرها، وجعل تلك العوامل وحدها هي التي أدت إلى اسقاطها، وهدف من وراء ذلك إضعاف فعاليات المسلمين السياسية والحربية، غير أن المنطق التاريخي يدعونا إلى تصور أن العوامل الداخلية والخارجية تعاونت معاً من أجل صنع انتصار عام 539ﻫ/1144م ومهما كان أن شأن عوامل " النحر والانتحار" الداخلية ونتائجها في الرها فإنها ما كانت لتسقط دون الفعاليات العسكرية لقائد موهوب مثل عماد الدين زنكي، وجنوده من خلفه .




5- موقف الفقيه موسى الأرمني في فتح الرها وماذا جرى في صقلية :


ورويا لعماد الدين بعد موته :



أ- موقف الفقيه موسى الأرمني في فتح الرها :



كان للفقيه المؤذن موسى الأرمني المدرس بإحدى مدارس الموصل موقف مشكور في فتح الرها حيث استخدم أسلوب الحرب النفسية في حملة عماد الدين زنكي على الرها عام 539ﻫ / 1145م فقد نزل الفقيه محاصراً ومقاتلاً، فخطرت بذهنه خطة ذكية أثناء حصار عماد الدين للرها، فقد نزل السوق، واشترى ملابس الأرمن، لكي يدخل بها إلى المدينة حتى لا يعرفه الصليبيون، ويشكون في أمره : فقال فنزلت السوق، واشتريت لباساً من لباس الأرمن، وتزينت في زيهم ووصلت إلى البلد لأنظره وأكشف حاله، فجئت إلى الجامع فدخلت ورأيت المنارة فقلت في نفسي أصعد إلى المنارة، وأوذن حتى يجري ما جرى، فصعدت وناديت الله أكبر الله أكبر، وأذنت، والكفار على الأسوار، فوقع الصياح في البلد أن المسلمين قد هجموا البلد من الجهة الأخرى، فترك الكفار القتال ونزلوا على السور، فصعد المسلمون وهاجموا المدينة .



ب- ملك جزيرة صقلية :


كان ملك جزيرة صقيلة من الفرنج لما فتحت الرُّها، وكان بها بعض الصالحين من المغاربة المسلمين، وكان الملك يُحضره ويكرمه ويرجع إلى قوله، ويقّدمه على من عنده من الرهبان والقسيسين، فلما كان الوقت الذي فتحت فيه الرُّها سير هذا ملك الإفرج جيشاً في البحر إلى إفريقية فنهبوا وأغاروا وأسروا، وجاءت الأخبار إلى الملك وهو جالس وعنده هذا العالم المغربي، وقد نعس وهو شبيه النائم فأيقظه الملك وقال : يا فقيه، قد فعل أصحابنا بالمسلمين كيت وكيت، أين كان محمد عن نصرهم ؟ فقال له : كان قد حضر فتح الرها - أي اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم – فتضاحك من عنده من الفرنج، فقال لهم الملك : لا تضحكوا، فوالله ما قال عن غير علم واشتد هذا على الملك، فلم يمض غيُر قليل حتى أتاهم الخبر بفتحها على المسلمين، فأنساهم شدة هذا الوهن رخاءَ ذلك الخبر؛ لعلَّو منزله الرّها عند النَّصرانية .




ج- رويا للشهيد بعد قتله :


ويحكى أن رجلاً من الصالحين قال : رأيت الشهيد بعد قتله في المنام في أحسن حال، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي. قلت : بماذا ؟ قال : بفتح الرها .




س- مؤامرة فاشلة من سكان الرها :


ما لبث سكان الرها من الأرمن أن دبروا – في العام التالي – مؤامرة استهدفت الفتك بالمسلمين وإعادة المدينة إلى السيطرة الصليبية بعد القيام باستدعاء جوسلين، إلا أن زنكي سرعان ما تمكن من كشف هذه المحاولة الخطيرة، والقبض على مُدبريها وإعدامهم، ثم أعقب ذلك بنفي عدد من الأرمن كيلا يتاح لهم مرة أخرى أن يسعوا إلى طعن المسلمين من الخلف، وتسليم أهم مواقعهم لقمة سائغة للغزاة الصليبيين .




6- نتائج فتح الرها :


حقق عماد الدين زنكي يفتح الرها أهم إنجازاته التي قام بها ضد الصليبيين طوال مدة حكمه، وكانت لهذا النصر نتائج هامة في العالمين الإسلامي والنصراني ومن أهم تلك النتائج على الإجمال :



أ- تأكد للمسلمين أن حركة الجهاد الإسلامية وصلت سن الرشد وتجاوزت المراهقة السياسية والعسكرية دون أن يكون ذلك إجحاف بإنجازات القادة السابقين على زنكي لاسيما مودود – وإذا كانت أولى الإمارات الصليبية تهاوت تحت أيديهم، فإنها البداية، واليوم أسقاط الرها وغداً إسقاط باقي الكيان الغازي الدخيل، وهذا ما حدث فعلاً، ومن الآن فصاعداً لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، بل التقدم إلى الأمام بكل ثقة، وإباء، وإنجاز.

ب- تأكد منطق التاريخ من أن مثل تلك الكيانات الصليبية الغير شرعية لن تستمر على الأرض المسلمة، لأن أبناء المنطقة أصحاب الهوية الدينية الموحدة لن يقبلوا بذلك الوضع السياسي والعسكري الدخيل وبالتالي عاد التجانس لمنطقة شمال العراق، ولم تعد الرها تمثل دور الفصل والكيان الصليبي الحاجز المانع من الاتصال بين كل من سلاجقة آسيا الصغرى، وسلاجقة العراق، وكذلك بلاد فارس .

ج- زاد الضغط على النطاق الصليبي الذي اتخذ شكلاً طولياً من أنطاكية في الشمال إلى أيلات (الرشراش) جنوباً ومن نهر الأردن شرقاً إلى الساحل الشامي – باستثناء عسقلان، إذ أن صور سقطت بالفعل عام 1124م/518ﻫ/ بما اشتمله من إمارة طرابلس، ومملكة بيت المقدس الصليبية، فالمؤكد أن رأس الحربة الصليبية في الرها سقطت إلى غير رجعة، والآن أصبح ذراعها قائماً في باقي الكيان الصليبي، ولذلك ازداد الضغط العسكري عليه من قبل القوى الإسلامية التي سيطرت على الظهير الشامي الموازي للساحل والسهل الساحلي، وكأن المعركة صارت – على المستوى الجغرافي – معركة بين الساحل والظهير، واعتمد الأول على الدعم الخارجي الأوروبي في الأساس، واعتمد الثاني على إمكاناته المحلية الوافرة التي تزايد شأنها مع ظهور قادة الوحدة بين المسلمين.

