دردرشة ومنتديات سعودي فخر
: من جوار الحرم ..أقدم لكم متابعتي في رمضانيات عن الحرم ..منذ القِدم . شـــــــــــــرفوني : ستودعكم الله الذي لاتضيع ودائعـــة واستحلفكم الله أن تحللوني اذا بدر مني أي اسائة ..في أمان الله : مسآء الخير للجورين / مبآأإرك عليكم العشر الأوآخر يأآإرب/ حبيت أقول عن مسآبقة تنسيق الملف أخر موعد تسليم يوم السبت الجآي بأذن الله تحيتأآإتي



 
العودة   شبكة جوري العربية > القسم الإسلامي > ج ـوري الشريعة والحياة
 
 

ج ـوري الشريعة والحياة للمواضيع الدينية والطرح الإسلامي

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-11-2008, 11:19 AM   رقم المشاركة : 1
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

Mnn يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

يا ولدي..
إن رزقك الله السنين لتكبر، وإن منحني الله بركة في العمر لأراك بالإيمان تتقدم.. فحلمي أن أبصرك كذاك الأمير.. صاحب الخُلق القويم، وذي النفس الأبيّة والهمة العليّة.. أمير الموصل الملك الشهيد عماد الدين زنكي.

يا ولدي..
هو ليس ككل الأمراء ولا مثل الملوك.. فهو لم يسكن القصور ولا يعرف طريق البنوك.. وأنّى له ذلك وقد وهب نفسه وماله وأهله وحياته للإسلام ولرفعة الإسلام ولإعزاز المسلمين ودحر الفرنجة المحتلين.

يا ولدي..
اسمعني بقلبك لا بإذنيك.. اسمع مني ما سأرويه عن سيرته وجهاده.. [فقد كانت سيرته رحمه الله من أحسن سير الملوك وأكثرها حزمًا وضبطًا للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل يعجز القوي عن التعدي على الضعيف.] ومن ذلك أنه [كان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك، ويقول: "مهما كانت البلاد لنا فأي حاجة لكم إلى الأملاك، فإن الإقطاعات تُغني عنها، وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم"]...

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

رحمه الله، ليته يأتي اليوم فيرى ماذا فعل السلطان وأصحاب السلطان بالأملاك والعباد! أما هو، فإليك ما قاله ابن الأثير: ["وكانت الموصل أقل بلاد الله فاكهة، فلما عمرت البلاد، عملت البساتين بظاهر الموصل وفي ولايتها. وكان يقصده الناس ويتخذون بلاده دار إقامة؛ وذلك لحسن سيرته"].

ومن حسن سياسته وحفظه للبلاد أنه [كان لا يُمكِّن رسولَ مَلِك يعبر في بلاده بغير أمره، وإذا استأذنه رسول في العبور في بلاده أذن له، وأرسل إليه من يُسيِّره، ولا يتركه يجتمع بأحد من الرعية ولا غيرهم؛ فكان الرسول يدخل بلاده ويخرج منها ولم يعلم من أحوالها شيئاً. وكان رحمه الله لا يُمكِّن أحداً من خدمه من مفارقة بلاده وكان يقول: "إن البلاد كبستان عليه سياج، فمن هو خارج السياج يهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدل على عورتها ويُطمع العدو فيها زالت الهيبة وتطرق الخصوم إليها"].

ومن آرائه التي تنمّ على حنكته أنه [لما اجتمع له الأموال الكثيرة أوْدَعَ بعضها بالموصل، وبعضها بسنجار، وبعضها بحلب، وقال: إن جرى على بعض هذه الجهات خرق أو حيل بيني وبينه استعنت على سد الخرق بالمال في غيره].


اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي
يا بني..
ما كان لهذا الأمير ما ذكرتُ لولا أنه كان عظيمًا في نفسه، ديّنًا في خلقه، متبعًا لأمر ربه، مهتديًا بسنّة نبيّه. فقد كان له مقدار من المال يتصدق به كل جمعة، ويتصدق فيما عداه من الأيام سراً مع من يثق به.
[وكانت غيرته شديدة ولا سيما على نساء الأجناد، فإن التعرض إليهنّ كان من الذنوب التي لا يغفرها، وكان يقول: "إن جنديَ لا يفارقوني في أسفاري، وقلّما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حُرَمهم هلكن وفَسَدْن".

وكان رحمه الله قليل التلوّن والتنقل، بطيء الملل والتغير، شديد العزم، لم يتغير على أحد من أصحابه مُذ مَلك إلى أن قُتل إلا بذنب يوجب التغير، والأمراء والمقدَّمون الذين كانوا معه أولاً هم الذين بقوا أخيراً، مَنْ سَلِم منهم من الموت؛ فلهذا كانوا ينصحونه ويبذلون نفوسهم له. وكان الإنسان إذا قَدِم عسكره لم يكن غريباً؛ إن كان جندياً اشتمل عليه الأجناد وأضافوه، وإن كان عالماً قصد العلماء، فيُحسنون إليه ويؤنسون غُربته فيعود كأنه آهل. وسبب ذلك جميعه أنه كان يخطب الرجال ذوي الهمم العلية، والآراء الصائبة، والأنفس الأبية، ويوسّع عليهم في الأرزاق، فيسهل عليهم فعل الجميل واصطناع المعروف].

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

أسمعت يا بُني..؟!
من كان ذا همة عالية صاحَبَ أصحاب الهمم العلية، ومن أراد لبس ثوب العزة بحث عن أقرانٍ ذوي أنفسٍ أبيّة.. ومن تمنى الشهادة بصدق جاءته ولو على فراشه.. فهناك عند قلعة جَعْبَر، كان لقاء أميرنا مع الشهادة (نحسبه كذلك والله حسيبه)، [فبينما هو نائم دخل عليه نفر من خدمه فقتلوه غيلةً ولم يجهزوا عليه، وهربوا من ليلتهم إلى القلعة التي كان يحاصرها، ولم يشعر أصحابه بقتله. فلما صَعِدَ أولئك النفر إلى القلعة صاح مَنْ بها إلى العسكر يُعلمهم بقتله، فبادر أصحابه إليه، فأدركه أوائلهم وبه رمق. ثم ختم الله بالشهادة أعماله.

فأضحى وقد خانه الأمل، وأدركه الأجل، وتخلَّى عنه العبيد والخول، فأيّ نجم للإسلام أفل، وأي ناصر للإيمان رحل، وأيّ بحر ندي نضب، وأيّ بدرِ مكارمٍ غرب، وأيّ أسدٍ افتُرِس]!

رحمه الله.. كان أسدًا بحق، تهابه السباع، مقدامًا لا يأبه بالموت.. حتى أنه يُروى من شجاعته ما لم يُسمع بمثله؛ منها: قبل أن يلي الإمارة أنه [كان في نفر وقد خرج الفرنج من البلد، فحمل عليهم هو ومن معه، وهو يظن أنهم يتبعونه، فتخلَّفوا عنه، وتقدَّم وحده وقد انهزم مَنْ بظاهر البلد من الفرنج فدخلوا البلد، ووصل رمحه إلى الباب فأثَّر فيه وقاتلهم عليه، وبقي ينتظر وصول من معه، فحيث لم ير أحداً، حمى نفسه وعاد سالماً، فعجب الناس من إقدامه أولاً ومن سلامته آخراً].

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

وصلنا النهاية لكنها كانت بداية عز للأمة فقد خَلَف أميرَنا رحمه الله أبناؤه الذين ساروا على دربه، ومن أبرزهم نور الدين محمود.. ومن منا لا يعرفه، ومن جنده وخواصه صلاح الدين الأيوبي.. رحم الله الجميع وجزاهم عن جهادهم خيرًا.

هؤلاء من أريدك يا ولدي بهداهم أن تهتدي.. فاسمع مني واقتدِ

حفظك المولى في كنفه..








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-11-2008, 12:08 PM   رقم المشاركة : 2
عضوة شرف
 
Cla$sίς ĠįяĻ

 
الصورة الرمزية ~ نردين ~








 

معلومات إضافية

 الحالة : ~ نردين ~ غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :109
~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع~ نردين ~ فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

~~~~~~~ ســ الله ـبحان ~~~~~~~

وسام الإبداع وسام الشكر والتقدير وسام التميز 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

ســـلمت يمناكِ

وبارك الله بكِ

وأحســن إليكِ

( هؤلاء من أريدك يا ولدي بهداهم أن تهتدي.. فاســمع مني واقتدِ )

( حفظك المولى في كنفه.. )

تعجز حروفي عن إيفاءكِ حقك

موضوعك رائع كروعة قلبك الطاهر

دمتِ للمنتدى قلماً راقياً

وفِكراً نيّراً

تقبلي ودي ووردي








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-11-2008, 04:32 PM   رقم المشاركة : 3
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!




مناجاة الله


لا أدرى من أين أبدأ هنا

هل من إشراقة قلمك أستهل كلماتى

أم من سحر غروب مفرداتك

حقيقة استوقفنى قلمك كثيرا

وكدت أن أصفق له بروحى

بل حيرة انتابتني

أأقف له احتراما

أم أنحنى له تبجيلا


الرائعة مناجاة الله


شرف لى أن تحمل صفحاتك

تواضع توقيعي






لى عودة








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-11-2008, 08:39 PM   رقم المشاركة : 4
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

بون بون

سعيدة بك وبروعة حضورك المميز

لك محبتى وتقديرى لطلتك المشرقة








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 11-11-2008, 08:47 PM   رقم المشاركة : 5
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

أسامة صلاح

تشريف اسمك على متصفحى

تاج تتزين به الكلمات لتزداد قيمة وجمالا

تأكد دوما فى انتظاركــ








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 12-11-2008, 12:19 PM   رقم المشاركة : 6
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه . وبعد . . ،




أصول الأسرة الزنكية :


ينتمي عماد الدين بن آق سنقر بن عبدالله آل ترغان إلى قبائل (السبا يو) التركمانية وقد حظي والده أبو سعيد آق سنقر الملقب بقسيم الدولة، والمعروف بالحاجب ، باهتمام المؤرخين بسبب الدور الذي لعبه على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية للدولة السلجوقية ، وكان آق سنقر من أصحاب السلطان ملكشاه الأول و أترابه ، وقيل إنه كان لصيقه، ومن أخصَّ أصدقائه ، فقد نشأ الرجلان وترعرعاً معاً، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجباً له، وحظي عنده فكان من المقرّبين وأنسن إليه، ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته .


أولاً : مكانة آق سنقر عند السلطان ملكشاه :


من أقوى الدلائل على الحظوة التي حازها آق سُنقُر عند السلطان، منحه لقب "قسيم الدولة"، وهذا يعني الشريك، وكانت الألقاب في تلك الآونة مصونة لا تعُطى إلا لمستحقيها ويبدو أنه قاسم ملكشاه شؤون الحكم والإدارة، بالإضافة إلى ذلك، فإن آق سُنْقُر كان يقف إلى يمين سدة السلطنة ولا يتقدمه أحد، وصار ذلك أيضاً لعقبه من بعده .

والراجح أن منح آق سُنقُر هذه اللقب يعود إلى ثلاثة أسباب :


1- محبة السلطان ملكشاه له ودعمه أياه.

2- انتسابه إلى قبيلة تركية لها مكانتها وأهميتها بين القبائل السلجوقية الحاكمة، وأنه كان ذا مكانة رفيعة فيها.

1- أنه أدّى خدمات جليلة لمكشاه، استحقت منحه هذا اللقب .


واشترك أق سنقر إلى جانب السلاجقة في معارك عديدة، فقد سيره ملكشاه عام 477ﻫ مع عميد الدولة بن فخر الدولة في محاولة للاستيلاء على الموصل وطرد العقيليين منها، وقد تمكنا من إنجاز هذه المهمة ، وبعد مرور سنتين اشترك مع السلطان ملكشاه في انتزاع حلب من نواب العقيليين فولاه إياها تقديراً لجهوده وقد تسلم آق سنقر منصبه في حلب وأعمالها، كمنيع واللاذقية وكفر طاب واستطاع أن يوسع نطاق ولايته بالاستيلاء على حمص عام 483ﻫ، وحصن أفاميه عام 484ﻫ. كما فرض طاعته على صاحب شيرز عام 481ﻫ، وفي عام 485ﻫ اشترك مع ملكشاه في مهاجمة العقيليين والانتصار عليهم قرب الموصل وظلت علاقة آق سنقر بالسلطان ملكشاه قائمة على الطاعة والتفاهم المشترك، ولم يسع يوماً إلى الخروج على أوامره ورفض السلطان بدوره الاستجابة لشكاوى معارضي آق سنقر أو إقرار مساعيهم للتخلص منه .



ثانياً : سياسة آق سنقر في حلب الداخلية :


بدأت، مع تولي آق سنقر الحكم في حلب، مرحلة جديدة من حكم السلاجقة المباشر لهذه المدينة، وانتهى حكم القبائل العربية لهذه الإمارة وأزيحت عن مسرح الأحداث في شمالي بلاد الشام، ويُعدُّ سُنْقُر أول حاكم سلجوقي لإمارة حلب بعدما كانت سنوات طويلة من التمزق والحروب بين القبائل العربية فيما بينها، ثم بينها وبين التركمان القادمين من الشرق، ودام حكمه ثماني سنوات تقريباً كانت مرحلة هامة في تاريخ الإمارة والمنطقة بفعل أنها أحدثت تغييرات أساسية شملت كل جوانب الحياة ، لقد تسلم آق سُنقر الحكم في ظل حالة من الفوضى التامة بفعل عاملين دخلي وخارجي، يتمثل الأول بصراع الحكام، وتدبيرهم المؤامرات، واستعانتهم بالقوى الكبرى في المنطقة كالخلافة العباسية في بغداد، والدولة الفاطمية في مصر بالإضافة إلى الدولة السلجوقية الجديدة الطامعة في التوسع في المنطقة هي :


1- قوة القبائل العربية البدوية وبخاصة الكلابيين العقيليين والمرداسيين لاستعادة نفوذها المسلوب.

2- قوة التركمان المدمرة التي كانت تغير على المنطقة.

3- قوة الدولة البيزنطية التي كانت تستغل الصراعات الداخلية لاستعادة نفوذها المفقود.


شهدت حلب نتيجة ذلك أوضاعاً من عدم الاستقرار السياسي انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية فيها في خضم هذه الصراعات، تغافل الحكام عن الاهتمام بالشؤون الداخلية للسكان، كما أهملوا تطوير الحياة الاقتصادية، مما أدَّى إلى تراجع واردات البلاد وعمدوا إلى استنزاف السكان بفرض ضرائب أخرى وأتاوات باهظة، كلما أعوزهم المال، حتى أثقلوا كاهلهم، فتذمروا من سوء الأوضاع، وكثر انتشار اللصوص وقطاع الطرق، مما أدَّى إلى انعدام الأمن على الطرق، فتعطلت الحركة التجاري، وقلَّت السلع في الأسواق، وتراجعت موارد الزراعة لعدم تمكُّن الفلاحين من القيام بالحرث والزرع وجني المحصول فبرزت في هذه الظروف الصعبة، منظمة الأحداث التي أخذت على عاتقها رعاية مصالح أفرادها ومقاومة التعديات الخارجية وضع آق سنقر نصب عينيه هدفاً راح يعمل على تحقيقه، تمثل في إعادة الأمور إلى نصابها ولذلك شرع في :

1- إقامة الحدود الشرعية وطارد اللصوص وقطاع الطرق وقضى عليهم وتخلص من المتطرفين في الفساد، كما قضى على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد، وعامل أهل حلب بالحسنى حتى " توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر " .

2- كتب إلى عمال الأطراف، لم يكتف آق سُنقُر بحصر تدابيره الإصلاحية في حلب بل كتب إلى عمال الأطراف التي خضعت لحكمه أن يحذو حذوه، وتابع أعماله بنفسه.

3- وأقرّ قسيم الدولة مبدأ المسؤولية الجماعية، فإذا تعرض أحد التجار للسرقة في قرية ما، أو إذا هوجمت قافلة أو نهبت، فإن أهل القرية التي جرت الحادثة فيها يكونون مسؤولين جماعياً عن دفع قيمة الضرر اللاحق بهؤلاء ونتيجة لهذا المبدأ، هبَّ سكان القرى لمساعدة الحكام في فرض الأمن، فإذا وصل تاجر إلى قرية أو مدينة، وضع أمتعته وبضاعته إلى جانبه ونام وهو مطمئن، بحراسة أهلها، وهكذا شارك السكان بتحمل المسؤولية في حفظ الأمن حتى أمنت الطرق، وتحدث التجار والمسافرون بحسن تدابيره وسيرته .


ونتيجة لاستتباب الأمن في كافة أرجاء إمارة حلب، نشط التجارس، وامتلأت الأسواق بالبضائع الواردة إليها من كل الجهات واستقر الوضع الاقتصادي، وتداعى الناس إليها للكسب فيها والعيش برغد. وقد اعترف المؤرخون بحسن سياسة آق سُنقُر الداخلية، والأمنية، وأجمعوا على مدحه.

- قال ابن القلانسى : وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين، فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر ... فعمرت السابلة للمترددين من السفار وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار .

- وقال ابن واصل : ورخصت الأسعار في أيام الأمير قسيم الدولة وأقيمت الحدود الشرعية، وعمرت الطرقات وأمنت السبل، وقتل المفسدون بكل فج، وكان كلما سمع بمفسد أو بقاطع طريق أمر بصلبه على أبواب المدينة .

- وقال ابن الأثير : ... وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظاً لهم، وكانت بلاده بين رخص عام، وعدل شامل وأمن واسع .

- وقال عنه ابن كثير : .. بأنه كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة وكان الرعية في أمن وعدل ورخص .

وأما من حيث إنجازاته العمرانية، فقد جدَّد عمارة منارة حلب بالجامع عام (482ﻫ/1089م) واسمه منقوش عليها إلى اليوم وفي ذلك قصة لطيفة ذكرها بن واصل مفادها : في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أسس القاضي أبو الحسن بن الخشاب منارة حلب، وكان بحلب بيت معبد نار، قديم العمارة، وصار بعد ذلك أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته، وبنى بها المنارة، فأنهى بعض حُسَّاده إلى الأمير قسيم الدولة خبره، فغضب على القاضي ابن الخشاب، وقال : هدمت معبداً هو لي وملكي فقال : أيها الأمير، هذا، معبد للنار، وقد صار أتوناً ، فأخذت حجارته لأعمَّر بها معبداً للإسلام، يُذكر فيه الله وحده لا شريك له وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك، فإن رسمت غرمت ثمنه لك، ويكون الثواب لي، فعلّت فأعجب الأمير كلامه، واستصوب رأيه وقال : بل الثواب لي، وأفعل ما تريد فشرع في عمارة المنارة في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة .




ثالثاً : سياسته الخارجية :


عادت سياسة أق سنقر الحازمة بنتائج هامة على المنطقة، فساد الأطمئنان، وأمنت الطرق وانتشر العمران، فانتعشت التجارة، وقد بلغ من سيطرة آق سنقر على الأمن في قرى حلب وضياعها أن أرسل من ينادي فيها أن لا يغلق أحد بابه، وأن يتركوا آلاتهم الزراعية في أماكنها ليلاً ونهاراً ، ومن ثم جاءت شهرته بناء على ما أنجزه في هذا المجال وبعد أن نظم قسيم الدولة إمارته الداخلية، وحقَّق الأمن والاستقرار أراد أن يقوم بدور خارجي وكانت بلاد الشام، عبر تاريخها، عرضه للنزاعات من أجل السيطرة بين الشمال والجنوب. وقد مثَّلت دمشق، منُذ القرن السابع الميلادي، الجنوب، في حين مثَّلت حلب الشمال وكانت المفارقات بين الشمال والجنوب في بعض الأحيان اجتماعية واقتصادية ولكن غالباً ما كانت سياسية، حيث حاول حكام دمشق من جهتهم، وحكام حلب أيضاً مَّد سيطرتهم كلياً على بلاد الشام، وتبعاً لهذه القاعدة حدث صراع بين تُتُش وآق سُنْقُر، فقد وقف في وجه تُتش الطامع في بلاده، وأن يتوسع على حساب جيرانه، وبدا له قبل الإقدام على تنفيذ هذا المشروع أن ينشىء جيشاً منظماً يعتمد عليه في حروبه وشرع في ذلك وكانت نواة هذا الجيش تمثَّلت بالقوة التي تركها ملكشاه معه عندما رحل عن حلب وتعدادها أربعة آلاف مقاتل، ثم تعَّدت الستة آلاف . وقد اعتمد آق سُنْقُر على نوعين من القوات العسكرية.


* النوع الأول : القوات الاحتياطية التي كان يزداد عددها باستمرار، وهي تنتمي إلى العنصر التركي.

* النوع الثاني : القوات الاحتياطية التي كان يجمعها حين يحتاج إليها، وكانت خليطاً من العرب والتركمان وغيرهم، وقد وصل عددها في المعركة التي خاضها ضد تُتش إلى عشرين ألفاً وكان تتش قد جهد منذ أن أصبح حاكماً على دمشق في عام 470ﻫ /1077م في العمل على
:

* بسط سلطانه على كامل بلاد الشام، وبخاصة المدن الساحلية التي كانت تدين بالطاعة للدولة الفاطمية، أو تُحكم من قبلها.

* إنشاء دولة أخرى للسلاجقة في هذه البلاد يتولى تحكمها بمعزل عن السلاجقة العظام في خراسان، إلا أنه فشل في تحقيق الهدف الأول، ونجح في تحقيق الثاني إنما بعد وفاة ملكشاه الأول على أن الأوضاع التي آلت إليها البلاد لم تُرضِ تتش، فلجأ إلى السياسة وطلب من أخيه في عام (480ﻫ /1087م) تزويده بقوات ومعدات تمكنه من طرد الفاطميين من بلاد الشام وإخضاعها كلها لسلطان السلاجقة، بما فيها المدن الساحلية، والواقع أن ملكشاه الأول كان يخشى تمدداً فاطمياً باتجاه الأملاك السلجوقية في بلاد الشام والعراق، لذلك لبَّى طلب أخيه، وأمر كل من قسيم الدولة صاحب حلب، وبوزان صاحب الرها، بأن يقَّدما له كل ما يحتاجه في مهمته من عساكر وتجهيزات ويبدو أن الحاكمين لم ينفذَّا الأوامر السلطانية. فلم يذهب آق سنقر بعيداً في مساعدة تُتش وهو يعلم مدى خطورة أطماعه، وكذلك فعل بوزان. ومن جهته، فإن تُتُش لم يقم بأي عمل عسكري جدَّي ضد مدن الساحل، ولكن الأوضاع تبَّدلت في عام (482ﻫ/1089م) حين استولى الفاطميون على عكا وصور وصيدا وجبيل، كما أنه وصل إلى المعسكر الفاطمي، في غضون ذلك، خلف بن ملاعب صاحب حمص وأفامية ، فاجتمع بالقائد الفاطمي واعترف له رسيماً بسلطان الفاطميين وسيادتهم عليه ، مما شكل تهدياً مباشراً لسلطان السلاجقة في بلاد الشام ونتيجة لما اتفق عليه الطرفان من بسط السيادة الفاطمية على كامل بلاد الشام قام خلف بن ملاعب بالاعتداء على أراض تابعة لتتش مما دفعه إلى الاستنجاد مجدداً بأخيه. كما أن الحكام السلاجقة في هذه البلاد شكوا إلى السلطان اعتداءات أمير حمص، وكذلك فعل السكان بفعل أنه اتصف بالظلم، ونظراً للأوضاع الخطيرة التي باتت عليها بلاد الشام، أمر السلطان أخاه تُتُش بتأديب ابن ملاعب، وطرد الفاطميين من البلاد وضمَّها إلى الأملاك السلجوقية، وطلب في الوقت نفسه، من ولاته فيها بالتحرك السريع لمساعدته انزعج كلُّ من آق سُنْقُر وبوزان من قيادة تُتُش لهذه الحملة وأدركا أنه سوف ينفرد بحكم ما سيتولى عليه، فخرجا مكرهين غير مقتنعين بمساعدته. وصلت القوات المتحالفة إلى حمص عام 483ﻫ/1090م وحاصرتها وضيَّقت عليها حتى استسلمت، وقبض على ابن ملاعب، وأرسل إلى السلطان ملكشاه الأول ، وانكشفت في غضون ذلك أطماع الأطراف المتحالفة، فقد طلب كل من الأمراء حمص لنفسه وكتب إلى السلطان بذلك، فأنعم بها على أخيه .