د- أدى إسقاط الرها بمثل هذه الصورة إلى تحرك الحلف الدفاعي الاستراتيجي القائم بين الكيان الصليبي في الشرق، والرحم الأمم في الغرب الأوروبي، فلم يكن ذلك الغرب ليسمح لامتداده السياسي والتاريخي في الشرق أن ينهار قطعة قطعة، بل لابد من التدخل من أجل إعادة الأمور إلى نصابها وإجهاز فعاليات إمارة الموصل، ومن ثم كان قيام صليبية 1147 – 1149/542ﻫ - 544ﻫ التي اشتهرت بالصليبية الثانية، وهي من النتائج المباشرة لإسقاط الرها وهو أمر يوضح لنا بجلاء كيف أن قادة الجهاد الإسلامية حاربوا قوى عالمية، ولم تكن مجرد قوى محلية محدودة التأثير والفعالية، وأنهم بالفعل كانوا جزءاً من صراع قاري أو عالمي على نحو يجعل لهم مكانة بارزة في تاريخ المسلمين – عامة – في عهد الحروب الصليبية.

ﻫ- ومن النتائج العديدة التي نتجت عن ذلك الإنجاز، إرتفاع شأن عماد الدين زنكي إلى حد بعيد، فبعد أن كان مجرد حاكم محلي محدود النطاق والفعالية، تردد اسمه سريعاً في الحوليات اللاتينية والسريانية ليعكس أنه أحدث تأثيراً كبيراً في مجرى أحداث الشرق اللاتيني، وبصورة غير مسبوقة، أما بالنسبة للمسلمين، فقد احتل مكانة بارزة ،فقد عزّز فتح الرها مركز عماد الدين تجاه السلطان السلجوقي مسعود والخليفة العباسي المقتفي لأمر الله الذي أنعم عليه بعدد كبير من الألقاب التي حازها عن جدارة، كالأمير المظفر، ركن الإسلام، عمدة السلاطين، زعيم جيوش المسلمين، ملك الأمراء أمير العراقين والشام وجعل هذا النصر عماد الدين زنكي المدافع الأول عن الدين، والمجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله، ودارت في المحافل الإسلامية، أحاديث تمحورت حول شخصه، تصور لنا مدى التقدير، والإعجاب اللذين نالهما إثر تحقيقه هذا النصر الكبير، ومهد هذا الفتح الطريق أمام عماد الدين زنكي لاستكمال فتح الحصون المجاورة، وفرض سيطرته التامة على أملاك أعدائه في المنطقة، وأدَّى فتح الرها دوراً كبيراً في إنقاذ إمارة عماد الدين زنكي من خطر استمرار الغارات الصليبية عليها، فأصبح أهلها بعد الخوف آمنين وهذا إنشاء الله من عاجل بشرى المؤمن.





7- رأى المستشرق جون لامونت في عماد الدين :



يعد المستشرق جون لامونت من أبرز المؤرخين الأمريكيين خلال النصف الأول من القرن الماضي، وتعددت مؤلفاته في مجال الصليبيات، ولاسيما دراسته الوافية عن الملكية الإقطاعية في مملكة بيت المقدس، غير أن له دراسة أخرى عنوانها الحرب الصليبية والجهاد ضمن كتاب التراث الإسلامي الذي نشره نبيه فارس وفي هذه الدراسة؛ اتجه لامونت إلى تفنيده فكرة الجهاد عند المسلمين حينذاك، وتصور تحرك قادة الجهاد الإسلامي حينذاك على أنه من خلال الدوافع السياسية والاقتصادية فقط وذكر بأن عماد الدين زنكي لا يعتبر بأي حال من الأحوال بطل الجهاد، فإن عماد الدين وإن كان يطمع في استرجاع الرها منُذ وقت طويل كما يقول كمال الدين بن العديم، لم يقم بهذا العمل بوضوح إلا متأخراً، وإلا بعد ، حثه على ذلك أمير حران جمال الدين أبو المعالي فضل الله بن ماهان الذي بين له سهولة احتلال المدينة ، ويستمر في تصوره قائلاً : الظاهر أنه هو نفسه كان يعتبر احتلال الرها خروجاً عن سياسته وعملاً قام به بناء على تحريض الآخرين وذكر أيضاً : أن استيلاء زنكي على حماه، وحمص، وحلب وحروبه ضد الأرتقيين أعظم أهمية عنده من حرب النصارى، وما كان ليكره التحالف مع اللاتين إذا رئ ذلك مصلحته . ومن الممكن تفنيد تلك الآراء على النحو التالي :


* كان اتجاه عماد الدين زنكي لمهاجمة الرها متأخراً وذلك أمر لا يقلل البتة من دوره الجهادي خاصة أنه كان يرى أن يستهلك طاقات تلك الإمارة الصليبية في صراعاته وحروبه معها ضد حصونها ومعاقلها، ثم يتجه بعد ذلك إلى مهاجمة الإمارة نفسها بعد أن يتمكن من سبر غور دفاعاتها، ومعرفة نقاط الضعف فيها، وكذلك نقاط القوة، ومن ناحية أخرى من الطبيعي تصور أن نصيحة أمير حران لزنكي بإسقاط الرها لم تكن لتغير من الموقف شيئاً لو لم يكن زنكي قد خطط مسبقاً لذلك، بل أغلب الظن أن سقوط تلك الإمارة من الصعب تصور حدوثه على النحو الذي يصوره لامونت، بل أنها في الأغلب كانت من مخططات الزنكيين منُذ أمد بعيد، أما تعليل عدم تبكير زنكي، بالاستيلاء عليها، فذلك مرجعه إلى عدم رغبته في إجهاض قوته الحربية في صدام مبكر مع الصليبيين غير مضمون النتائج خلال مرحلة حكمه المبكرة، ولذا فمن الممكن اعتبار توقيت الاستيلاء على الرها – على نحو ما فصلته المصادر اللاتينية والسريانية، والعربية، يعتبر بحق من أبرز دلائل حنكة زنكي السياسية يبدو أن إدعاء لامونت بأن إسقاط الرها كان بعيد عن سياسة عماد الدين زنكي هو أكبر الإدعاءات التي لا تجد سنداً تاريخياً يدعمها، فمن المعروف أن زنكي كان مشتركاً في جيش مودود، وبنص عبارة ابن الأثير : شهد معه حروبه ، ولا ريب في أنه أدرك أهمية إسقاط الرها، بل إن ذلك الحلم ترسب في ذهنه منُذ زمن بعيد والمتصور أنه أراد النجاح فيما أخفق فيه مودود من قبل، وقد أعتقد أن إسقاطها أمر ضروري على اعتبار أنها الهدف الصليبي الأقرب إلى الموصل، كما أن تحقيق مثل ذلك الهدف من شأنه تيسير إتصاله بشمال الشام، وخاصة من خلال رؤيته التوحيدية الثاقبة .