1- موقف آق سنقر من تتش :


في عام 484ﻫ نزل تتش بجيوشه على طرابلس وكان بها قاضيها وهو صاحبها واسمه جلال الملك بن عمار ونصبوا المجانيق فاحتج عليهم ابن عمار وأظهر لهم منشور السلطان ملكشاه باقراره على طرابلس، فلم يقبل منه تتش ذلك وتوقف آق سنقر عن قتاله فقال له تتش : أنت تتبع لي فكيف تخالفني فقال أنا تبع لك إلا في عصيان السلطان، فغضب تاج الدولة تتش ورجع إلى دمشق وآق سنقر إلى حلب .

وأدرك آق سنقر أن سياسته العدائية تجاه تُتُش تفرض عليه منعه من ضم أي مدينة إلى أملاكه، لذلك جهد، أثناء عودته إلى حلب، في ضمَّ المواقع التابعة لخلف ابن ملاعب ومنها أفامية التي سلّمها إلى منقذ صاحب شيزر ، وقد هدف من ذلك إلى أمور منها.


أ- إقامة منطقة حاجزة بين أملاكه في شمالي الشام، وأملاك تتش في الجنوب واعتقد أن إمارة بني منقذ في شيزر بإمكانها أن تقوم بهذا الدور.

ب- حرمان تُتُش من ضّم إمارة بنى منقذ، وبالتالي إبعاده عن منطقة حلب.

ت- إيجاد حليف قوي يعتمد عليه في صراعه مع تُتُش.

ث- إبعاد بني منقذ عن التحالف مع تُتُش .


والواقع أن ملكشاه وقف على هذا الصراع على النفوذ في بلاد الشام فعمد إلى وضع حَّد له، فاستدعى في شهر رمضان عام 484ﻫ/ شهر تشرين الأول عام 1091م، جميع ولاته في بلاد الشام والجزيرة بإلاضافة إلى أخيه تُتُش، ليبحث معهم مشاكل وقضايا مناطقهم ، واستغل تُتُش وجوده عند أخيه وعرض خلافه مع آق سُنْقُر، واتهمه بعدم الإخلاص للقضية السلجوقية، وقام آق سنقر يدافع عن نفسه متهماً تُتُش بالكذب واستطاع إقناع السلطان بوجهة نظره، فرفض إتهام أخيه له كما رفض مساعيه للتخلص منه .


2- دعم آق سنقر للسلطان بركيارق :


ظلت العلاقة الطيبة، قائمة بين آق سُنقر وملكشاه، طيلة حياة هذا الأخير ولما توفي عام 485ﻫ/1092م طلب تُتُش السلطنة لنفسه في ظل صراع على السلطة بين أولاد السلطان المتوفى، وتجهّز للزحف شرقاً لإخضاع البلاد لسلطانه، وكاتب كلاً من آق سُنْقُر وبوزان يطلب مساعدتهما ، واستجابوا لذلك واشتركوا في حرب إبراهيم بن قريش صاحب الموصل لأنه رفض الخطبة في الموصل لتتش، ورفض أن يعطيه طريقاً إلى بغداد فهزم صاحب الموصل وأخذت منه، ساروا إلى ميافارقين فملك تُتُش سائر ديار بكر ثم سار تُتش إلى أذربيجان وكان بركيارق بن ملكشاه قد قوى أمره وصارت بيده الري وهمذان فسار ليمنع عمه ، ولما علم تُتُش بذلك قرر الإسراع في زحفه باتجاه خراسان لمحاربة ابن أخيه، وعندما وصل إلى مدينة تبريز ، حدثت المفاجأة إذ تخلَّى عنه آق سُنُقر وبوزان وانضما إلى بركيارق عند مدينة الري فقوى موقفه بهما وكان هذا الإنسحاب محطماً لخطة تُتُش ويبدو أن هناك عدة أسباب دفعت آق سُنْقُر إلى هذا التصرف لعل أهمها :



أ- كان تُتُش منافساً خطيراً لآق سُنْقُر، وأن تأييده له حتَّمه واقع الظروف السياسية التي كان يمر بها.

ب- رأى آق سُنْقُر أن تبقى السلطنة محصورة في أبناء سيده ملكشاه الأول وفاء منه له.

ج- شعر قسيم الدولة بأن تتش يُقَّرب ياغي سيان صاحب أنطاكية، ويميل إليه وقد يعتمد عليه في حكم بلاد الشام في المستقبل ومهما يكن من أمر، فقد أدرك تُتُش حرج موقفه، وضعف قواته بعد الإنسحابات التي حصلت في صفوفه، فاضطر إلى التوقف عن الزحف وقتال بركيارق، وآثر الإنسحاب إلى الشام، فعاد أدراجه نحو ديار بكر، وتوقف في الرحبة، ثم حدث أن أقنع كل من آق سنقر وبوزات السلطان بركيارق بألا يترك تُتُش وشأنه وحذَّراه من أطماعه، وأشار عليه بمطاردته وفعلا تحرك الجميع باتجاه الرحبة، فلما علم تُتُش بذلك تركها واجتاز الفرات قاصداً أنطاكية التي بقي فيها مدة ثم عاد إلى دمشق ، وفي الرحبة عقد اجتماع رباعي ضم السلطان بركيارق وآق سُنقُر وبوزان وعلي بن مسلم بن قريش العقيلي، تمخَّض عن عقد تحالف بين الحاكمين السلجوقيين من جهة والأمير العقيلي من جهة ثانية، تحت إشراف السلطان، هدفه الوقوف في وجه تُتُش، وعاد السلطان إلى بغداد، بعد أن ترك قوة عسكرية بتصرف آق سُنْقُر، في حين عاد بوزان إلى الرها، وآق سُنقُر إلى حلب، فوصل إليها في شهر ذي القعدة عام 486ﻫ شهر تشرين عام 1093م، وهكذا قام آق سُنْقُر بدور بارز في إفشال مخططات، تتش ومنعه من الحصول على السلطنة، وساعد بركياروق على الاحتفاظ بها، مدركاً في الوقت نفسه، أن صاحب دمشق سوف ينتقم للضربة التي وجهت إليه، فأخذ يستعد للتصدي له وانتزاع دمشق منه هذه المرة، فطلب المساعدة من السلطان بركيارق فأمده بكر بوغا، واستنجد بمن جاوره من الحكام أمثال بوزان حاكم الرها، ويوسف بن آبق حاكم الرحبة، كما انضم إليه جماعة من بني كلاب وأحداث حلب
.



3- مقتل آق سنقر :



كان أول ما فكر فيه تُتُش عند عودته إلى دمشق هو الانتقام من آق سُنقُر وبوزان بعد أن تخليا عنه في وقت الشدة ، فأخذ يستعد لقتالهما، وتحالف مع ياغي سيان صاحب أنطاكية بعد أن زوَّج ابنه رضوان من ابنته كما جند قوات إضافية من بني كلاب، والتقى الجيشان يوم السبت في التاسع من شهر جمادي الأول / شهر آيار ) عند تل السلطان ، القريب من حلب، ويبدو أن آق سُنْقُر لم يثق بمن كان معه من العرب، فنقلهم من الميمنة إلى الميسرة ثم إلى القلب والراجح أن هذا التبديل في المواقع العسكرية أثر على قدراته القتالية، فدارت الدائرة عليه، ووقع أسيراً في يد تُتُش ، فسأله تتش : لو ظفرت بي ما كنت صنعت بي قال : كنت أرى قتلك قال : فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي فقتله صبراً وتسلم قلعة حلب الاثنين 11 جماد الأولى ودفن آق سنقر خارج حلب ثم لما ملك عماد الدين نقل بقايا أبيه فدفنها بجانب المدرسة الرجاحية في حلب.



نشأة عماد الدين زنكي وأسرته :



نشأته :


ولد عماد الدين زنكي سنة 477 وكان أبوه من كبار قادة ملكشاه حتى لقب بقسيم الدولة وكان الابن الوحيد لهذا القائد العظيم في الدولة السلجوقية وتولى والده آق سنقر حلب سنة 479 أي بعد سنتين من مولده، فكانت حلب مهد طفولته وقضى بها أيامه الأولى



تربية والده له :



عاش زنكي كنف والده مدة عشر سنوات تكونت خلالها الخطوط العريضة لشخصيته وتشرب من أبيه أخلاقه وصفاته، ولا شك أن والده دربه على الفروسية منُذ نعومة أظفاره، ليكون نعم الوارث لمركزه وقد دربه على ركوب الخيل ورمي السهام، وعوده على الصبر من المشاق في الحرب وممارستها، وقد أثبتت الأحداث اللاحقة حسن تربية والده له، فقد تميز بالشجاعة التي تبلغ حد الذروة فهو يهاجم مع مودود طبرية وينهزم الصليبيون، ويلحقهم المسلمون وعماد الدين في المقدمة، ولا يتلفت إلى الوراء، ليتأكد من لحاق أصحابه به، ويصل إلى باب طبرية ويحارب الأفرنج عليه ويبدي شجاعة فائقة وينسحب ويحسن الانسحاب عندما لا يرى حوله أحداً، فيعجب الناس من رجوعه سالماً، كما عجبوا من شجاعته ، وورث عن أبيه آق سنقر القوة التي تعرف العطف والتي لا تبقى على عدو خطر، وورث عنه التخطيط الذي يؤدي إلى حتف الخصم الذي رسمه له زنكي.




والدته :



توفي والده وعمره عشر سنوات ولكن أمه عاشت حتى رأت ابنها يرث أبيه ويحكم الموصل وقرت عينها إذا رأته في السنة التي توفيت فيها يحاصر دمشق التي قتل صاحبها تتش زوجها آق سنقر فقد توفيت 529 بالموصل وكانت هناك أسطورة أوروبية سورية أن أتابك الموصل من أصل فرنجي ويفترض أن أمه كانت الأميرة الجميلة النمساوية التي أسرت وقضيت بقية أيامها في حريم آقسنقر وإن أمرأة عظيمة أوروبية تستطيع أن تلد مثل هذا البطل. لكن هذه القصة غير صحيحة لأن أباه اقسنقر مات قبل سنوات من حدوث الكارثة الغزو الصليبي ولا يذكر لنا المؤرخون اسماً لوالدته ولا أصلها حتى نستطيع أن نتعرف على أسباب اكتسابه اللون الأسمر مع أن المشهور عن الأتراك اللون الأبيض فلعله ورث هذه الصفات عن والدته.




زوجات عماد الدين :



أ- تزوج زنكي أكثر من واحدة فمن زوجاته التي ذكرها المؤرخون زوجة الأمير كندغدي. وقال السلطان محمود قد زوجتك امرأة الأمير كندغدي من أكابر أمراء السلطان محمد، والسلطان محمود، واتفق أنه مات وترك ولداً صغيراً وزوجة ومن المال والبرك (المتاع الخاص من ثياب وقماش وسلاح) مالاً يقدر عليه إلا السلطان فطلب من عماد الدين أن يتزوجها وأرسل إليها، يقول لها إنني زوجتك بعماد الدين زنكي فامتنعت ثم أجابت، فركب زنكي من غد دخوله بها ومعه ولد كندغدي وهو في موكب عظيم من أصحابه وأصحاب كندغدي وأخرجت له زوجته من الخيام والبرك ما ليس لأحد من العسكر مثله.

ب- الزوجة الثانية : خاتون ابنة الملك رضوان، كان زواجه بها زواجاً سياسياً، فقد تزوجها ليصبح له الحق والشرعية في حكم حلب ، ولكنه هجرها بعد أن رأى ثياب أبيه اقسنقر الذي قتله جدها تتش وطلقها بتدخل القاضي أبي غانم قاضي حلب ، وكان زواجه بها سنة 522 على رأي حسن حبشي وسنة 523ه في رأي ابن العديم.

ج- الزوجة الثالثة : صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي، تزوج صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي سنة 529 والظاهر أن زواجه منها كان ليمكن نفوذه في تلك المنطقة، فقد كان زنكي في السنة السابقة لهذا الزواج في حرب وكان حسام الدين تمرتاش معه في حربه ضد داود بن سكمان بن أرتق وربما أراد بالمصاهرة أن يضم خلاط إليه وتقوية جبهته في تلك المنطقة، ولا سيما أنه في سنة زواجه كان في حرب في تلك الجهة فاستولى على الصقر وشوش.


د- الزوجة الرابعة : ابنة تمرتاش.



ه- الزوجة الخامسة : خاتون بنت جناح الدولة حسين، وكان زواجه منها سنة 531 وفي هذه السنة كانت فترة نشاطه في حمص، فقد حاصرها حصاراً شديداً ولا يستبعد أن يكون زواجه بها ليكتسب شرعية أخذه حمص من دمشق، لأنها الوارثة لها بعد والدها وليضم إليه أنصار والدها ويساعدوه على أخذ المدينة.

و- الزوجة السادسة : تزوجها سنة 532 وهي صفوة الملك ابنة الأمير جاولي أم شمس الملوك إسماعيل وإخوته بني تاج الملوك وهي أخت الملك دقاق لأمه ، وقد كان زواجه منها في أمل أن يمتلك دمشق فلما لم يحصل له ملك دمشق أعرض عنها ، ونلاحظ أن موضوع زوجات زنكي قد حظي باهتمام عدد من المؤرخين وأغلب الظن أن سبب ذلك يعود إلى العلاقة الوثيقة بين معظم عقود الزواج التي قام بها وبين مشاريعه السياسية والعسكرية وكان زنكي يعتمد رابطة الزواج لتحقيق بعض أهدافه السياسية والعسكرية، وأنه تمكن بهذا الأسلوب من توثيق علاقاته بعدد من الحكام والأمراء، الأمر الذي ساعده إلى حد كبير في تنفيذ خططه الرامية إلى توحيد القوى الإسلامية لمواجهة الخطر الصليبي.




أبناؤه:



سيف الدين غازي وهو الأكبر، نور الدين محمود، قطب الدين مودود، نصرة الدين أمير أفيران. وجميع أولاده ظهرت عليهم النجابة مما ورثوه من والدهم وكانوا ذوي أخلاق حميدة، وشجاعة فائقة، وخاصة نور الدين محمود، وسيف الدين غازي، وقطب الدين مودود فأخبار شجاعتهم مشهورة، ونلاحظ من أسماء أولاد زنكي اسم مودود فقد يدل على أعجاب زنكي بالأمير مودود وهناك غازي واسمه يدل عليه أما محمود فإنه يطابق اسم أحد السلاطين السلاجقة ممن خدمه زنكي. وقد خصص زنكي لتربية أولاده عليا بن منصور السروجي، وكان أديباً شاعراً خطاطاً وعندما كبر سيف الدين غازي أرسله أبوه لخدمة السلطان مسعود فتلقاه بالحفاوة والتقدير، ورتب في خدمته عشرة من الحراس وقد بقي سيف الدين هناك حتى قبيل مقتل أبيه بوقت قصير وأما نور الدين محمود فقد نشأ تحت رعاية والده، وتعلم القرآن الكريم والفروسية والرمي ، ولما جاوز صباه لزم خدمة أبيه حتى مقتله ، وهكذا كان زنكي يعد أولاده لتحمل المسؤوليات الإدارية والعسكرية في المستقبل، وما يقال عن غازي ومحمود يمكن أن يقال عن ابنيه الآخرين أميران ومودود.



تطور شخصية عماد الدين القيادية :



أولاً : بزوغ نجمه السياسي :


كان من العوامل الرئيسية التي ساعدت على ظهور عماد الدين زنكي، منُذ عهد طفولته، ذلك الدور الذي لعبه أبوه آق سنقر في شؤون الدولة السلجوقية السياسية والعسكرية والإدارية في الأعوام (465ﻫ - 487ﻫ) والمكانة التي حصل عليها نتيجة خدماته للسلاطين السلاجقة، وعمله على تدعيم كيانهم، حتى أنه ضحى بحياته – كما رأينا – في سبيل الولاء للسلطان السلجوقي بركيارق، ولم ينس هذا تضحية آق سنقر في سبيل عرشه فجازاه – بعد مقتله – بتوجيه العناية والاهتمام نحو ابنه الوحيد عماد الدين زنكي الذي كان آنذاك في العاشرة من عمره، وكان يقيم في حلب تحت رعاية مماليك أبيه، وأصحابه الذين كانوا يكنون الحب العميق لآق سنقر .



1- مكانة زنكي عند أمير الموصل كربوقا :



لما تولى أمر الموصل قوام الدولة كربوقا سنة 489ﻫ، باسم السلطان بركيارق أولى زنكي اهتماماً خاصاً، وطلب من بعض مماليك والده المقيمين في حلب إحضار عماد الدين إليه وقال لهم : هو ابن أخي وأنا أولى الناس بتربيته، فأحضروه عنده ، ويبدو أن كربوقا أدرك مكانة آقسنقر والد عماد الدين في نفوس كثير من التركمان وعرف ما يكنّون له من الولاء والطاعة، فحرص على أن يضّم إليه ابنه عماد الدين ليحصل على الولاء نفسه الذي يحمله التركمان لوالده، إضافة إلى أن كربوقا أثناء ملازمته لآقسنقر قد أدرك نجابه عماد الدين ومكانته بين مماليك والده، فأراد أن يضمه إلى جانبه للاستعانه به، وبمماليك والده في حروبه ضد خصومه، وربما ليضمن عدم منافسته له مستقبلاً، وقد حظي عماد الدين بمكانة مرموقة عند قوام الدولة كربوقا، وظل عماد الدين زنكي ملازماً له بالموصل إلى أن توفي كربوقا سنة 495ﻫ /1101م .




2- مكانته عند الأمير جكرمش والي الموصل :



بقيت العلاقة طيبة بين زنكي وشمس الدولة جكرمش الذي اعقب كربوقا على ولاية الموصل (495 - 500ﻫ) والذي كان أحد مماليك السلطان السلجوقي ملكشاه وعلى معرفة بالخدمات التي أداها والد زنكي للسلاجقة، ومن ثم توثقت العلاقة بينه وبين زنكي حيث : قربه وأحبه واتخذه ولداً، وظل الأخير ملازماً له حتى وفاته عام 500ﻫ .




3- في عهد ولاية جاولي سقاو على الموصل :



بعد وفاة جكرمش تولى جاولي سقاو (500-502ﻫ) على ولاية الموصل وأن زنكي قد بلغ مرحلة الشباب (وبدت عليه علائم الشهامة) وساد الصفاء علاقاته بالوالي الجديد. إلا أن عصيان الأخير للسلطان محمد عام 502ﻫ وهروبه إلى الشام، دفع زنكي إلى الانفصال عنه وجماعة من كبار الأمراء في نفس الوقت الذي عين فيه السلطان والياً جديداً على الموصل هو الأمير مودود بن التونتكين (502-507ﻫ)، فانضم زنكي ورفاقه إليه. مما كان له أبلغ الأثر في نفس السلطان والوالي الجديد على السواء، الأمر الذي رشحه لأن يكون من كبار أمراء هذا الوالي، وأن يحصل على مزيد من الاقطاعات .



4- ملازمته للأمير مودود في حرب الصليبيين :


لما استقر الأمير مودود بالموصل واتصل به عماد الدين عرف له مكانته بالإضافة إلى منزلة أبيه ولما رأى منه العقل والشجاعة زاد في اقطاعه وشهد زنكي حروبه كلها وخاصة مع الصليبيين في طبرية، وقبل مجئ مودود كان زنكي قد تميز بشجاعته ومقدرته وقد شارك في الغزوات التي قام بها ضد اللاتين ويذكر المؤرخون بكل اعتزاز أن عبقريته كرست للجهاد من السنوات الأولى من عمره ، وقد أظهر في عهد مودود من البطولات في جهاده ضد الصليبيين ما أكسبه شهره واسعة لدى المسلمين وظل ملازماً لمودود حتى مقتله عام 507ﻫ على أيدي الباطنية في جامع دمشق .



5- في خدمة الأمير آق سنقر البرسقي :


عاد زنكي بعد استشهاد مودود إلى الموصل ليلتحق بخدمة الوالي الجديد " جيوش بك " ثم ما لبث أن انضم إلى الأمير آق سنقر البرسقي الذي وجهه السلطان السلجوقي لقتال الصليبيين، في نفس العام، فقاتل في الرها وسميساط وسروج وأظهر من الشجاعة والمقدرة خلال ذلك ما زاد من شهرته لدى المسلمين ، ودفع السلطان محمد إلى أن يطلب من واليه على الموصل تقديم زنكي والرجوع إلى مشورته تقديراً لإخلاصه وقدراته .



6- بعد وفاة السلطان السلجوقي محمد 511ﻫ :


عندما توفي السلطان محمد عام 511ﻫ، سعى "جيوش" إلى استغلال وجود ابنه مسعود – إذ كان أتابكاً له – ودفعه إلى التوجه إلى بغداد لكي ينصب نفسه سلطاناً على سلاجقة العراق – مستهدفاً من وراء ذلك التحكم الفعلي في شؤون الدولة السلجوقية باسم السلطان الجديد، وقد أيد زنكي هذه المحاولة، وسار الوالي ومسعود متوجهين إلى بغداد على رأس حشد من قوات الموصل إلا أن المحاولة أخفقت بعد سلسلة من الحروب والمناوشات شهدتها منطقة بغداد، واستتب الأمر للسلطان محمود الذي أعقب أباه في الحكم . وبعد ثلاثة أعوام حاول جيوش بك أن يثور ثانية ضد السلطان محمود، غير أن زنكي رفض تأييده وأشار على المتمردين : بطاعة السلطان وترك مخالفته وحذرهم عاقبة العصيان. لكنهم لم يلتفتوا إلى قوله، وأقدموا على تنفيذ محاولتهم التي انتهت هي الأخرى بالفشل بعد هزيمة جيوش بك ومسعود على يد السلطان محمود الذي بلغه موقف زنكي منه فقدره حق قدره وأوصى البرسقي والي الموصل الجديد بالعناية به وتقديمه على سائر الأمراء .



7- تولي عماد الدين زنكي إمارة واسط والبصرة :


وعندما عين البرسقي عام 516ﻫ شحنة على العراق رافقه زنكي واشترك إلى جانبه في المعركة التي دارت ضد دبيس أمير الحلة وانتهت بهزيمة البرسقي ، الذي رأى أن يزيد من اعتماده على زنكي في صراعه ضد دبيس – فولاه واسط – ذات الموقع الهام – وكلفه مهمة الدفاع عنها ضد هجمات أمير الحلة. وقد استطاع زنكي أن يسحق في طريقه إلى واسط القوات التي حشدها دبيس للدفاع عن النعمانية، وأن يستولي على هذا الموقع وأظهر زنكي في منصبه الجديد حزماً وكفاءة، وأبان عن مقدرة إدارية فذة ، الأمر الذي دفع البرسقي، حاكم العراق إلى إضافة البصرة إلى ولايته، لكي يصد هجمات الأعراب الدائمة عليها، وينشر الأمن في ربوعها فانتقل زنكي إليها لكي يحقق فيها ما أنجزه في واسط من نشر للأمن وقضاء على الفوضى. وقد تمكن في وقت قصير من أن يتوقف هجمات الأعراب وغاراتهم المتتابعة عند حدها، وأن يجليهم إلى أعماق الصحراء، كما قضى على الفتن التي عمت البصرة، وأظهر مقدرة عسكرية وإدارية كالتي أظهرها في واسط من قبل، مما زاد من مكانته في نظر رجالات الدولة السلجوقية ومن رهبته للأعداء، حتى أن دبيس ابن صدقة – أقوى أمراء الجنوب – تجنب الاصطدام معه، لأنه أدرك أن ليس في طاقته مجابهته والتغلب عليه، وفضل توحيد جهوده ضد الخليفة العباسي في بغداد بدلاً من مقارعة هذا الأمير القدير .



8- دفاع زنكي والبرسقي عن الخليفة المسترشد :



لم يتركا البرسقي وزنكي الخليفة يجابه بمفرده حشود دبيس، فجمعوا قواتهم والتقوا به في مطلع عام 517ﻫ قريباً من الحلة، واستطاعوا – بفضل الله ثم الخطة البارعة التي اتبعها زنكي – أن يلحقوا به هزيمة نكراء، وأن يقتلوا ويأسروا الكثير من جنده، واضطر هو ومن سلم من قواته إلى الفرار، بينما عاد المسترشد وحلفاؤه إلى بغداد يستقبلهم الأهالي هناك استقبالاً حافلاً، بعد خلصوهم من خطر محقق كان يحيق ببغداد ويعرضها للنهب والتخريب ، وكان زنكي – لدى مغادرته البصرة – قد فوض شؤونها لمقدم حاميتها الأمير " سخت كمان " فاستغل دبيس بعد زنكي عنها وهاجمها على حين غرة وتمكن من قتل مقدم حاميتها ونهب أهاليها، لكن زنكي ما لبث أن عاد إلى البصرة ليقر الأوضاع فيها من جديد، فانسحب دبيس من المنطقة واتجه إلى الشام للعمل مع الصليبيين .




9- عماد الدين في خدمة السلطان محمود :



أقيل البرسقي من شحنكية العراق في عام 517ﻫ وأعيد إلى الموصل لقيادة حركة الجهاد ضد الصليبيين، وعين يرنقش الزكوي شحنة بعده ، فأرسل البرسقي إلى زنكي يستدعيه من البصرة ليتجه معه إلى الموصل غير أن الأخير فضل أن يربط مصيره بالسلطان محمود، يصحبه عدد من كبار أمرائه وقرر السلطان محمود تزويجه بأرملة أحد أمرائه الكبار، وتم ذلك في احتفال شهده السلطان وعدد كبير من القادة والمسؤولين الأمر الذي هيّأ لزنكي فرصة الظهور في محيط كبار الأمراء وتعريف رجالات الدولة السلجوقية بمكانته .



10- تكليف السلطان محمود عماد الدين بتوطيد الأمن في البصرة :



غدة البصرة، بعد مغادرة زنكي لها، مسرحاً للفوضى، وهدفاً للنهب والتخريب، وهجمات الأعراب، وبلغ السلطان ذلك فأمر زنكي بالعودة إليها، بعد أن أقطعه إياها عام 518ﻫ وطلب منه اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتوطيد الأمن في المنطقة، كما كلفه مهمة الإشراف على واسط والسعي للدفاع عنها إذا ما فكر الخليفة بإرسال جيش للإستيلاء عليها، إذ كانت هدفاً لمحاولاته التوسعية ، غادر زنكي اصفهان إلى البصرة وباشر مهام منصبه، فأحسن معاملة أهلها واستطاع أن يخلصهم من هجمات الأعراب، وذلك عن طريق تنظيم دوريات عسكرية دائمة للقيام بهجمات مضادة على الأعراب ونصب الكمائن لهم، كما اهتم بالوقت ذاته، بأمور واسط وأخذ يمد السلطان باخبار العراق بحيث لم يخف على الأخير شيئاً من أموره، الأمر الذي زاد من تقديره لزنكي ومن إرتفاع منزلته عنده، ورشحه لمنصب شحنكية
العراق .



11- الصراع بين الخليفة المسترشد والسلطان السلجوقي :



في عام 519ﻫ تدهورت العلاقات بين الخليفة المسترشد والسلطان محمود الذي رأى نفسه مضطراً للتوجه إلى بغداد للحد من مطامح الخليفة وفرض سيطرته المباشرة على العراق. وكان الخليفة قد أرسل بعض جيوشه بقيادة عفيف الخادم للاستيلاء على واسط إلا أن زنكي تمكن من صده والانتصار عليه في المعركة التي دارت بين الطرفين عند مشارف واسط. وفي العشرين من ذي الحجة وصل السلطان إلى بغداد وأرسل إلى الخليفة يطلب منه إقرار الصلح فرفض الأخير طلبه، الأمر الذي أدى إلى نشوب القتال بين الطرفين وقد رأى السلطان أن يعتمد على زنكي في صراعه هذا فأرسل إليه يأمره بالحضور إلى بغداد على رأس قواته وأن يجلب معه ما يستطيع من زوارق حربية وسفن، فنفذ زنكي الأمر، وجمع عدداً كبيراً منها، أثر جولة قام بها في مناطق العراق الجنوبي لهذا الغرض، وبعد أن ملأها بالمقالة اتخذ طريقه إلى بغداد، وما أن بلغ الخليفة نبأ تقدم زنكي بقواته الحاشدة براً ونهراً، حتى أدرك أن ليس في طاقته الصمود طويلاً أزاء شروط السلطان، وأن بغداد مقبلة على حصار شديد في البر والنهر، فأرسل إليه يعلن موافقته على الصلح، ومن ثم دخل السلطان بغداد حيث تمت المصالحة وساد الوئام . وهكذا لعب زنكي دوراً حاسماً في وضع حد للصراع بين السلطان والخليفة والذي كان من المحتمل أن يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها .



12- تولي عماد الدين شحنكية العراق :



ولما أراد السلطان محمود الرحيل نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق، وبغداد، ويأمن معه من الخليفة ويضبط الأمور فلم ير في امرائه وأصحابه من يصلح لسد هذا الباب العظيم ويرفع هذا الخرق من الاتساع وتقوى على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي فولاه شحنكية العراق مضافاً إلى ما بيده من الأقطاع وسار السلطان عن بغداد ، وقد أطمأن إلى نفوذه في العراق، بعد أن أناب عنه الرجل الذي يستطيع أن يقوم بمهام منصبه خير قيام وأصبح عماد الدين منُذ ذلك التاريخ يصرف الأمور ولا في بغداد وحدها بل في سائر جهات
العراق .




ثانياً : دور الفقهاء في تعيين عماد الدين على الموصل :



عندما توفي أمير الموصل عز الدين البرسقي عام 521ﻫ/1127م تولى أمرها أخ صغير له تحت وصاية مملوك تركي يدعى جاولي، أدرك الفقهاء أن ضعف الموصل لابد وأن يؤثر على حلب وبلاد الشام في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الصراع، إذ أن ذلك الفراغ السياسي، وعدم وجود قيادة عسكرية قوية في الموصل لابد وأن يلقى انعكاساً على الصراع الصليبي الإسلامي ، ولذلك قامت عائلة الشهر زوري المعروفة بالعلم والصلاح بدور كبير في تنصيب عماد الدين زنكي في الموصل لكونه قائد عسكري قوي. حقيقة أن جاولي قام بإرسال القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهر زوري، ونائب عز الدين البرسقي صلاح الدين محمد الياغيسياني إلى بغداد، التي كان بها السلطان محمود السلجوقي، وذلك الولاية في الموصل لأخ عز الدين الصغير حتى يظل يسيطر باسمه على الحكم فيها بصفة الوصاية عليه، إلا أن القاضي ورفيقه أدركا ذلك الهدف وإنهما ليس في نيتهما تحقيق هدف جاولي، لاعتقادهما بعدم كفاءته لذلك الظرف الصعب، حيث كانا على معرفة بطباعه وتصرفاته التي لا يرضيان عنها، ويبدو في الوقت نفسه كانا على علاقة متينة بعماد الدين زنكي حيث خططا معاً في أن يتمكنا من إقناع ذلك السلطان لتولية الموصل وحلب، حرصاً منهما على عدم ضياع البلاد الإسلامية وخاصة الموصل في أيدي الصليبيين ، وبوصول القاضي ورفيقه إلى بغداد اتصل صلاح الدين محمد بأحد أقربائه في بغداد نصر الدين جقروا حيث كان بينهما مصاهرة واجتمعوا به وقرروا أن جاولي لا يصلح لحفظ البلاد لأنه كان سيء السيرة ، وأخذ القاضي الشهرزوري على عاتقه حمل الأمانة وقول الحق، فاجتمع هو وصلاح الدين الياغيسياني بوزير السلطان السلجوقي . وقالا له : قد علمت أنت والسلطان السلجوقي أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها وقويت شوكتهم بها واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين ، ويتضح من خلال حديث القاضي بهاء الدين الشهرزوري مبلغ تخوفه من سيطرة الصليبيين على أراضي الإسلام وخشيته من اتساع الرتق باستيلائهم على المزيد منها، وحاجة البلاد إلى الرجل المناسب لوقف التوسع الصليبي والتصدي له. فاستطرد قائلاً : ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذي رأي وتجربة يذب عنها ويحمي حوزتها ومن عمق إحساسه بالمسؤولية أمام الله والعباد نراه يقول : وقد أنهينا الحال إليك لئلاً يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين، فنحصل نحن بالإثم من الله واللوم من السلطان ، وهذا يعطينا درساً مهماً في دور هذا الفقيه الذي وضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار ولم يتأثر بترغيب ولا ترهيب من حاكم الموصل الذي أرسله للسلطان السلجوقي، كما أن في اختيار كمال الدين الشهر زوري لعماد الدين زنكي تزكية له من بين بقية الأمراء في ذلك العهد. وقام وزير السلطان شرف الدين أنو شروان بن خالد بتوصيل مطلبهما وحال بلاد الشام إلى السلطان محمود. وبواسطه ذلك الوزير اقتنع السلطان برأيهما وحالهما. وتحقق هدفهما عندما استشارهما فيمن يفضلون لولاية الموصل، ويبدو أن القاضي الشهر زوري ورفيقه أشارا عليه بمجموعة من القادة المسلمين من بينهم عماد الدين زنكي حتى لا يشك في أمرهما وإصرارهما عليه إلا أنه أختارا عماد الدين بإيعاز من وزيره أنوشروان وعينه والياً على الموصل ، وهنا يظهر دور العالم القاضي بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري في اختيار القائد الأفضل لقيادة القوى الإسلامية نحو مواجهة الغزو الصليبي حتى كان لهذا الاختيار أثره في إرساء حجر الجهاد في المشرق الإسلامي حيث تمكن من خلاله غرس نواة الوحدة مع حلب عندما أخذها ورحب به أهلها عام 521ﻫ/1127م لأن موقع حلب الاستراتيجي بين بلاد الشام، ومناطق أعالي الفرات هو الذي جعلها في قلب الأحداث آنذاك حتى أن ذلك الأمير عماد الدين قد أدرك أهمية ذلك الموقع بالنسبة لبلاد الشام والموصل والجزيرة الفراتية وتمنى لو أخذها المسلمون قبل أن يدخلها الصليبيون .