* إن افتراض جون لامونت بأن زنكي كان يمكن أن يتحالف مع اللاتين من أجل مصلحته السياسية، افتراض يدعم حنكة عماد الدين زنكي السياسية، فقد لجأ إلى عقد الاتفاقيات مع الصليبيين أحياناً من أجل التقاط الأنفاس، وعدم الوقوع في آتون جبهتين جبهة الشرق بصراعه مع قواه السياسية وجبهة الصراع مع الصليبيين ثم أنه أراد أن يبعث الطمأنينة في نفوس الأخيرين من خلال مثل تلك الاتفاقات، في حين كان يبطن النية للاجهاز على الرها، ولذا جاءت عمليات الحصار من جانبه نحوها أمراً مفاجئاً لأهلها .

* أما القول بأن زنكي لم يكن هدفه الوحيد إسقاط الرها، بل إنه كان يسعى أيضاً إلى بناء دولته على حساب جيرانه سواء المسلمين أو الصليبيين فينبغي ملاحظة أن كافة القيادات الإسلامية التي ظهرت خلال عصر الحروب الصليبية على امتداد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادين / السادس والسابع الهجريين وساهمت في قضية الجهاد، كان لديها طابع ما من الطموح السياسي وكانت تسعى بالفعل إلى توطيد أركان دولها على حساب القوى السياسية المجاورة لها، غير أن العبرة هنا بأن الطموح السياسي – كما أشرت من قبل – يتم تفجيره في قضية الأمة بأسرها وهي الجهاد، لأن مثل تلك القيادات كان من الممكن أن ترضى العيش في ذلة وإنكسار مع الصليبيين ولا تتوسع على حسابهم تجنباً لإثارة المشكلات السياسية معهم ولسقوط القتلى والجرحى بل وتعرض مناطق نفوذها الأصلية لاعتداءات الغزاة غير أنها رفضت ذلك وقبلت التحدي الصليبي وأظهرت قدرتها على تغيير الجغرافية السياسية للمنطقة من خلال تبنيها لمشاريع الجهاد .

* من المهم أن تعرف أنه لا يخفى على دارسي تاريخ العلاقات الإسلامية مع القوى المسيحية في مرحلة الحروب الصليبية، كيف أن قطاعاً من المستشرقين حرص على سلب المسلمين إنجازاتهم، وشككوا في المراحل الناصعة من تاريخهم، كما أن هناك ثأراً ملازماً ذلك القطاع منهم لاسيما مع فكرة الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، ولذلك حرصوا الحرص أجمعه على إنكارها، والتشكيك فيها، والإساءة إلى كافة التجارب الجهادية الماضية للمسلمين حتى لا يتبنوها في الحاضر والمستقبل، وهكذا من الممكن التقرير – بموضوعية ودون اعتساف في الأحكام – أن عصر الحروب الصليبية شهد نقلة نوعية في تطوير فكرة الجهاد في الإسلام، حيث أن الجهاد هذه المرة ضد عدو استقر على الأرض الإسلامية، بعد ضعف المسلمين من جراء صراعاتهم مع بعضهم البعض، فإذا ما أدركنا أن هويتهم الدينية كانت في خطر أمام مشاريع التنصير التي علقت عليها البابوية آمالاً كباراً، أدركنا كم كانت فكرة الجهاد فكرة محورية في عصر الحروب الصليبية ، إن المراجع الغربية حاولت تشويه صورة هذا المجاهد الكبير قديماً وحديثاً ومن أشهر الكتب المعاصرة، كتاب الحرب المقدسة، الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم قالت صاحبة الكتاب كارين ارمسترونغ عن عماد الدين زنكي : لم يكن هذا بأي حال قدوة تحتذى، بل كان سكيّراً عربيداً قلما يفيق من سكره، كما كان قاسياً بطاشاً مثل معظم رجال الحرب في عصره ، وسيرة الرجل تكذب ما يقولون ووصفه مؤرخونا بالشهيد وهو وسام عالي الرتبة والمقام لا يعطى إلا لمن هو أهلاً لهذا الوصف الكبير، فقد قالوا في سيرته من أحسن سير الملوك وأكثرها حزماً للأمور وكانت رعيته في أمن شامل يعجز القوي عن التعدي على الضعيف ، وكان معظماً للشريعة ومقيماً لحدودها في دولته وقد كلف بذلك القضاة إن من أهداف بعض المستشرقين :
* تشويه رموز الجهاد لكي تبقى أجيالنا بدون قدوات تقوي العزائم وتنهض بالهمم.
* إضعاف روح الفداء والتضحية والشهادة والجهاد في الأمة حتى يستطيعوا سوقها كالبهائم.
* محاولة فصل الأمة عن تاريخها بالأكاذيب والتشويه حتى لا ترجع إلى تاريخها الحافل فتستخرج منه الدروس والعبر.
* كانت كتابتهم تنبثق من روح صليبية حاقدة على الأبطال الذين ساهموا في إفشال المشروع الصليبي ولذلك حاول المستشرقون تشويه صورة عماد الدين زنكي.
* إن سيرة عماد الدين ومن حوله من أعوانه المخلصين كالقاضي الشهرزوري تقطع بدون شك بكذب أولئك المستشرقين الذين حاولوا طمس الحقائق والصاق التهم الباطلة بذلك الرجل العظيم، فتجربته الجهادية تستحق الدراسة والتحليل العميق مع ربط ما وصلنا إليه من دروس وعبر بواقعنا المعاصر، لكي نستفيد منها في السعي الجاد لنهضة الأمة.





8- مدح الشعراء لعماد الدين عند فتح الرها :



إن كثيراً من الباحثين والكتاب لم يهتموا بالأدب في الحروب الصليبية، بل إن الكثير منهم أطلقوا عليه أدب الإنحطاط، آخذين بأقوال وآراء المستشرقين الذين رغبوا في أن نبتعد عن دراسة تاريخ وأدب هذه الحروب لأسباب كثيرة منها رغتبهم في عدم إطلاعنا على وحشية الصليبيين وقسوتهم، ثم حتى لا نشعر بالعزة والفخر ونحن نقرأ عن تاريخ الأبطال المسلمين عرباً وأكراداً وأتراكاً – يقودون الجيوش وهم يحملون راية الإسلام – مقاتلين ومجاهدين ومنتصرين يترفعون عن القوميات والوطنيات الجاهلية وتجمعهم حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته، إن أدب هذه الفترة ما زال بحاجة إلى دراسات مستفيضة، ثم إلى إعادة تقييم وحينئذ سنجد أن آراءنا قد تغيرت تغيراً إيجابياً لإننا سنجد فيه الكثير مما يستحق الدراسة وسنجد الكثير من الأشعار اللطيفة الرقيقة في الحماسة ووصف المعارك ومديح الأبطال وسنجد الشعر الحزين الباكي في رثائهم وهذه باقة طيبة من الأشعار متعلقة بفتح الرها ومدح عماد الدين زنكي فقد وصف ابن الأثير جيش عماد الدين في خروجه لفتح الرها فقال :