إن هذا العدو قد طمع في البلاد وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام .. فالمسلمون أولى من الكفار بها .



1- مكانة القاضي بهاء الدين الشهرزوري عند عماد الدين :



واعترافاً من عماد الدين زنكي بما بذله القاضي بهاء الدين الشهرزوري في تعيينه ورداً لجميله نحوه عينه قاضي قضاة بلاده جميعها وما يفتحه من البلاد، وكذلك زاده أملاكاً وإقطاعاً واحتراماً وكان يثق فيه وفي آرائه، لذلك كانت منزلته عظيمة عنده، وكان عماد الدين يستشيره في معظم الأمور الهامة في دولته حتى صرح ابن الأثير بذلك قائلاً : وكان لا يصدر إلا عن رأيه . إن احترام العلماء وتقدير آراءهم، واستشارتهم من عوامل وأسباب نجاح القادة السياسيين والعسكريين.



2- أتابكيَّة الموصل :



مال السلطان السلجوقي إلى تولية عماد الدين زنكي إمارة الموصل لما علم من شهامته وتمكنه من إنجاز المهام التي انيطت به من قبل، وأمره بالحضور وبعد مناقشات قصيرة اقتنع السلطان بجدارة زنكي في القيام بأعباء المنصب الجديد ومن ثم أصدر منشوراً بتوليته الموصل والجزيرة وما يفتتحه من بلاد الشام، وسلمه ولديه ألب أرسلان والخفاجي ليكون أتابكاً لهما (أي أبا مربياً) وفقاً للتقاليد السلجوقية السائدة آنذاك، ومنُذ ذلك الوقت سمي زنكي أتابكاً وأصبح كل من ولدي السلطان محمود تحت إشرافه المباشر وفي الثالث من رمضان عام 521ﻫ وصل بغداد الأمير مجاهد الدين بهروز، قادماً من بلاد فارس، ليتولى شحنكية العراق، فغادر زنكي ورجاله عاصمه العراق نحو الموصل لتسلم مهام منصبه الجديد ، وتعتبر أتابكيَّة الموصل نواة للدولة الزنكية .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 12-11-2008, 12:47 PM   رقم المشاركة : 7
عضوة شرف
 
°l||l° راجية عفو الله °l||l°

 
الصورة الرمزية مناجاة الله







 

معلومات إضافية

 الحالة : مناجاة الله غير متصل

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :75
مناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداعمناجاة الله فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

لا تحسبن الطريق إلى الله مُـمهداً بالورود ، بل لابد من صعوبات و جهود ، إلى أن نصل إلى دار الخلود ...

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

جولة رائعة تلقى الضوء على صفحة من صفحات التاريخ الأسلامى المضيئة

وخاصة ان المعظم منا يفتقر لمثل تلك المعلومات التى تجعلنا نرفع رؤوسنا

ونفتخر بأجدادنا ونتحمس لأعادة أمجادنا التى طمسها العدو وأبسها رداء

الخفية حتى لا تظهر على الملأ امام العالم بأسره . أراد أن يغيب عقول

أجيال كاملة فتغيب عنهم الحقيقة ويكونوا فاقدى الهوية .

لفت انتباهى الجزء الخاص بــــــ

اقتباس
أدرك الفقهاء أن ضعف الموصل لابد وأن يؤثر على حلب وبلاد الشام في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الصراع، إذ أن ذلك الفراغ السياسي، وعدم وجود قيادة عسكرية قوية في الموصل لابد وأن يلقى انعكاساً على الصراع الصليبي الإسلامي ، ولذلك قامت عائلة الشهر زوري المعروفة بالعلم والصلاح بدور كبير في تنصيب عماد الدين زنكي في الموصل لكونه قائد عسكري قوي.

لا تكفيكــ أخى أسامة أى عبارات شكر ولكن يكفيكــ

جزاك الله كل الخير

وأثابكـــ على كل ماتقدمه لنا







 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 13-11-2008, 02:28 PM   رقم المشاركة : 8
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

اللقاء الثانى من سيرة عماد الدين زنكى



ثالثاً : أهم صفاته :


كان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين معتدل الطول ، وخط الشيب رأسه في سني حكمه الأخيرة ، وكان ذا شخصية قوية، شديد الهيبة على رعيته وجنده ، جاداً في معظم الأحيان، وكان جده الصارم يمنعه من الاستسلام للراحة أو النزف ويدفعه إلى مواصلة كفاحه من أجل أهدافه، ويجعل أصوات السلاح ألذ في سمعه من غناء القينات وإليك تفصيل أهم صفاته.



1- شجاعته :


فقد ورث الشجاعة عن أبيه الذي تقدم في جيش ملكشاه وقد مّر معنا شيء من سيرته وقوله لتتش المنتصر وهو الأسير بين يديه، لو ظفرت بك لقتلتك، ويلقى نتيجة جرأته فيقتله تتش صبرا وقد تقدم عماد الدين عند أمراء الموصل بشجاعته، وظهرت شجاعته في القتال في زمن مبكر، فقد سار مع مودود في غزوته ضد الإفرنج وخرج إفرنج طبرية للدفاع عنها، فحمل عليهم، وانهزم الإفرنج من أمامه وطعن باب سور طبرية طعنة أثرت فيه وكان أصحابه قد تأخروا عنه، لما قرب من الأسوار ومع ذلك قاتل متراجعاً، فعجب الناس من شجاعته ونجاته ، قال أبو شامه في شجاعته : وأما شجاعته وإقدامه فإليه النَّهاية فيهما، وبه كان تضرب الأمثال، ويكفي في معرفة ذلك جملة، أن ولايته أحّدق بها الأعداء والمنازعون من كل جانب : الخليفة المسترشد، والسلطان مسعود، وأصحاب أرمينية وأعمالها، وبيت سُكْمان، وركن الدولة داود صاحب صحن كيفا، وابن عمه صاحب ماردين ثم الفرنج ثم صاحب دمشق وكان ينتصف منهم ويغزو كُلاًَّ منهم في عقر داره ويفتح بلادهم، ما عدا السلطان مسعود فإنه كان لا يباشر قصده، بل كان يحمل أصحاب الأطراف على الخروج عليه، فإذا فعلوا عاد السلطان محتاجاً إليه وطلب منه أن يجمعهم على طاعته، فيصير كالحاكم على الجميع وكلًّ يداريه ويخضع له، ويطلب منه ما تستقر القواعد على يده . وحمل على قلعة عقر الحميدية في جبال الموصل، وأهلها أكراد وهي على جبال عال، فوصلت طعنته إلى سورها، وفي حصار الرها، جمع امرائه عنده، ومد السماط، وقال لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غداً في باب الرها، فلم يتقدم إليه غير أمير واحد، وصبي واحد لا يعرفه، لما يعرفون من أقدامه وشجاعته وأن أحداً لا يقدر على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلك الصبي : ما أنت وهذا المقام فقال عماد الدين : دعه، فإني أرى والله وجها لا يتخلف عني ، وكان يقدر الشجعان وكان لا يضطرب أمام أي خطر .




2- هيبته :




كان عماد الدين ذا هيبة شديدة في نفوس أصحابه لا يجرؤون على الجلوس بين يديه، واشترك معه في الحروب أجناس مختلفة، ويحتاج ضبطها من الدراية والمهارة والهيئة، فاستطاع بشخصيته القوية، فرض النظام على جميع جنده، وكان ذا هيبة وسطوة، وكان إذا مشي يسير العسكر خلفه في صفين، كأنهم الخيط خوفاً أن يدوس أحدهم الزرع ولا يجسر أحد أن يدوس عرقاً منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يجسر أن يأخذ من فلاح تبن إلا بثمنها، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية، وأن تعد أحد صلبه . وهيبته كانت في نفوس قادته قال علي كوجك نائبه بالموصل، لما فتحنا الرها مع الشهيد، وقع بيدي من النهب جارية رائعة أعجبني حسنها، ومال قلبي إليها فلم يكن بأسراع من أن أمر الشهيد، برد السبي والمال المنهوب وكان مهيباً مخيفاً فرددتها وقلبي معلق بها ، وخرج يوماً من باب السر، في قلعة الجزيرة خطوة، وملاح له نائم فأيقظه بعض الجاندرية من مماليك السلطان فحين رأى الشهيد سقط على الأرض فحركه فوجده ميتاً، وركب يوماً فعثرت دابته، وكاد يسقط عنها فأستدعى أميراً، وكان معه، فقال له كلاماً لم يفهمه، ولم يتجاسر على أن يستفهمه منه، فعاد إلى بيته وودع أهله عازماً على الهرب فقالت له زوجته : ماذنبك وما حملك على الهرب ؟ فذكر لها الحال، فقالت له : إن نصير الدين له بك عناية، فأذكر له قصتك، وأفعل ما يأمرك به. فقال : أخاف أن يمنعني من الهرب وأهلك. فلم تزل به زوجته تراجعه وتقوي عزمه إلى أن عّرف نصير الدين حاله، فضحك منه وقال له : خذ هذه الصرة الدنانير وأحملها إليه، فهي التي أراد. فقال : الله الله في دمي ونفسي. فقال لا بأس عليك، فإنه ما أراد غير هذه الصرة. فحملها إليه فحين رآه قال : أمعك شيء ؟ قال : نعم، فأمره أن يتصدق به، فلما فرغ من الصدقة قصد نصير الدين وشكره وقال : من أين علمت أنه أراد الصُرة ؟ فقال : إنه يتصدق بمثل هذا القدر كل يوم، يرسل إليّ يأخذه من الليل، وفي يومنا هذا لم يأخذه، ثم بلغني أن دابته عثرت به حتى كان يسقط إلى الأرض، فأرسلك إليّ فعلمت أنه ذكر الصدقة ، واجتمع حوله العرب والترك والتركمان والأكراد والبدو وكان يجتهد أن تضبط أمور هذه الجموع بحكمة القائد الماهر، ويضبطهم في أحرج الأوقات، فعندما اقتحم جنده الرها، وكادوا يأتون على ما فيها، كف أيديهم وحافظ على البلد لأن تخريب مثله لا يجوز في السياسة كما قال وخاف خصومه قصد ولايته لعلمهم أنهم لا ينالون منها عرضاً ، وبلغ من خوف الفرنجة منه أنه رفع الحصار عن قلعة البيرة لقتل نائبه في الموصل، فسلمها أهلها إلى حسام الدين تمرتاش خوفاً من عودة الشهيد إليهم ، وكان يخشاه سلاطين السلاجقة، ولا يقدرون على قصد بلاده، فيقول ابن الأثير : أراد السلطان مسعود زنكي لإثارته الأطراف عليه ومنع السلطان مسعود قصده، حصانة بلاده وكثرة عساكره وأمواله ، والخليفة المسترشد نفسه، حاصر الموصل فلم ينل منها شيئاً مدة ثلاثة شهور .




3- ذو دهاء ومكر وحيلة :



كان ذا دهاء ومكر وحيلة، وذكاء نافذ في مجابهة المشاكل الحربية والسياسية، وقد مكنه ذلك من اجتياز كثير من الصعوبات، وتحقيق مزيد من الانتصارات فمن مناورته البارعة ضد التحالف البيزنطي الصليبي عام 532ﻫ فقد أرسل إلى قادته يقول : إنكم قد تحصنتم بهذه الجبال فإخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، وتكون الغلبة لأحد الطرفين فظن الروم والصليبيون أن وراءه قوات ضخمة أتاحت له أن يطرح تحديه، فتجنبوا لقاءه وهو ما كان زنكي يرجوه، ثم راح بعد ذلك يراسل امبراطور الروم ويوهمه أن الصليبيين متفقون مع المسلمين سراً وبالعكس، واستطاع بذلك أن يبذر بذور الإنشقاق في الجبهة المسيحية مما اضطر قواتها إلى الانسحاب . هذا إلى أنه فتح الرها وهو أكبر نصر حققه في حياته، معتمداً على الحيلة والمكر، إذ اتجه إلى آمد موهماً الصليبيين أنه يسعى لحصارها، وما أن رحل أمير الرها عن حاضرته مطمئناً إلى إنهماك زنكي بمشاكله في ديار بكر حتى انقضى الأخير عليها وتمكن من اجتياحها .




4- ذكاؤه :



من ذكائه أنه لم يظهر أنه مستقل عن السلاطين السلاجقة، بل أظهر أنه يحكم بأمرهم، فقد كان معه ولدان من أولاد السلطان محمود بن محمد السلجوقي وهما ألب أرسلان وفرخشاه ويعرف بالخفاجي وكان يظهر أن الحكم له في بلاده، وأنه نائب عنه، وكان إذا أرسل رسولاً أو أجاب على رسالة يقول قال الملك كذا وكذا، وكان ينتظر موت السلطان مسعود، ليجمع العساكر باسم ألب أرسلان، ويخرج الأموال ويطلب السلطنة، فعاجلته المنية قبل ذلك ، وكان ابنه سيف الدين غازي عند السلطان مسعود ليثق بطاعته ، وكان يثير الأطراف على السلطان مسعود حتى يحتاجه ويجمعهم عليه مرة ثانية ليشتغل بهم عنه .




5- يقظته وحذره :



كان عماد الدين زنكي شجاعاً غير هياب، إلا أنه كان حذراً يحتاط للأمور، فقد كان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجري لأصحابها، حتى في خلواتهم، ولا سيما بلاط السلطان وكان يدفع في ذلك المال الجزيل، فكان يطالع ويكتب إليه بكل ما يفعله السلطان، في ليله ونهاره، من حرب وسلم وهزل، وجد، فكان يصل إليه كل يوم من عيونه عدة كتب وكان مع أشتغاله بالأمور الكبار، من أمور الدولة لا يهمل الإطلاع على الصغيرة وكان يقول إذا لم يعرف الصغيرن ليمنع صار كبيراً، وكان لا يمكن ملك أن يعبر بلاده بغير إذنه، وإذا استأذنه رسول في العبور أذن له، وأرسل إليه من يسيره ولا يتركه يجتمع بأحد من الرعيةن ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاده ويخرج منها، ولا يعلم من أحوالها شيئاً. ومن آرائه إنه لما اجتمع له الأموال الكثيرة، أودع بعضها بسنجار وبعضها بالموصل، وبعضها بحلب، وقال إن جرى علي بعض هذه الجهات فتق أو حيل بيني وبينه استعنت على سد الخرق بالمال في غيره ، وكان الرجل طويل الفكر كتوماً لا يعلن عما ينويه، إلا بعد أن يتخذ الأهبة الكاملة، وان يفرض أسوأ الاحتمالات، ويعد نفسه لها، فلما سار من بغداد قاصداً الموصل أخذ البوازيج وهي قرية قرب تكريت ، ليملكها وتقوى بها، ويجعلها في ظهره أن منعه جاولي عن البلاد ، ومن حذره تردده في دخول دمشق بعد أن وعده جماعة من أهلها بفتح أبوابها له، خوفاً من أن يتفرق جيشه ولضيق المسالك ولأمكان مهاجمتهم من ظهور البيوت . ولما وصل الروم الفرنج إلى الشام نازلوا حلب، ولم ير عماد الدين أن يخاطر بالمسلمين ويلقاهم لأنهم كانوا في جمع عظيم فانحاز عنهم ونزل قريباً منهم يمنع عنهم الميرة .





6- قدرته على اختيار الأكفاء من الرجال :




وكان يختار الرجال الأكفاء، الذين أخلصوا له، وكانوا دعائم دولته، ودولة أبنائه من بعده، فقد كانت له همة عالية، ورغبة في الرجال وذوي الرأي والعقل، ويرغبهم ويخطبهم من البلاد، ويوفر لهم العطاء، وقال ابن الأثير حكى لي والدي، قيل للشهيد أن هذا كمال الدين، ويحصل له في كل سنة ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية، وغيره يقنع منه بخمسائة دينار فقال لهم بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي، إن كمال الدين يقل له هذا القدر وغيره يكثر له خمسمائة دينار، أن شغلا واحد يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار، وكان كما قال رحمه الله ، وكان يتعهد أصحابه ويمتحنهم فقد أعطى يوماً خُشكُنانكه إلى طشت دار له وقال : احفظ هذه. فبقى نحو سنة لا تفارقه خوفاً أن يطلبها منه، فلما كان بعد سنة سأله عنها، فأخرجها من منديل كان لا يفارقه خوفاً من أن يطلبوا منه، فاستحسن ذلك وجعله دز دار لقلعة كواشي – وهي قلعة حصينة في الجبال الواقعة شرقي الموصل ، وكان يخطب الرجال ذوي الهمم والآراء الصائبة والأنفس الأبية ويوسع في الأرزاق فيسهل عليهم فعل الجميل واصطناع الرجال، ومن أسباب توفيقه أنه كان نقاداً للرجال، يعرف كيف يختار الأكفاء الصالحين منهم ويوليهم ثقته ، فمن هؤلاء :



أ- بهاء الدين الشهرزوري الذي يقول عنه ابن القلانسي : وكان صاحب عزيمة وهمة نافذة ويقظة ثابته.

ب- ومنهم وزيره ضياء الدين أبي سعيد ابن الكفرتوثي، وكان على ما حكى عنه، حسن الطريقة جميل العقل كريم النفس مرضي السياسة مشهوراً للنفاسة والرئاسة.

ج- ومنهم نصر الدين جقر وقد كان لنصير الدين أخبار في العدل والإنصاف وتجنب الجور والاعتساق، أخباره متداولة بين التجار والمسافرين ومتناقلة بين الواردين والصادرين من السفار وقد كان رأيه جمع الأموال من غير جهة حرام، لكنه يتناولها بألطف مقال وأحسن فعال، وأرفق توصل واحتيال، فهذا محمود من ولاة الأمور وقصد سديد في سياسة الجمهور، وهذه هي الغاية في مرضي السياسة والنهاية في قوانين الرياسة
.




7- تقديره للرجال :




ويظهر تقديره للرجال من تولية نائبه بالموصل فبعد مقتل نصير الدين ؟ ارتاب في من يقيمه في موضعه، ويخلفه ؟ في منصبه، فوقع اختياره على الأمير علي كوجك، لعلمه بشهامته ومضائه في الأمور وبسالته، فولاه مكانه، وعهد إليه أن يقتفي آثاره في الاحتياط والتحفظ، وتتبع أفعاله في التحرز، واليقظة وإن كان لا يغني غناءه ولا يضاهي كفاءته ومضاءه، فتوجه نحوها، وحصل بها وساس أمورها، سياسة سكتت معها نفوس أهلها، وبذل جهده في حماية المسالك وأمن السوابل، وقضاء حوائج ذوي الحاجات، ونصرة المظلومين فاستقام الأمر وحسنت بتدبيره الأحوال وتحققت بيقظته في أعماله الأمان .




8- قليل التلون والتنقل :



وكان عماد الدين زنكي رحمه الله قليل التلون والتنقل، بطيء الملل والتغير، شديد العزم، لم يتغيّر على أحد من أصحابه مُذْ مَلَك إلى أن قتل إلا بذنب يوجب التغير والأُمراء والمِقَّدمون الذين كانوا معه أولاهم الذين بقوا أخيراً من سَلِمَ منهم من الموت فلهذا كانوا ينصحونه ويبذلون نفوسهم له وكان الإنسان إذا قدم عسكره لم يكن غريباً : إن كان جندياً اشتمل عليه الأجناد وأضافوه، وإن كان صاحب ديوان قصد أهل الديوان وإن كان عالماً قصد القضاة بني الشَّهُزُوري، فيحسنون إليه ويؤنسون غربته فيعود كأنه أهل وسبب ذلك جميعه أنه كان يخطب الرجال ذوي الهمم العليَّة والآراء الصائبة والأنفس الأبية، ويوسع عليهم في الأرزاق، فيسهل عليهم فعل الجميل واصطناع المعروف .




9- غيرته :




أتصف عماد الدين زنكي بالغيرة الشديدة ولا سيما على نساء الأجناد، فإن التعرض إليهنَّ كان من الذنوب التي لا يغفرها وكان يقول : إن جندي لا يفارقوني في أسفاري وقلَّما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنع من التعُرض إلى حُرمهم هلكن وفَسَدْت، وكان قد أقام بقلعة الجزيرة دُزْداراً اسمه نور الدين حسن البربطي، وكان من خواصَّه وأقرب الناس إليه، وكان غير مرضي السيرة، فبلغه عنه أنه يتعَّرض للحُرمَ، فأمر حاجبه صلاح الدين الياغسيساني أن يسير مُجدا ويدخل الجزيرة، فإذا دخلها أخذ البربطي وقطع ذكره، وقلع عينيه، عقوبة لنظره بهما إلى الحرم، ثم يصلبه، فسار الصَّلاح مجُداً، فلم يشعر البربطي إلا وقد وصل إلى البلد، فخرج إلى لقائه، فأكرمه الصَّلاح ودخل معه البلد، وقال له : المولى أتابك يُسلَّم عليك ويريد أن يُعلَيَ قدرك ويرفع منزلتك ويسلَّمَ إليك قلعة حلب، ويوليَّكَ جميع البلاد الشامية لتكون هناك مثل نصير الدين، فتجهَّز وتحدر مالك في الماء إلى الموصل، وتسير إلى خدمته، ففرح ذلك المسكين فلم يترك له قليلاً ولا كيثراً إلا نقله إلى السفن ليحدرها إلى الموصل في دِجْلة، فحين فرغ من جميع ذلك أخذه الصَّلاح وأمضى فيه ما أمر به، وأخذ جميع ماله، فلم يتجاسر بعده أحد على سلوك شيء من أفعاله .




10- عدله :



حرص عماد الدين زنكي على نشر العدل بين رعيته، فقد أوصى عماله بأهل حران، ونهي عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية هذا ما حكاه أهل حران، وأما فلاحو حلب، فأنهم يذكرون ضد ذلك لأنه كان يلزم الناس ويجمع الرجال للقتال والحصار ، وكان من أحسن الملوك سيرة وأكثرها حزماً وضبطاً للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل، يعجز القوي من ظلم الضعيف ومما رواه أبو شامه، أن الشهيد كان بجزيرة في الشتاء، فدخل الأمير عز الدين أبو بكر الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ومن ذوي الرأي عنده، ونزل بدار يهودي وأخرجه منها، فأشتكى اليهودي والشهيد راكب وبجانبه عز الدين أبو بكر الدبيسي، ليس فوقه أحد، فلما سمع أتابك الخبر، نظر إلى أبي بكر الدبيسي نظرة غضب ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقري ودخل البلد، فأخرج خيامه وأمر بنصبها خارج البلد، ولم تكن الأرض تحتمل نصب الخيام، فوضعوا عليها التبن، وخرج إليها من ساعته، وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأراضي، والاكتفاء بالاقطاعات لأن الأملاك متى صارت لأصحاب السلطان، ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم ولحسن سيرته قصده الناس يتخذون بلاده داراً للاقامة ومن عدله أنه لما فتح المعّرة وأخذها من الفرنج جاءه الناس يطلبون أملاكهم وكان عماد الدين حنفي المذهب ومن مَذهب أبي حنيفة – أن الكفار إذا استولوا على بلد وفيه أملاك المسلمين خرجت تلك الأموال عن أصحابها لصيرورة البلد دار حرب، فإذا عاد البلد بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال، ولما طلب الناس منه أملاكهم استفتى عماد الدين الفقهاء، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولاحظَّ لأصحابها فيها فقال : رحمه الله : إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم ونحن نأخذ أملاكهم فأي فرق بيننا وبين الفرنج ؟ كل من أتى بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يعترض لشيء
منها .





11- عبادته :



كان عماد الدين زنكي يشعر بمسووليته كمسلم سواء في سياسته وعلاقاته العامة أم في سلوكه الشخصي فقد كرس حياته وطاقاته في سبيل (الجهاد) ضد الصليبيين والجهاد من أفضل أركان العبادة ، واعتبر نفسه قائد المسلمين الأول في الوقوف بوجه الخطر الصليبي معتقداً أن مركزه – كأقوى أمير في المنطقة – يحتم عليه ذلك ولعل موقفه من التحالف البيزنطي الصليبي ضد المسلمين عام 532ﻫ يوضح طبيعة نظرته في هذا المجال، فعندما قرر الاستنجاد بالسلطان السلجوقي واعترض قاضيه بأن ذلك ربما أدى إلى تمهيد الطريق أمام سيطرة السلاجقة على بلاده ردّ قائلاً : إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار ، وكان كلما قرر التوجه لقتال الصليبيين استثار في المسلمين تعشقهم للجهاد ففي عام 524ﻫ - على سبيل المثال – اتجه إلى الشام وصمم العزم على الجهاد ... وإعلاء كلمة الله ، وفي عام 532ﻫ سار إلى بعرين الخاضعة للصليبيين : وجمع عساكره وحثهم على الجهاد ، وعندما عزم على فتح الرها عام 539ﻫ تبعته العساكر .. عازمين على أن يؤدوا فريضة الجهاد . وقد لاقى فتحه للرها استبشاراً عاماً لدى المسلمين في كل مكان : فأمتلأت به المحافل في الآفاق، واعتبروه نصراً حاسماً للإسلام ضد الصليبية ، ومن ثم فإن مفهوم الجهاد خلع على عماد الدين زنكي صفة إسلامية في نظر المسلمين إلى الحد الذي دفع العماد الأصفهاني إلى القول : بأنه كان قطباً يدور عليه فلك الإسلام ، كما ذكر رنسيمان أن زنكي اعتبر نفسه " حامي الإسلام " ضد الصليبيين ، وتتضح نزعة زنكي الدينية في سياسته الداخلية وفي سلوكه الشخصي كذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي تبين إلى أي مدى بلغ الحسّ الديني لدى هذا الأمير المسؤول، فعندما قام عام 534ﻫ - على سبيل المثال – بتولية هبة الله بن أبي جرادة قضاء حلب قال له : هذا الأمر قد نزعته من عنقي وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله . وكان يتصدق كل جمعة بمائة دينار جهراً، ويتصدق بما عداها من الأيام سراً . كما كان يستفتي الفقهاء والقضاة قبل إقدامه على كثير من الأعمال ، وقد أقام الحدود الشرعية في أنحاء بلاده.






شبهات حول شخصية عماد الدين :





إن عدداً من المؤرخين يأخذون على زنكي لجوءه إلى الغدر والظلم إزاء أعدائه في بعض الأحيان، فيصفه الأصفهاني بأنه كان يبلغ في ذلك حد الظلم ويصفه الذهبي بالظلم والزعارة ، ويذكر أسامه بن منقذ كيف كان زنكي أحيانا يسكت عن الأساليب القاسية التي اتبعها أحياناً بعض كبار موظفيه أمثال الياغسياني حاجبه ، ونصير الدين جقر نائبه في الموصل ، ويحمل ابن واصل عليه لدى استعراضه أحداث الهجوم على حماه عام 524ﻫ - قائلاً : وأرتكب أمراً قبيحاً أنكره الناس عليه، ولا شيء أقبح من الغدر. ولما عزم على تلك الفعلة الشنعاء، استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتاه من لا دين له، وجوز له مالا يحل ولا يحسن شرعاً وعرفا . وقد ناقش الدكتور عماد الدين خليل تلك التهم وقال : .. ولعل ما يبرر لزنكي موقفه هذا إزاء أمراء الشام، محاولته الجادة لكسب الوقت وتوحيد العدد الأكبر من المدن ذات الحكم الذاتي هناك من أجل الإسراع بتشكيل الجبهة الإسلامية الموحدة للوقوف بوجه الخطر الصليبي، بعد أن أدرك عدم إمكان تحقيق نصر حاسم ضدهم في حالة تمزق بلاد الشام إلى إمارات عديدة متطاحنة، فكان لابد من الخدعة سيما وإنها في حالة كهذه توفر على المسلمين كثيراً من الجهود والدماء، لذا نجد زنكي يستفتي الفقهاء قبل أن يقدم على فعلته هذه، وشبيه بهذا. الحيلة الطريفة التي مكتنه عام 529ﻫ من الاستيلاء على الرقة، دون سفك قطرَّة دم واحدة . وهل الحرب ضد الأمراء الذين سنوا وحدة الأمة ومصالحها الحيوية، إلا خداعهم والكيد لهم، أما أعدامه بعض أمراء بعلبك أثر استيلائه عليها بعد قتال عنيف عام 534ﻫ فقد جاء نتيجة نقضهم بعض الشروط التي تم الاتفاق عليها قبيل مغادرتهم القلعة ولعل هذه الخادثة هي أبرز ما دفع المؤرخين إلى وصف زنكي بالقسوة والغدر، وقد أشار ابن الأثير – في الكامل – إلى ذلك بقوله : واستقبح الناس ذلك من فعله، واستعظموه. وخافه غيرهم . ولكن زنكي سرعان ما سعى إلى التعويض عن خطأه هذا وذلك بإصداره العفو عن العدد الأكبر من المحكوم عليهم بالإعدام، وتولية بعلبك لنجم الدين أيوب وهو الذي بذل جهوداً مشكورة في التوسط لهؤلاء الأمراء والدفاع عنهم . وفي حصار زنكي لقلعة جعبر عام 541ﻫ، جرت مفاوضات بين الطرفين وافق فيها على تسلم مبلغ ثلاثين ألف دينار مقابل فك الحصار عن القلعة وما أن وصله الرسول حاملاً المبلغ المتفق عليه حتى ردّه من حيث جاء، بعد أن وردته أنباء تشير إلى أن القلعة قد أوشكت على السقوط ، وهو موقف يبرره تماماً حرصه على وحدة الجبهة الإسلامية إزاء أنانيات الأمراء الصغار وأطماعهم الذاتية . وأما ما أورده ابن العديم من أن زنكي كان يقول : ما يتفق أن يكون أكثر من ظالم واحد – قاصداً نفسه ، فإنه لا يعني سوى عزمه على اتباع نظام المركزية في الإدارة، وتركيز السلطة بيد المسؤول الأعلى .





هواياته :