بجيش جاش بالفُرسان حتى
٭٭ ظننت البَّر بحراً من سلاح

وألسنة من العذبات حُمْر
٭٭ تخاطبنا بأفواه الرَّياح

وأروع جيشه ليلٌ بهيم
٭٭ وغُرَّته عمود للصباح

صفوح عند قدرته ولكن
٭٭ قليل الصفح ما بين الصفاح

فكان ثباته للقلب قلباً
٭٭ وهيبته جناحاً للجناح


أ- القيسرني يمدح عماد الدين في فتح الرها : قال الشاعر :

هو السيف لا يغنيك إلا جلاده
٭٭ وهل طّوق الأملاك إلا نجاده


ولقد كان لهذا الفتح رنة فرح في نفوس الناس وبفتح الرها تغيرت نظرة الفرنج إلى قوة المسلمين، وأعادها عماد الدين زنكي إلى ديار الإسلام بعد أن حكمها الفرنج نصف قرن ومما جاء في القصيدة :





ثامناً : الأحداث العسكرية بعد فتح الرها :




كان فتح الرها بداية لها ما بعدها، إذ لم يكن من الصعب على عماد الدين زنكي أن يستكمل مهمته بفتح باقي المعاقل الصليبية التابعة لهذه الإمارة، فاستغل فرصة تضعضع أحوال الصليبيين في المنطقة واتجه إلى سروج التي تخلت حاميتها عنها مولية الفرار واستولى عليها، وما لبثت الحصون المجاورة أن أخذت تسقط في يديه واحدة تلو الأخرى ، وجعل لا يمّر بعمل من أعمالها ولا معقل من معاقلها، إلا سلّم إليه في الحال ، ثم يمم وجهه صوب قلعة البيرة الحصينة المطلة على الفرات، وكانت من أهم الحصون التي تبقت لجوسلين الثاني، وأشدها مناعة ففرض الحصار عليها وقطع عنها ما كان يصل إليها من القوت والميرة والمعونة حتى أشرفت على الاستسلام، وحينذاك بلغ زنكي نبأ مقتل نائبه في الموصل فاضطر إلى فك الحصار والإسراع بالتوجه إلى مقر إمارته لإقرار الأوضاع فيها : إلا أن صليبي الحصن خافوا من مهاجمته إياهم ثانية، فأرسلوا إلى حسام الدين تمرتاش الأرتقي وأعلموه برغبتهم في التنازل له عن موقعهم هذا، قبل أن يسقط بيد عدوهم اللدود. وهكذا فقط صليبيو الرها كافة حصونهم الواقعة شرقي الفرات ، كنتيجة مباشرة لسقوط القاعدة الأم بيد زنكي، ولم يتبق لجوسلين من إمارته الواسعة سوى عدد من الحصون المنتشرة غربي الفرات كتل باشر ومرعش ودلوك وسميساط وعينتاب وعزاز ، واستطاع نور الدين محمود – فيما بعد – أكتساحها جميعاً، ومحو أولى الإمارات الصليبية من الوجود .




تاسعاً : من أساليب عماد الدين زنكي في محاربة الصليبيين :