كان طبع زنكي الحاد، وعمله المتواصل من أجل تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، ويستنفذان الكثير من وقته، ولا يتيحان له من الفراغ للراحة والتمتع إلا القليل القليل وفي هذه الفترات المتباعدة من التحرر من قيوم العمل والمسؤولية، كان زنكي يسعى للترفيه عن نفسه وممارسة هواياته المفضلة التي كان الصيد والطراد أبرزها وأقربها إلى طبيعته الحادة .ويحدثنا ابن منقذ عن الجولات التي قام بها مع أمير الموصل وعن أنواع الصيد ووسائله وحيله ولنستمع إليه : شاهدت زنكي يوماً، وكانت له الجوارح الكثيرة، ونحن نسير على الأنهار، فيتقدم البازدارية بالبزاة ويطلقونها على طيور الماء، وتدق الطبول كجاري العادة، فتصيد – من طيور الماء – ما تصيد، وتخطئ ما تخطئ ووارءهم الشواهيق الجبلية على أيدي البازدارية، فإذا أخطأت البزاة أرسلوا الشواهيق على الطيور ، ويستطرد ابن منقذ قائلاً : وشاهدته يوماً ونحن بظاهر الموصل ..0 وبين يديه بازدار على يده باشق، فطار ذكرُ دراج ، فأرسله عليه، فأخذه ونزل. فلما صار في الأرض – تمكن من الإفلات – فلما أرتفع لحقه الباز وأخذه ونزل به وقدثبته . ثم يمضي ابن منقذ يقضى علينا وجوها أخرى من الصيد، الذي كان يألفه زنكي ويهواه : فيقول : ورأيت زنكي وهو في صيد الوحش مراراً عديدة، فإذا ما نصبت الحلقة واجتمعت الوحوش داخلها – ثم حاولت الخروج – رموها وكان زنكي من أرمى الناس، فكان إذا دنا منه الغزال، رماه فنراه، كأنه قد عثر فيقع ويذبح وشاهدته وقد ضربوا الخيام، فوصل الوحش إلى الخيام، فخرج الغلمان بالعصي والعمد فضربوا منها شيئاً كثيراً .. وشاهدته يوماً ونحن بسنجار. وقد جاءه فارس من أصحابه فقال : ها هنا ضبعة نائمة؛ فسار زنكي، ونحن معه إلى واد هناك والضبعة نائمة على صخرة في سفحة، فترجل ومشى حتى وقف مقابلها وضربها بنشابه، فوقعت أسفل الوادي، فنزلوا وجاءوا بها بين يديه وهي ميتّة . وكان الملوك والأمراء إذا أرادوا التقرب إلى زنكي وكسب وده قدموا له هدايا مما اصطادوه من طيور وحيوانات شتى، وكان يرد عليهم – بدوره – بهدايا مما جنته يداه في جولات الصيد والطراد فهوداً وبزاة وصقوراً ، ولم يكن تعشق زنكي لسباق الخيل ومهارات الفروسية بأقل من تعشقه للصيد والطراد، فهذه هواية تصدر هي الأخرى عن الطبع الجاد والرغبة في قضاء أوقات الفراغ بما هو مجد في عصر كانت الفروسي فيه شارته الأولى . وفي فترات أخرى من فترات الفراغ المتباعدة كان زنكي يروح عن نفسه بالقيام منفرداً برحلات هادئة في نهر دجلة، متخففاً من أعباء ومهام إمارة شاسعة الأطراف يتربص بها الأعداء من كل جانب .




رابعاً : سياسته الداخلية :




اهتم عماد الدين زنكي بضبط إمارته وكانت النظم التي سار عليها تعتبر امتداداً طبيعياً لمن فصلناه في كتابنا عن السلاجقة وتحول الموصل من عهد ولاة السلاجقة (489 - 521ﻫ ) إلى عهد الأتابكة – لم يؤد إلى ظهور مؤسسات إدارية جديدة بالمرة على المنطقة بل إن معظم هذه المؤسسات ظل موجوداً في العهد الجديد مع إجراء بعض التعديلات واستحداث عدد قليل من المناصب التي اقتضتها الظروف السياسية، والعسكرية الجديدة وأقام زنكي تنظيماته الإدارية على اكتاف مجموعة الموظفين منحهم نوعاً من الاستقلال الذاتي في ممارسة شؤونهم الإدارية، ولكن تحت إشرافه التام ومراقبته الدقيقة، وكان هؤلاء الموظفون يعملون في أربعة مجالات رئيسية هي :

* محافظة قلعة الموصل وسائر قلاع الإمارة. وكانت تسمى في كثير من الأحيان : النيابة، ويدعى متوليها (النائب).

* ولاية المدن والأعمال.

* الوزراة.

* الدواوين.






1- نيابة الموصل أو محافظة القلعة :




أنشأ زنكي هذا المنصب حال دخوله الموصل في رمضان عام 521ﻫ وقد أطلقت المصادر عليه لقب النيابة أحياناً ، وذر دارية قلاع الإمارة أحياناً أخرى . ولما كانت كلمة دزدار الأعجمية تعني حافظ القلعة فمن الممكن تسمية هذا المنصب بالمحافظة وكان من مهام نائب الموصل أن يدير شؤونها وبقية أجزاء الإمارة نيابة عن زنكي، وأن يكاتب السلطان السلجوقي والخليفة العباسي عن أحوال الإمارة خلال تغيب الأمير ، ومن مهامه جمع الضرائب وجباية الأموال، والإشراف المستمر على أحكام تحصينات الموصل وتعميق خنادقها، فضلاً عن الأعمال العسكرية المحصنة كالدفاع عن المدينة ، والقيام بحملات توسعية بناء على أوامر زنكي وكان نائب زنكي بالموصل يشرف على إقامة الحدود وتعقب المفسدين ومثيري الفتن مدمني الخمر ومعاقبة كل منهم حسب جريمته فضلاً عن مراقبة أبواب العاصمة والطواف في أحياء التجارة والمال وغير ذلك من الأعمال. وفي أغلب الظن أن السلطات الإدارية الواسعة التي كان نائب زنكي يمارسها كانت تتطلب جهازاً إدارياً واسعاً لتنفيذ الأوامر والقرارات ، ومن أشهر نواب زنكي في الموصل.




أ- نصير الدين جقر بن يعقوب 521 - 539ﻫ :



هو أبو سعيد جعقر بن يعقوب الهمذاني الملقب : نصير الدين وكان جقر أعظم أصحاب زنكي منزلة، وقد لعب دوراً هاماً في توليته على الموصل عام 521ﻫ واتبع جقر سياسة إدارية تضاربت المصادر في تحديد سماتها، بل إن المصدر الواحد لم يستطع تجنب هذا التناقض، فابن خلكان يصفه بأنه عرف بالعدل والإنصاف وتجنب الجور والظلم، ثم يشير إلى أن الطابع العام لسياسته وما أشتهر عنه هو الظالم وإنه كان : جباراً عسوفاً سفاكاً للدماء مستحلاً للأموال ، ويشير الفارقي إلى مالقي الناس منه من شدة الجور والظلم والقتل والمصادرات والأقساط وكان ظلم جقر – كما يشير ابن خلكان – أحد أسباب المؤامرة التي دبرها أحد الأمراء ضده . وكان زنكي يقول عنه : إنه يخافني وما يخاف الله . ووضح عماد الدين خليل هذه التناقضات بقوله : .. بأن جقر اتبع سياسة شديدة قاسية ممتزجة بأسلوب من الرفق واللباقة أضفى على سياسته سمات العدل، ودفع بعض المؤرخين على عدم التأكيد على أي من الجانبين. ويظهر أنه كان قد اهتم إلى حد كبير بتجميع الأموال لحسابه وحساب أهله وأقاربه حتى أن زنكي لدى عودته إلى الموصل بعد مقتل جقر، استخرج ذخائره وصادر معظم ما لأولئك الأقارب . إن أهم الأعمال التي أنجزها جقر خلال فترة نيابته هي إحكامه لاسوار الموصل. وحفره لخنادقها ودفاعه عنها ضد حصار الخليفة المسترشد العباسي عام 527ﻫ الذي اضطر أخيراً إلى الإنسحاب بسبب صمود جقر لقيادة جيوش زنكي لدى مهاجمة حصون الأكراد في الجهات الجبلية شمالي الموصل، حيث تمكن من الاستيلاء على معظمها ، كان يساعد جقر في حكم الموصل وال يعينه هو .



ب- زين الدين علي كجك بن بكتكين 539 - 541ﻫ:



يعتبر زين الدين علي كجك من أبرز رجال عماد الدين، وأحد قادته الكبار وقد اشترك معه في معظم حروبه في بغداد والشام ومناطق الأكراد وكان زين الدين رجلاً صالحاً، ذا أصل تركماني، لقب بكجك أي : القصير اللطيف وكان معروفاً بالقوة والشجاعة والأقدام رؤوفاً بالفقراء مواساً للمرضى . اشتهر بالمحافظة على حسن العهد، وأداء الأمانة، ولم يمارس غدراً قط ، وبلغ من تقواه أن قال عنه زنكي : إنه يخاف الله ولا يخافني ، وقد رأى عنه أهل الموصل كل خير، واستقام له الأمر، وحسنت بتدبيره الأحوال ، وانتشر الأمن في المنطقة وازداد عمران البلاد ، وتحققت بهذا آمال السكان .




ت- نائب زنكي في حلب :



أدرك زنكي أهمية حلب بالنسبة لأعماله العسكرية والسياسية في الشام فاتخذها قاعدة له في المنطقة واعتبرها عاصمته الإدارية هناك، وأقام فيها جهازاً إدارياً يشابه إلى حد ما ذاك الذي أقامه في الموصل، وجعل على رأس هذا الجهاز نائبه في حلب ليقوم في منطقة الشام بما يقوم به نائبه في الموصل في الجهات الشرقية من إمارته وقد جعل عماد الدين زنكي نائبه في حلب المسؤول الأعلى عن الجهاز الإداري هناك، وكان نائبه من كبار القادة العسكريين وكان يطلق عليه أحياناً اسم " مقدم زنكي في حلب " ومن أشهر نواب عماد زنكي في حلب سوار بن ابتكين قدم إلى حلب عام 524ﻫ الأمير سوار الملقب بمسعود هارباً من دمشق أثر تدهور علاقته بأميرها، وتقدم لعرض خدماته على زنكي : فأكرمه هذا وشرفه وخلع عليه، وأجرى له الاقطاعات الكثيرة وأعطاه ولاية حلب وأعمالها، واعتمد عليه في قتال الصليبيين، وكان له بصيرة بالحرب وتدبير الأمور ، وكانت أعماله العسكرية هي التي أكسبته شهرة واستنفذت معظم أوقاته وجهوده بسبب قربة من المواقع الصليبية وهكذا كان الأمير سوار يقوم بشن هجمات سريعة خاطفة على قوات الصليبيين وقوافلهم وكان – أحيانا أخرى يمّد قوات زنكي بجند من عنده يقودهم بنفسه إن دعت الضرورة، كما كان يقوم بالدفاع عن مدينة حلب وأعمالها ضد هجمات الصليبيين، وفضلاً عن الجنود النظاميين الذين أعتمدهم. كان ينضم إليه أحياناً كثيرة تركمان المنطقة ، طمعاً في الغنيمة أو حباً للجهاد. وقد استمر سوار في منصبه حتى مقتل زنكي عام 541ﻫ .




ث- ولاة (نواب زنكي على المدن والقلاع :



يتضح مما سبق أنه كان لزنكي نائبان مركزيان هما : نائبه في الموصل الذي يشرف على الجهات الشرقية من الإمارة، ونائبه على حلب الذي يشرف على الجهات الغريبة " أي القسم الشامي ". وفضلاً عن هذين عين زنكي على المدن والأقاليم التي فتحها مجموعة من الولاة يطلق عليهم اسم النواب أو العمال .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 14-11-2008, 10:12 PM   رقم المشاركة : 9
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

اللقاء الثالث من سيرة عماد الدين زنكى




2- الوزارة :



إن الوزارة في عهد زنكي ليست سوى جزء من التطور العام لهذا المنصب طيلة عصور التاريخ الإسلامي تبلور منصب الوزير منُذ العصر العباسي الأول، وكان عمله في البداية يقتصر على تنفيذ أوامر الخليفة العباسي لذا سمي هذا النوع من الاستيزار بـ " وزارة التنفيذ " وبعد مرور فترة قصيرة ظهر نوع آخر، عندما فوض الخليفة وزيره لإدارة شؤون مملكته، أطلق عليه " وزارة التفويض " واستمر هذا المنصب يتأرجح بين التنفيذ والتفويض حسب مركز الخليفة أو السلطان الحاكم ومن أشهر وزراء عماد الدين زنكي :


أ- الكفرتوثي 528 -536ﻫ :


تجمع المصادر على أن أول من استوزره زنكي هو ضياء الدين أبو سعد بهرام بن الخضر الكفرتوثي ، عام 528ﻫ ويتضح من هذا أن السنوات السبع الأولى من حكم زنكي لم يكن اتخذ خلالها وزيراً وربما كان نائبه في الموصل هذا الذي يقوم بمهمام الوزير، مما جعل زنكي يستغني عن هذا المنصب طيلة تلك المدة، وتذكر المصادر بالقول بأن الكفرتوتي كان : مشهوراً، بحسن الطريقة والكفاية وحب الخير والمذهب الحميد ، وقد قدم مع زنكي إلى حلب، مما يشير إلى أنه لم يكن مستقراً في الموصل بشكل دائم .


ب- أبو الرضا بن صدقة 536 - 538ﻫ :


بقي الكفرتوثي في منصبه كوزير طيلة اثنى عشر عاماً، وتوفي في شبعان عام 536ﻫ ، فاستوزر زنكي بعده جلال الدين أبا الرضا محمد بن صدقة ، ولكنه لم يستمر في منصبه طويلاً حيث عزل عام 538ﻫ لأسباب أو جبت ذلك ودعت إليه .


ج- أبو المحاسن العجمي :


يذكر ابن القلانسي أن زنكي ألقى القبض عام 531ﻫ على وزيره أبي المحاسن علي بن أبي طالب العجمي واعتقله في قلعة حلب، حيث بقي هناك بسبب مصادرته للأموال وانكسار المعاملات التي عجز عن القيام بها : وتأدية ما عليه من التزامات مالية ، ولم تقدم المصادر عن ترجمة العجمي شيئاً يستحق الذكر .


س- جمال الدين الأصفهاني :


واطنبت المصادر في وصف أخلاق جمال الدين، مركزة الأضواء على كرمه العجيب، تلك الأخلاق التي قربته من زنكي، وجعلته محبوباً ومشتهراً في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي، ومنحته لقب الجود لكثرة جوده، كما دفعت أبناء زنكي - فيما بعد - إلى الاعتماد عليه في إدارة إمارتهم ، وقد أطلقت بعض المصادر عن جمال الدين الأصبهاني وزير صاحب الموصل ، وذكرت بعض المصادر أن زنكي جعل جمال الدين : مشرف مملكته كلها، وحكمه تحكيماً لا مزيد عليه ، ويقول ابن الأثير : قال والدي : كنت أرى من جمال الدين الوزير في أيام زنكي من الكفاية والنظر في صغير الأمور وكبيرها والمحافظة - أي التحقيق - فيها، ما يدل على تمكنه من الكفاية وتشير المصادر إلى أن زنكي عول على جمال الدين في الفترة الأخيرة من حكمه، في الإشراف على ديوانه، وزاد راتبه ، ومكنه في منصبه ، ولم يحاول جمال الدين أن يستغل منصبه لجمع المال لحسابه الخاص، بل كان يأخذ ما يكفي لمعيشته ويرفع جميع ما يحصل له إلى خزانة زنكي ، مما زاد من اعتماد الأخير عليه وثقته به، فمكنه من أصحاب ديوانه وهكذا كان جمال الدين يتمتع بسلطان عملية واسعة، وخاصة في مسائل الأشراف على الديوان والمسائل المالية، فقد شغل جمال الدين منصباً خطيراً، وقد أطلقت معظم المصادر على جمال الدين لقب " وزير " .


ش : الوزير مروان بن علي بن سلامة :


كان وزير عماد الدين زنكي في الموصل مروان بن علي بن سلامة الطنزي نسبة إلى " طنزة " من ديار بكر وكان مروان هذا قد ورد بغداد وتفقه على الغزالي والشاشي، ثم عاد إلى بلده ليدبر أمور الوزارة حتى وفاته عام 540ﻫ .




3- الموظفون ونظام التوظيف :



اهتم عماد الدين زنكي بأمر الوظائف والموظفين اهتماماً عماد الدين زنكي بأمر الوظائف والموظفين اهتماماً كبيراً كي يستطيع أن يسيّر أمور دولته بشكل منظم، وكي يجنب جهازه الإداري الهزات التي كثيراً ما تعرقل سير الأمور وقد طبق زنكي مبادئ إدارية منها :


أ- مبدأ تكافؤ الفرص في المجال الإداري :


كي يحقق هدفه آنف الذكر ويضع يديه على الموظفين الأكفاء فكان : يتعهد أصحابه ويمتحنهم فلا يرفع أحداً فوق قدره الذي يستحقه ولا يضعه دونه ، كما كان يجعل كفاءة الشخص أساساً لتقدير راتبه.


ب- الثقة على قدر المعرفة :


فكان يولي موظفيه ثقته على قدر ما يعلم منهم كي يشعرهم بالأمن والاستقرار وهو أمر ضروري لتقديم خدماتهم الإدارية على أحسن وجه.


ج- مبدأ كفاءة الشخص :


فقد جعل من كفاءة الشخص أساساً لتقدير راتبه .



س- ثقته في موظفيه :



على قدر ما يعلم منهم. كي يشعرهم بالأمن والاستقرار، وهو أمر ضروري لتقديم خدماتهم الإدارية على أحسن وجه، فكان : قليل التلون والتنقل، بطيء الملل والتغّير، شديد العزم، لم يتغير على أحد من أصحابه مذملك إلى أن قتل إلا بذنب يوجب التغيّر، والأمراء والمقدمون الذين كانوا معه أولا هم الذين بقوا معه أخيراً، فلهذا كانوا ينصحونه، ويبذلون نفوسهم له ، وهذا هو الذي دعا جمال الدين الوزير إلى وصف زنكي بأنه كان : متمكناً قوي العزم لا يتجاسر أحد على الاعتراض عليه ولا يتلون بأقوال أصحابه مما دفع أصحابه إلى حفظه .