لم يقتصر عماد الدين زنكي، في قتاله للصليبيين على الحروب النظامية، فحسب، إذ كان ذلك يقتضي منه البقاء باستمرار في بلاد الشام، واستنفاد قواه في قتال أعدائه هؤلاء، وعدم تمكنه – بالتالي – من التفرغ لتصفية مشاكله العديدة في العراق والجزيرة وأدرك أهمية الاستفادة من الغارات، أي الهجوم والإنسحاب السريع، سيما في فترات غيابه عن الشام، ذلك أن هذا النوع من القتال سيتيح له الحصول على نتائج هامة، أولها أقلاق الصليبيين وعدم أعطائهم المجال لإعادة تنظيم قواتهم، ورسم الخطط الهجومية على مواقع المسلمين في المنطقة، ومن ثم تمكين هؤلاء من الدفاع عن مراكزهم والاحتفاظ بها، وثانيها إضعاف قوى العدو العسكرية والاقتصادية، بما تحدثه – هذه الحروب – من قتل وأسر ونهب وتخريب، وثالث تلك النتائج قطع الاتصال بين المراكز الصليبية شمالي الشام، وعدم إعطائهم الفرصة للتجمع وتوجيه ضربة موحدة ضد المسلمين ، وقد اعتمد زنكي في هذا النوع من القتال على محاربي التركمان، ومهد لذلك بتوثيق علاقاته بقادتهم وإسناد كبرى المناصب الحربية إليهم وقد عمل زنكي على توفير القيادة الحاذقة من التركمان ايتكين، ولجة التركي والياروق وغيرهم، والمحاربين الشجعان، للقيام بشن ما يطلق عليه اليوم حروب المقاومة والعصابات، وجعل من حلب مركزاً لهم نظراً لأهمية موقعها بالنسبة للحصون الصليبية والإسلامية على السواء، فهي تتوسط أنطاكية والرها الصليبتين، وتسيطر على خطوط المواصلات بينهما، كما أنها تعد خير قاعدة عسكرية لتوجيه الهجمات السريعة ضد مواقع وتحركات الصليبيين، وقوافل امدادهم وتموينهم وقد قامت هذه الجماعات من التركمان بشن غارات عديدة ضد جيوش الأعداء ومعسكراتهم، وقوافلهم ومراكز تجمعهم، ولم تخل سنة من سني الصراع وحروب العصابات كان يقوم بها هؤلاء التركمان، ويلحقون – بفضلها – خسائر مختلفة في صفوف أعدائهم، ففي رجب من عام 524ﻫ على سبيل المثال جهز زنكي قوة عسكرية أغارت على عزاز الصليبية وعاشت في بلاد جوسلين أمير الرها وفي العام التالي حدث اشتباك بين سوار وجوسلين، شمالي حلب، أسفر عن انتصار الصليبيين ومقتل عدد من المسلمين، مما دفع سوار إلى القيام بهجوم على ربض الأثارب، والاستيلاء على مقادير من أموالهم ومحاصيله ثم ما لبث، بعد عام واحد 526ﻫ أن أوقع بصليبي تل باشر وقتل منهم خلقاً كثير ولم يتوقف سوار وجنده التركمان عن شن الغارات ضد الصليبيين كلما اتيحت الفرصة لذلك، وشهد صفر من عام 527ﻫ عدة اشتبكات بين الطرفين، وقع أحدها بالقرب من قنسرين، أثر قيام بلدوين بيت المقدس بمحاولة للهجوم على أطراف حلب، حيث تصدى له سوار، وجماعة من جنده، وأسفر القتال عن هزيمة المسلمين وإنسحابهم إلى حلب، إلا أن قائدهم الشجاع ما لبث أن خرج بهم ثانية ووقع على طائفة منهم فأوقع بهم وأكثر القتل والأسر، وانهزم من سلم منهم إلى بلادهم وعاد إلى حلب حاملاً معه رؤوس القتلى والأسرى وكان يوماً مشهوداً ، ولم تمض سوى أيام قلائل حتى قام صليبيو الرها بمحاولة جديدة للاغارة على أعمال حلب، فخرج إليهم سوار يصحبه الأمير حسان البعلبكي أمير منبج، وأوقع بهم على حين غرة، وتمكن من إبادة عدد كبير منهم، وأسر الباقين، ثم قفل عائداً إلى حلب دون أن يصاب أحد من جنده بأذى وفي جمادي الآخرة من نفس العام قام سوار على رأس قوة من الفرسان بالأغارة على تل باشر، فتصدى له صليبيو ذلك الموقع، إلا أنه تمكن من هزيمتهم، وحصد رؤوس ألف رجل، حملها معه إلى حلب . وفي ربيع الأول من العام التالي سار صاحب موقع القدموس الصليبي إلى قنسرين، على رأس قوة من فرسان أنطاكية، فلقيهم عسكر حلب بقيادة سوار وأسفر القتال عن انتصار الصليبيين واضطر قائد زنكي إلى مصالحتهم، إلا أنه ما لبث أن باغت إحدى سرياهم بهجوم سريع وتمكن من قتل معظم أفرادها، ثم قفل عائداً إلى حلب : فسر الناس بذلك بعد مساءتهم. ولم يمض سوى وقت قصير حتى أغار فرسان الرها على أطراف حلب الشمالية في طريقهم إلى إحدى المعسكرات الصليبية فأوقع بهم سوار وحليفه أمير منبج، وأباد عدداً كبير منهم، بينما وقع معظم الباقين في الأسر ، ثم ما لبث سوار أن قام – في نفس العام – بغاره واسعة على المواقع الصليبية في منطقة الجزر ، وزردنا، وأوقع بأعدائه عند حارم ثم عاد إلى حلب محملاً بالغنائم والأسلاب ، وأخذ نطاق الغارات والهجمات المفاجئة يتسع شيئاً فشيئاً، وشهد رجب من عام 530ﻫ محاولة واسعة قام بها سوار، إذ سار على رأس ثلاثة آلاف فارس من التركمان وفاجأ بلاد اللاذقية وأعمالها بهجوم مباغت لم يكن الصليبيون يحسبون له أي حساب، وتمكن بذلك من أسر سبعة آلاف أسير، والحصول على مقادير كبيرة من الغنائم، واجتياح عشرات من القرى والمزارع الصليبية ملأ المسلمون أيديهم منها بالأسرى والغنائم، وقد استبشر مسلموا المنطقة أيما استبشار لهذا النصر الكبير الذي أحرزه سوار، والذي كان بالنسبة لصليبي الشمال نكبة لم يمنوا بمثلها والواقع أن ما شاهدته أنطاكية، خلال عامي 529ﻫ ، 530ﻫ من فتن داخلية بسبب النزاع على الحكم، أسهم إلى حد كبير في عجز هذه الأمارة عن الدفاع عن نفسها إزاء هجمات المسلمين الأمر الذي دفع قائدهم إلى استغلال الفرصة وتحقيق نصر كبير ضد صليبي الشمال وفي أواخر العام التالي قام سوار بهجوم مباغث ضد سرية بيزنطية كبيرة العدد، كانت تتقدم شرقاً، وتمكن من قتل وأسر عدد من أفرادها ثم قفل عائداً إلى مقره في حلب ، ولم تمض سوى أشهر معدودات على هذا الهجوم حتى قام الصليبيون والبيزنطيون بإرسال قوات مشتركة لاحتلال قلعة الأثارب القريبة من حلب، وبعد أن حققت هذه القوات هدفها، أوكل إليها حراسة أسرى المسلمين الذين جمعوا في هذا الموقع. إلا أن سوار ما لبث أن خرج على رأس قواته وهاجم الحامية الصليبية والبيزنطية، وتمكن من استخلاص معظم أسرى المسلمين من أيديهم، وعاد بهم إلى حلب التي عمها السرور وسادتها الأفراح لهذا النصر الذي حققه أميرها وفي عام 533ﻫ هاجم سوار عدداً من المواقع الصليبية واستولى على بعض الغنائم، إلا أن فرسان الصليبيين تمكنوا من اللحاق به وإنزال هزيمة بقواته أسفرت عن أسر ما يزيد عن ألف فارس منهم، وانسحب هو إلى حلب بمن سلم من جنده واستمرت المناوشات بين الطرفين طيلة السنين التالية، وأصابها بعض الفتور خلال عامي 534 - 535ﻫ. أثر فشل زنكي في الاستيلاء على دمشق، وتحالف الصليبيون والدمشقيون ضده إلا أن هذه المناوشات ما لبثت أن استعرت من جديد في عام 536ﻫ والسنين التي تلته، ففي الأشهر الأولى من هذا العام قام الصليبيون بهجوم سريع ضد بعض المواقع الإسلامية غربي حلب، ولدى تفرقهم، أرسل سوار قوة من التركمان بقيادة ابنه علم الدين، أغارت على المواقع الصليبية وتوغلت إلى أسوار أنطاكية، ثم عادت تحمل معها كثيراً من الغنائم والأسلاب وبعد فترة قصيرة أغار لجة التركي على بعض المناطق الصليبية في الشمال فساق وسبى وقتل، وذكر أن عدد القتلى بلغ سبعمائة رجل ، وفي رمضان من العام نفسه هاجم سوار معسكراً صليبياً عند جسر الحديد، إلى الشمال الشرقي من أنطاكية، بعد أن اجتاز بقواته نهر العاصي صوب تجمعات العدو، وتمكن من قتل معظم أفراد المعسكر، وأسر الباقين ، وما لبث أمير أنطاكية أن خرج – في العام التالي – للأغارة على وادي بزاعة القريب من حلب، فتصدى له سوار وأجبره على الإنسحاب. وتمكن جوسلين الفرصة فقام بهجوم على تجمعات المسلمين عند ضفاف الفرات، وتمكن من أسر تسعمائة رجل منهم، ثم أرتأى الطرفان عقد هدنة بينهما لم يكن لأمير أنطاكية نصيب فيها ، وهكذا ظل القتال مستمراً بين هذه الإمارة وقوات حلب وعندما خرجت طائفة كبيرة من تجار أنطاكية وفي جمادي الأولى من عام 538ﻫ - تحرسها قوة من الفرسان في طريقها إلى بعض البلاد الصليبية المجاورة ومعها مال كثير وأموال ومتاع باغتها المسلمون، وأوقعوا بها، وتمكنوا من إبادة كافة أفراد القوة التي خرجت لحمايتها، وغنموا ما كانت تحمله من بضائع قيمة وفي أواخر ذي القعدة من العام نفسه هاجمت مجموعة من فرسان حلب قوة من الفرسان الصليبيين الخارجين من باسوطا وأبادوهم، وأسروا صاحب باسوطا حيث اعتقله سوار في حلب .




عاشراً : حصيلة الدور السياسي العسكري الذي لعبه عماد الدين على مسرح التاريخ الإسلامي :



يمكن القول بأن عماد الدين زنكي استطاع أن يحقق قسطاً كبيراً من برنامجه وأن يكون لنفسه مكانه خاصة في التاريخ الإسلامي كسياسي بارع وعسكري متمكن ومسلم واع أدرك الخطر الذي أحاط بالعالم الإسلامي من قبل الصليبيين فقد استطاع أن يوجه الظروف التاريخية القائمة لصالح المسلمين، وذلك بتجميعه القوى الإسلامية، بعد القضاء على عوامل التجزئة والانقسام وتوحيد المدن والإمارات المنفصلة في نطاق دولة واحدة استطاع بمقدرته أن يستغل أقصى ما يمكن أن تقدمه من إمكانات في سبيل تحقيق برنامجه المزدوج أي تشكيل الجبهة الإسلامية وضرب الصليبيين وقد اتضح لنا من خلال استعرض علاقة عماد الدين زنكي بالقوى الإسلامية كامارات المدن والإمارات المحلية في الجزيرة والشام، والقبائل الكردية والتركمانية – مدى قدرته السياسية وبراعة خططه العسكرية خلال علاقاته السلمية والحربية مع هذه القوى المنبثة في المنطقة، فهو من الناحية الرسمية كان قد تسلم من السلطان السلجوقي " محمود بن محمد بن ملكشاه " عام 522ﻫ منشوراً يقر سلطته الشرعية على الموصل والجزيرة والشام، وقد تأكد هذا المنشور خلال الأعوام التالية. إلا أنه لم يكن كافياً لتثبيت سلطته الفعلية في هذه الفترة التي استطاع فيها عدد كبير من الأمراء أن يفرضوا سلطتهم على عدد لا يحصى من المدن والأقاليم، مستقلين إلى حد كبير عن السلطة السلجوقية ومستفيدين من مجموعة من العوامل الشخصية والسياسية والجغرافية والاقتصادية والبشرية، فكان لابد لزنكي إذن، من إخضاع هذه العدد الكبير من السلطات المتمركزة في المنطقة، ومن اختيار أسلوب الهجوم، منُذ البداية بالرغم مما يحيق بهذا الأسلوب من أخطار أولها احتمال تشكيل حلف دفاعي مضاد من الأمراء العادين وقد يتحول هذا الحلف فيما بعد إلى حلف هجومي، كما حدث بالنسبة للأراتقة وثاني تلك الأخطار عدم وجود خط رجعة في حالة إنكساره أو إنسحابه أمام الأمراء المحليين الذين كانوا يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم. إلا أنه لم يأبه لهذه الأخطار، وراح يهاجم الأمراء المحليين منُذ البداية، دفعه إلى ذلك طموحه وشجاعته الشخصية، وإطمئنانه إلى قاعدة شعبية تحبه وتخلص له لمواقفه السابقة تجاه الصليبيين، قبل أن يتولى الحكم في الموصل، كما ساعده على ذلك منشور السلطان، آنف الذكر بتسلم الموصل والجزيرة والشام، وما كان يتضمنه من اعتراف بحرية زنكي في الاشتباك مع التشكيلات السياسية المحلية واكتساحها، والتوسل بأية وسيلة يراها مناسبة لتحقيق هذا الهدف ، لكن الأهم من ذلك كله ما تمتع به زنكي من مقدرة سياسية وعسكرية وما تميز به من نظر بعيد. ذلك أنه عرف – منُذ البدء – أنه إذا ما سلك سبيل المسالمة والتودد تجاه الأمراء المحليين فإن حصونهم ومدنهم وإماراتهم ستظل تشكل عوامل خطر ضد إمارته، لقربها منها، ولاستراتيجية مواقعها إذ تشكل نقاط تسلط مرتفعة، إنحدارها باتجاه الموصل، وخطوطها الخلفية سلاسل جبلية وأنهار متشابكة وحصون منيعة. كما أن السياسة الانعزالية التي اتبعها أولئك الأمراء تجاه الخطر الصليبي المتقدم نحو الشرق، وما تبع ذلك ذلك من تشتيت لإمكانات المسلمين البشرية والعسكرية والاقتصادية، قد أدت إلى عجز هذه الإمارات عن الوقوف بوجه هذا الخطر الصليبي الزاحف هذا في الوقت الذي كان على زنكي فيه أن يعمل على إزالة العقبات التي تقف أمام توحيد الإمارات المتفرقة، المبعثرة، في جبهة إسلامية موحدة تستطيع أن توقف الزحف الصليبي، ومن ثم تبدأ بالهجوم المنظم على قواعد الصليبين هذه العوامل التي دفعت زنكي إلى اتباع سياسة الهجوم، والتي تخللتها أحياناً علاقات سلمية ومعاهدات استدعتها طبيعة الظرف الذي كان يمر فيه وفي نفس الوقت، عمل زنكي على تأمين حدود إمارته باتجاه الشرق والشمال الشرقي، حيث يشكل الأكراد والتركمان في هذه المناطق عناصر خطر بالغة ضد إمارته، لاسيما عند تأزم علاقاته بالإمارات الغربية، أو عند توغله بعيداً عن مقره في الموصل . ومن ثم تبدو لنا واضحة أهمية الدور الذي لعبه زنكي في التاريخ الإسلامي إذ يعتبر أول قائد قام بتجميع القوى الإسلامية وفق برنامج معين ليجابه بها تزايد الخطر الصليبي الذي لم توقفه المحاولات الجدية التي سبقت زنكي وبخاصة تلك التي تمت على يد كل من مودود بن التونتكين 502 - 507ﻫ وايلغازي وبلك الأرتقيين 512 - 518ﻫ وآق سنقر البرسقي 518 - 520ﻫ ومن المرجح أنه لو تمكن زنكي من فتح دمشق وانجاز محاولته لتوحيد الشام، ولو لم يقتل – وهو في قمة انتصاراته ضد الصليبيين – لكان قد استطاع أن يستكمل الأجزاء المتبقية من برنامجه، ولتكاملت أمام الباحث الحديث الصورة الواضحة للدور الذي قام به في التاريخ الإسلامي، وهو دور فاصل تتضح خطورته، إذا عرفنا أن نور الدين محمود، ومن بعده صلاح الدين لم تكن جهودهما سوى اتمام العمل الذي بدأه عماد الدين زنكي وفي نفس الطريق .




الحادي عشر : الأيام الأخيرة من حياة عماد الدين زنكي :



1- تهنئة عماد الدين بالشفاء من مرض عرض له :


في عام 540ﻫ انشد ابن منير بالرقة في عماد الدين زنكي قصيدة، يهنّئه بالعافية من مرض عرض له في يده ورجله




مقتله 541 ﻫ



تجمع المصادر على أن زنكي اغتيل ليلة الخامس من ربيع الآخر عام 541ﻫ خلال حصاره لقلعة جعبر، عندما انقض عليه – وهو نائم – غلام أو عدة غلمان ممن مماليكه المقربين اللذين كانوا يقومون على حراسته أثناء نومه، وإنهم هربوا – بعد قتله – إلى القلعة ونادوا أصحابها بحقيقة الأمر ففتحوا لهم الأبواب، وأنه ما أن انتشر نبأ الاغتيال في معسكره حتى اضطرب وتشتت وسادته الفوضى، فلم ير قادته بداً من فك الحصار والرحيل قال ابن الأثير : .. ختم الله بالشهادة في أعماله.

لاقى الحِمام ولم أكن مُستَيقناً
٭٭ أنَّ الحِمام سُيْتَلَى بحِمامِ


فأضحى وقد خانه الأمل وأدركه الأجل، وتخّلى عنه العبيد والخول، فأي نجم للإسلام أفل، وأي ناصر للإيمان رحل، وأي بحر ندى نضب، وأي بدر مكارم غرب، وأي أسد افترس ولم يُنْجِه قُلَّة حصن ولا صهوة فرس فكم أجهد نفسه لتمهيد الملك وسياسته وكم أدّبها في حفظه وحراسته، فأتاه مبيد الأمم، ومقسيها في الحَدَث والقدم، فأصاره بعد القهر للخلائق مقهوراً، وبعد وثير المضاجع في التراب معفراً مقبوراً، رهين جَدَثٍ لا ينفعه إلا ما قَّدم قد طويت صحيفة عمله فهو موثوق في صورة مستسلم . وقد اختلفت المصادر في تفاصيل عملية القتل وهوية القاتل وسبب القتل، فمن حيث تفاصيل عملية القتل يشير العماد الأصفهاني إلى أن عماد الدين زنكي إذا نام ينام حوله سريره عدة من خدامه، يشفقون عليه في حالتي يقظته ومنامه ويذودون عنه ذود الآساد في ملاحمه ويزورونه زور الخيال في أحلامه وهو يحبّهم أعمق الحب.. ولكنه مع الوفاء منهم يجفوفهم وهم أبناء الفحول القروم، من الترك والأرمن والروم، وكان من دأبه أنه إذا نقم على كبير أرداه وأقصاه واستبقى ولده وخصاه ... فهم على أنهم من ذوي الاختصاص ينتهزون فيه فرصة الاقتصاص فنام تلك الليلة وحوله مماليكه، فانتبه وهم قد شرعوا في اللعب، وأخذوا في الطرب فزجرهم وتوعدهم وهم ساكتون، لكن كبيرهم المدعو " يرنقش " أسّر ذلك في نفسه، وراح ينتظر الفرصة للأخذ بثأره وما أن عاد سيده إلى النوم ثانية حتى أسرع إليه، وبرك عليه، وذبحه، واستطاع – أثر ذلك – أن يتسلل من المعسكر إلى أسوار جعبر، دون أن يشك أحد فيه باعتباره كبير حراس زنكي وهناك أخبر أهل القلعة وحراسها بما أقدم عليه، وأراهم الأدلة والعلامات، فأسرعوا بإشاعة الخبر في داخل القلعة وبين صفوف قواته كي يشيعوا الاضطراب فيها ويجبروها على الإنسحاب وقد نجحوا في ذلك ، ويتفق كل من ابن القلاسني وسبط ابن الجوزي مع العماد الأصفهاني في هذه الرواية مع اختصار وحذف بعض التفاصيل وأما ابن العديم فإنه يذكر أن زنكي تهدد يرنقش خلال النهار، فخاف الأخير منه وأسرع باغتياله ليلاً . وأما من حيث هوية القاتل فيشير كل من ابن القلانسي ورنسيمان وأليسييف إلى أن القاتل كان من أصل إفرنجي أما حسن حبشي فيقول : ولعل القاتل كان باطنياً ، ومن حيث سبب القتل فيبدو أن صاحب قلعة جَعْبَر هو الذي حّرض على قتله كي يتخلص من الحصار، وأنه كان على صلة بالقاتل بدليل ما أورده ابن العديم من أن حساناً البعلبكي، صاحب منبج، تقدم إلى أسوار القلعة ونادى على ابن مالك وقال له : يا أمير علي، أيش بقى يخلصك من أتابك ؟ فقال له : يا عاقل، يخلصني الذي خلصَّك من حبس بلك، يعني حين قُتل بلك على منبج وخلص حسان، يضاف إلى ذلك أن يرنقش التجأ إلى القلعة بعد حادثة الاغتيال والراجح أن يرنقش نفَّذ عملية الاغتيال مدفوعاً بثلاثة عوامل : شخصية ونفسية وسياسية .



أما العامل الشخصي :



فيتمثَّل بتهديد عماد الدين زنكي له وخشيته عاقبة هذا التهديد، فأسرع باغتيال سيده دفاعاً عن نفسه ويتجلى تأثير العامل النفسي في انزعاج يرنقش من معاملة عماد الدين زنكي القاسية له وزجره إياه ثم شعوره العميق بما أصابه من ظلم ولعب إحساسه بمرارة الأهانة دوره، فاندفع لحماية كرامته وذبح سيده، ويصور الأصفهاني حركات يرنقش أثناء الاغتيال بالشكل الذي يبرز أثر الانفعال النفسي فيها : فأسرع إلى زنكي، وبرك عليه وذبحه في نومه وأما الدافع السياسي للاغتيال فيقوم على وجهين، أولهما اتفاق يرنقش – سراً – مع أصحاب قلعة جعبر لاغتيال عدوهم وإنهاء أزمتهم، بعد أن كاد حصنهم يوشك على الاستسلام، ويدخل ضمن هذا الاحتمال كون يرنقش ذا ميول باطنية، وربما تسلل إلى خدمة زنكي منُذ زمن بعيد، لتحقيق هدفه هذا، كعادة الباطنية في التستر والانتظار الطويل لتنفيذ اغتيالاتهم لكبار الشخصيات السياسية السنية التي كانت تشكل خطراً على دعوتهم، خاصة إذا ما عرفنا العطف الذي كان يبديه أمراء جعبر تجاه الباطنية. أما ثاني الاحتمالات السياسية فكون يرنقش ذا أصل " إفرنجي ". كما أكدّ ابن القلانسي وابن واصل ورنسمان، ويحتمل أن يكون قد أقدم على فعلته أما باتفاق سري مع الصليبيين أو بدافع شخصي مرتجل يعود إلى حرصه على مصالح قومه التي بدأ زنكي يوجه إليها ضربات حاسمة ولا نستطيع الجزم بأى من هذه الدوافع الثلاث لاغتيال زنكي، ذلك أن المصادر كما رأينا – لم تعط القول الفصل في هذا المجال، ومن الخطأ الاعتقاد بأن يرنقش ذا الأصل الفرنجي اغتال سيده – وهو في قمة انتصاره على الجبهتين الصليبية والإسلامية – بدافع شخصي أو نفسي محض، ولا ريب أن وراء هذا الاغتيال الخطير، في هذه المرحلة الصعبة، دوافع سياسية أبعد مدى وأشد خطورة، ربما تعود إلى الأصل الفرنجي للقاتل، أو إلى ميوله الباطنية، وربما تعود إلى اتفاقه سراً مع أمراء قلعة جعبر لقاء ما مّنوه به، إذا أتم تخليصهم من عماد الدين زنكي الذي غدا قاب قوسين أو أدنى من اجتياح حصنهم واتجه القاتل، بعد أن اغتال زنكي، إلى أسوار قلعة جعبر بسكينه الملطخ بالدم، وصاح في الحرس شيلوني فقد قتلت زنكي فلم يصدقوه، فأراهم السكين، وعلامة أخرى، كان قد أخذها من سيده وعند ذلك أصعدوه إلى القلعة وتحققوا صدق ما كان يقول ، وعندما بشر صاحب جعبر بالنبأ لم يصدقه أول الأمر وآوى يرنقش إلى القلعة وأكرمه، وعرف حقيقه الأمر، فسر بذلك واستبشر بما أتاه من الفرج بعد الشدة الشديدة ، ويشير ابن العديم إلى رد الفعل الذي أحدثه القاتل في أهل القلعة، فعندما ناداهم : إني قتلت زنكي، أجابوه : أذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله ، ولم يقبض القاتل ثمناً لخيانته إلا المطاردة والخوف، ذلك أن حكام جعبر قاموا بطرده بعد وقت قصير من التجائه إليهم، ولم يكافؤوه على عمله ربما خوفاً من قيام نور الدين محمود زنكي، أمير حلب بالانتقام منهم لأبيه، وأخير تم القاء القبض على القاتل، وأرسل مخفوراً إلى الموصل حيث قتل هناك وعندما انتشر خبر اغتيال زنكي في معسكره انقسم إلى قسمين اتجه أحدهما إلى حلب بقيادة نور الدين محمود واتجه القسم الآخر إلى الموصل بقيادة جمال الدين الأصفهاني حيث قام هو وكبار الأمراء بتنصيب سيف الدين غازي أميراً على الموصل وحملت جثة زنكي إلى الرقة حيث دفنت في مشهد هناك في منطقة قبور شهداء صفين.








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-11-2008, 07:32 PM   رقم المشاركة : 14
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

جزاك الله أسامة على تقديمك للسيرة الداتية

لشخصية رائـــــعة فى التاريخ

أضفت الكثير والكثير لخزائن معلوماتى

واستفدت أكثر مما كنت أتخيل

لك عميق الشكر والتقدير







 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 19-11-2008, 08:25 PM   رقم المشاركة : 15
جوري فضي
 
 
الصورة الرمزية حبي كله لله






 

معلومات إضافية

 الحالة : حبي كله لله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :7
حبي كله لله مبدعحبي كله لله مبدعحبي كله لله مبدع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

أروع القلوب قلب يخشى الله وأجمل الكلام ذكر الله وأنقى الحب الحب في الله اخوكم حـــــــــبــــــي كــــلـــــه لـــــــــلـــــه

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تقبلوا خالص تحياتي
بجد تقبالي خالص تحياتي لموضوعك الجميل واحساسك الجملي ايضا نتظر المزيد








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 20-11-2008, 02:45 AM   رقم المشاركة : 16
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

حبى كله لله

شكرا لك متابعتك

لك تحياتى وعميق تقديرى








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-12-2008, 03:07 PM   رقم المشاركة : 17
¤¦¤ إدارية مجــالس ¤¦¤
 

 
الصورة الرمزية ملكة الحنين







 

معلومات إضافية

 الحالة : ملكة الحنين غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :96
ملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداعملكة الحنين فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmSMMS

أكثر دعوات وسام الشكر والتقدير الإدارة والمراقبين الدرع الذهبي إدارية مميزة إدارية مميزة 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

ربي يعطيكي الف عافيه مناجاه

جزاكي الله خير

انتي والاخ اسامه

ماننحرم تواجدكم

المثري

دمتم بخير








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 12-12-2008, 01:31 AM   رقم المشاركة : 18
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

ملكة الحنين

وجودكــ هنا يشرفنى

ويزيد الطرح قيمة

لك مودتى وحبى








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-12-2008, 04:36 PM   رقم المشاركة : 19
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد البشر اجمعين وبعد

فى نهاية المطاف لا يسعنى إلا أن أتقدم بأسمى أيات الشكر للفاضلة مناجاة الله التى أتاحت لنا تلك الفرصة الذهببية للغوص فى بحور التاريخ وأن ننهل من نبعه الصافى نقاء الشهد وطيب الثمار يحق لنا التفاخر بوجودك بيننا فوجود اسمك مدعاه للفخر وحده فكيف بحضورك ؟

كل التقدير والاعتزاز لجهودك المثمرة بالعطاء الدائم وهذا الوجود المثمر والثمين كل الثناء
لكِ خالص شكري وتقديري موصولان إلى أخر حدود الزمان على ما قدمته وما تقدميه من علم نافع .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 26-12-2008, 06:44 PM   رقم المشاركة : 20
مشرفة جوري عروض الفلاش والفوتوشوب
 
 
الصورة الرمزية نداجورى








 

معلومات إضافية

 الحالة : نداجورى غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :374
نداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداعنداجورى فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرت الله عليك

وسام التميز وسام العطاء وسام الشكر والتقدير وسام أجمل تصميم وسام الإبداع 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

*·~-.¸¸,.-~*مناجاة الله*·~-.¸¸,.-~*

هؤلاء من أريدك يا ولدي بهداهم أن تهتدي

.. فاسمع مني واقتدِ

حفظك المولى في كنفه..

مشكوره نوجه وان شاء الله ولدك

يكون متلهم 0000الله يوفقهم جميعا

موضوع مؤثر كتير وما اضافه الاخ

اسامه صلاح اجاده للعبر والتدليل

جزاكما الله خير الجزاء

وجعله ربى بميزان حسناتكم







 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لعبه .... سموألامير ..... سمو الاميره ..... مجودي جوري الألعاب والمسابقات 6266 02-03-2009 05:38 AM
[ عبدالله ].. سيرةُ ملك .. شفتك البارح جوري الأخبار والأحداث 2 15-11-2007 01:28 PM


الساعة الآن 04:39 PM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لشبكة جوري العربية