ش- انتقاء الموظفين :


كان زنكي ينتقي موظفيه من الرجال ذوي الهمم العالية، والآراء الصائبة، والأنفس الأبية فإذا ما أضيف إلى ذلك توسيعه في رواتب موظفيه أدركنا مدى إخلاص هؤلاء له ولعملهم، ومدى سير الأمور الإدارية في ولايته سيراً طبيعياً. وخير مثل على ذلك موظفه الكبير جمال الدين الأصفهاني الذي أظهر في أيامه من الكفاية والنظر في صغير الأمور وكبيرها، والتحقيق فيها ما يدل على تمكنه من الكفاية، فلما وزر جمال الدين نفسه - لقطب الدين مودود بن زنكي، قلت كفايته وصار يهمل بعض الأمور وعندما سأله أحد الموظفين عن السبب في ذلك أجاب : ليست الكفاية عبارة عن فعل واحد في كل زمان، إنما هي أن يسلك الإنسان في كل زمان ما يناسبه .


ع- المركزية في الحكم :


يقول بعض الباحثين كان زنكي يؤمن بما سمى اليوم (الدكتاتور العادل) ويسعى إلى تطبيع هذا المبدأ في مجال الإدارة، فكان يقول: ما يتفق أن يكون أكثر من ظالم واحد - يعني نفسه ويقول عماد الدين خليل كلمة ظالم تعني السيطرة الفردية المركزية في الحكم، وعدم السماح للموظفين الآخرين بالارتفاع إلى مستوى مسؤوليته في الإدارة، ومشاركته في الحكم وعدم السماح للموظفين الآخرين بالارتفاع إلى مستوى مسؤليته في الإدارة، ومشاركته في الحكم ولهذا السبب - نفسه - لم يكن زنكي يسمح لموظفيه وعماله بظلم أحد من أفراد الرعية أو التعرض لهم بأي أذى. وقد عاقب عز الدين الدبيسي - وهو من أكابر أمرائه - لأنه سلب أحد يهود جزيرة بن عمر بيته وعاقب أحد ولاته بسمل عينيه لتعرضه لامرأة فخاف الولاة وانزجروا . وعجز القوي عن ظالم الضعيف .



ك- نهيه عن أصحابه وموظفيه عن اقتناء الأملاك :


كان ينهي أصحابه وموظفيه عن اقتناء الأملاك قائلاً لهم : ما دامت البلاد بأيدينا فأي حاجة بكم إلى الأملاك، فإن الاقطاعات تغني عنها، فإن خرجت البلاد من أيدينا، فإن الأملاك تذهب معها ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية وتعدوا عليهم وغصبوهم أملاكهم . وقد لخص زنكي بهذا التصريح سياسته العادلة إزاء الرعية، وموقفه من موظفيه كما أوضح مفهومه عن الحكم المستبد العادل، وهذا هو الذي دفع عدداً من المؤرخين إلى التأكيد على سياسته العادلة لدى استعراضهم لسيرته ، وأنه كان يتقبل آراء الرعية وانتقاداتهم ويروي ابن واصل أن زنكي كان يمارس الظلم في بدء أمره، فسمع في إحدى الليالي شخصاً يغني بيتين من الشعر عن العدل فبكى وتبّدلت نيته في الظلم، والزم نفسه بالعدل منُذ ذلك اليوم ، كما يشير ابن العديم إلى أن أهل حران امتدحوا سياسة زنكي العادلة معهم ثم يقول : وبلغني أنه لا يتجاسر أحد من رعيته، كائناً من كان، أن يظلم أحداً من خلق الله . وفي العموم كانت سياسته إلى العدل أميل وخالطها شيء من الظلم، وحرص على التخلص منه.




4- الدواوين :



كان ديوان زنكي يقاس بدواوين السلاطين السلاجقة لكثرة التجميل ونفاذ الأمر، وعظم الحاشية والخرج وهذا يؤكد أهمية ذلك الديوان وبلوغه مرحلة متقدمة من الاتساع والنمو وكثرة الموظفين وضخامة المصروفات بحيث أن أي مراجع كان يقصده كان يجد من " توفر - موظفيه عليه ونظرهم في مصالحة ما - يجعله - كأنه في أهله




5- الأمن الداخلي والأعمار :



استطاع زنكي، بإدارته الحازمة وضبطه للأمور وعدالته وبمساعدة أجهزة الجيش والبريد أن يحقق نتائج هامة في إمارته في مجال اقرار الأمن والقضاء على المفسدين ونشر العمران في البلاد، حيث يشير ابن العديم إلى أن البلاد عمرت في أيام زنكي : بعد خرابها وسادها الأمن بعد الخوف، وكان زنكي لا يبقي على مفسد وقد كان الأمن مضطرباً في الموصل نفسها خلال الفترة التي سبقت حكم زنكي، ويورد ابن الأثير نصاً يلقي ضوءاً على الموضوع، رغم ما فيه من مبالغة، يقول فيه : كان الناس لا يقدرون على المشي إلى الجامع غير يوم الجمعة لبعده عن العمارة وكان معظم مناطق البعيدة عن المركز خربة لا عمران فيها ولا أمن وسرعان ما ساد العمران هذه المناطق لدى مجيء زنكي ، بفضل حمايته للبلاد ومنعه المفسدين وكفه أيدي الأقوياء . وكان لانتشار الأمن في المنطقة أثر واضح في زيادة عدد السكان في إمارة زنكي ، كما غدت الموصل ملجأ للمهاجرين من بغداد بسبب فقدان الأمن هناك واشتداد الضوائق الاقتصادية . وبالإمكان معرفة الدور الذي لعبه زنكي في مجال الأمن بتتبع ذلك في الأيام التي أعقبت اغتياله حيث اضطربت الأعمال، واختلت المسالك، وانطلقت أيدي الحرامية في إفساد الأطراف والعبث في سائر النواحي .

وعندما كان زنكي يسيطر على المدن، لم يكن يترك جنوده يتحكمون بمقدراتها ويسيئون إلى أهاليها وينشرون الرعب والفوضى في بروعها، بل كان سرعان ما يعين عليها والياً من قبله، كي تكون الكلمة والسلطة بأيدي رجال مدنيين، من أجل إحلال الأمن في المدينة وإعمارها وكان لا يسمع - أبداً - لجنده - خلال التحركات والعمليات الحربية بأن يعتدوا على الفلاحين بنهب أو تخريب مزارعهم فكان العسكر يمشي خلفه كأنهم بين خيطين، مخافة أن يدوس العسكر شيئاً من الزرع ولا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ - ولو مقداراً ضئيلاً من التبن - من فلاح إلا بثمنه، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية وإن تعدى أحد صلبه ، ومراراً عديدة، وفي مناطق مختلفة، والهدم والتسلط العسكري، ففي عام 528ﻫ - مثلاًُ قام بالقضاء على أعمال النهب والفوضى التي كان يقوم بها بعض أكراد شرقي الموصل ضد الفلاحين وفي عام 533ﻫ استولى على منطقة شهرزور التركمانية : فأصلح أحوال أهلها وخفف عنهم ما كانوا يلقونه من التركمان . وفي عام 537ﻫ استطاع أن يستولى على عدد من حصون الأكراد شمالي الموصل وأن يقضي على أعمال الفساد في المنطقة . وفي عام 539ﻫ قام عسكره - أثر استرجاع الرها من الصليبيين - باستباحة المدينة خلال الأيام الأولى من الفتح : فلما دخل زنكي البلد أعجبه منظره، فأسف لمثله من الخراب، ورأى أن تخريبه وإخلاءه من أهله غير مستحسن من مثله فأمر بإعادة ما أخذ من سبي وأموال، فردوا عن آخرهم، وعاد البلد عامراً آهلاً آمناً ، ثم أصدر أوامره بإعادة أعمار الرها ، فأصلح أحوال أهلها وخفف عنهم ما كانوا يلقونه من التركمان . وفي عام 537ﻫ استطاع أن يستولي على عدد من حصون الأكراد شمالي الموصل وأن يقضي على أعمال الفساد في المنطقة . وفي عام 539ﻫ قام عسكره – أثر استرجاع الرها من الصليبيين – باستباحة المدينة خلال الأيام الأولى من الفتح : فلما دخل زنكي البلد أعجبه منظره، فأسف لمثله من الخراب، ورأى أن تخريبه وإخلاءه من أهله غير مستحسن من مثله فأمر بإعادة ما أخذ من سبي وأموال، فرداً عن آخرهم، وعاد البلد عامراً آهلاً آمناً ، ثم أصدر أوامره بإعادة أعمار الرها . ولا أدل على حب عماد الدين زنكي للأعمار ورفقه بأهالي المناطق المفتوحة من تعيينه نجم الدين أيوب واليا على بعلبك عام 534ﻫ، وهو الذي توسط لدى زنكي في العفو عن أمراء بعلبك الذين حكم عليهم بالأعدام، فأجابه زنكي إلى طلبه وولاه على بعلبك وأقطعه ثلثها .





6- سياسة الترحيل :



اتبع زنكي ما يمكن تسميته بـ ( سياسة الترحيل ) أي نقل جماعة من مكان إلى مكان آخر لتحقيق غرضين.

أولهما : التمكين لحكمه في بعض المناطق التي استولى عليها .

وثانيهما : اتخاذ بعض هذه الجماعات كقوات حاجزة بين ممتلكاته وبين مناطق الأعداء، ففي عام 536ﻫ استولى على مدينة الحديثة الواقعة على الفرات، ونقل من كان بها من آل مهراش إلى الموصل ورتب أصحابه فيها ، وأغلب الظن أن آل مهراش هم حكام " الحديثة " الذين كانوا يهددون سيطرة زنكي على المدينة مما اضطره إلى إبعادهم وفي عام 540ﻫ وعندما أعلن أرمن الرها العصيان ضد زنكي واستطاع نائبه زين الدين كجك أن يقضي على المحاولة، أمره زنكي بإعدام قادة المؤامرة ثم قام بترحيل بعض الأرمن من المدينة، وأحل محلهم ثلاثمائة عائلة يهودية تخلصاً من خطر وجودهم وخلال فترة مبكرة من حكم زنكي قام بنقل طائفة من التركمان تدعى " الإيوانية " مع أميرهم ياروق أرسلان إلى الشام، وأسكنهم في ولاية حلب، وأمرهم بجهاد الصليبيي، ومنحهم الحق في تملك كل ما استولوا عليه من البلاد العائدة لهؤلاء وقد استطاعت هذه الطائفة – فعلاً – أن تسترد من الصليبيين الكثير من الأراضي المحيطة بحلب حيث بقيت بأيديهم إلى سنة 600ﻫ . وكان ياروق مقدماً كبيراً وإليه نسبت الطائفة الياروقية من التركمان. وقد حققت هذه الطائفة – فضلاً عن أعمالها الحربية – نتائج عمرانية، إذ بنى ياروق وأتباعه على شاطئ نهر قويق المار بحلب. عمائر كثيرة عرفت بالياروقية واشتهرت هناك ، وقد استفاد زنكي في توطيد الأمن الداخلي إلى حد كبير من جهاز استخبارته الدقيق ومن البريد، ويمكن القول بأن جند زنكي وحرسه وحاميات المدن قاموا – كذلك – بدور تنفيذي هام في هذا المجال .



خامساً : النظم العسكرية : عند عماد الدين زنكي :



1- الجيش :


كانت مؤسسة الجيش هي القوة الضاربة التي استخدمها زنكي للقضاء على الإمارات المحلية لكي يوحدها في جبهة إسلامية متماسكة ليستطيع مجابهة الصليبيين، وقد اعتنى بجيشه بحيث أصبح قوياً متماسكاً ومن الأمور المتعلقة بالجيش التي اهتم بها زنكي :



2-ديوان الجيش :


نظم زنكي ديوان الجيش، ليقوم بالإشراف على أمور الجند وتنظيمهم وتوزيع رواتبهم وأعطياتهم بانتظام وجعل على رأس هذا الديوان موظفاً أعلى يطلق عليه " أمير حاجب " ، وكان عمله أن ينصف بين الأمراء والجند، تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان وتارة بمراجعة النائب، وإليه تقديم من يعرض ومن يرد وعرض الجند، وماناسب ذلك ، كما كان ينظر في مخاصمة الأجناد واختلافهم في أمور الاقطاعات ونحو ذلك ، وذكر ابن الأثير أنه : كان لزنكي جماعة كثيرة من الخراسانية في الركاب أي ما يشبه الحرس الخاص المرافق للأمير - ، لهم الجامكيات الوافرة، وكان في الديوان من يجمعونها من جهاتها ويقسمونها عليهم كل ثلاثة أشهر مرة، ففي بعض السنين تأخرت (رواتبهم) تأخراً يسيراً، فاجتمعوا ووقفوا بحيث يراهم زنكي مجتمعين، فعلم أنهم يشكون شيئاً، فأرسل إليهم وسألهم عن حالهم فذكروه له فقال لهم : أشكو تم إلى الديوان ؟ قالوا : لا قال : فهل ذكرتم حالكم .. للأمير حاجب ؟ قالوا : لا قال : فلأي شيء أعطي الديوان مائة ألف دينار وأعطي الأمير حاجب أكثر من ذلك، إذا كنت أنا أتولى الأمور صغيرها وكبيرها ؟ .. كان عليكم أن تشكوا حالكم إلى الديوان، فإن أهملوا أمركم قلتم (لأمير حاجب)، فإن أهمل أمركم شكوتم الجميع إليّ حتى أعاقبكم على أهمالكم، وأما الآن فالذنب عليكم. ثم أمر بتأديبهم وقطع (رواتبهم)، حتى شفع فيهم بعض الأمراء فعفا عنهم. ثم أحظر موظفي الديوان وأمير حاجب وقال لهم : إذا كنتم تهملون أمر جندي الذين تحت ركابي، ومن هو ملازمي في سفري وأقامتي، وبهم من الحاجة إلى النفقات في أسفارهم ما تعلمونه، فكيف يكون حال من بعد عني ؟ وأنكر عليهم ذلك، فخرجوا من عنده وفرقوا في الأجناد من أموالهم إلى حين وصول " رواتبهم " فأخذوا عوض ما أخرجوه ، ويعلق ابن الأثير على هذه الحادثة قائلاً بأن زنكي بهذا الأجراء : أصلح الجند لطاعة الديوان وأصلح الديوان للنظر في مصالح الجند وعظم نفسه عن أن يخاطب في هذا الأمر الحقير، وسهل عليه بذل المبلغ الكثير لمن يقوم بأموره .




3- أمير حاجب زنكي :



تولى صلاح الدين بن أيوب الياغسياني منصب أمير حاجب لدى زنكي، ويرجع ذلك في تولية الأخير على الموصل إذ كان أحد عضوين في الوفد الذي توجه إلى بغداد عام 521ﻫ لمفاوضة المسؤولين حول إقرار الوضع في المنطقة وقد وعده زنكي بتوليته منصب أمير حاجب حالماً يستقر في الموصل فلما دخلها عام 521ﻫ ولاه هذا المنصب الهام ، وقد ظل الياغسياني يلازم زنكي في حله وترحاله، وأعتمد عليه هذا في مهامه العسكرية، وجعله أحد قواده الكبار. وكلفه بقيادة جيشه في عدد من المهام والمعارك العسكرية ، وتقدم لدى زنكي بالمناصحة وسداد التدبير. وحسن السفارة وصواب الرأي ، ولذلك لم يعترضه أو يقيله من منصبه طيلة فترة حكمه .


4 - تنظيم الجيش وعناصره :


يعتبر نظم عماد الدين زنكي امتداد لنظم السلاجقة من جهة وأساس للنظم الأيوبية والمملوكية من جهة أخرى ومن العناصر التي كانت تشكل جيش زنكي، الخراسانيون، والتركمان الذين كانوا يشكلون أعداداً كبيرة، إذ يشير ابن القلانسي إلى أن زنكي عند ما حاصر الرها عام 539ﻫ كاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم للمعونة عليها (أي على الرها) وأداء فريضة الجهاد، فوصل إليه منهم الخلق الكثير بحيث أحاطوا بها من جميع الجهات وحالوا بينها وبين ما يصل إليها من الميرة والأقوات ، وقد استفاد زنكي من التركمان لجهاد الصليبيين بالدرجة الأولى. وقام بنقل طائفة من التركمان الأيوانية مع أميرهم "الياروق" إلى الشام وأسكنهم بولاية حلب، وأمرهم بجهاد الفرنج، وملكهم كل ما استنفذوه من البلاد التي لهم .. فكانوا يغادرون الفرنج بالقتال ويراوحونهم ولم يزل جميع ما فتحوه بأيديهم إلى سنة 600ﻫ. وقد استفاد الأمير سوار بن ايتكين التركماني، نائب زنكي في حلب، من التركمان في غارته ضد الصليبيين في شمالي الشام واستطاع أن يحقق بواسطتهم انتصارات عديدة ، وكان التركمان ينتشرون في معظم أنحاء الشام وبخاصة مناطق الفرات وكانوا طوائف كثيرة وجماعة كبيرة . وكان زنكي يمضي إلى الفرات لجمع التركمان قبل القيام بمعاركه المهمة، إذ كان هؤلاء بإعدادهم الضخمة ومرانهم في الحرب، وشجاعتهم، يشكلون أهم عنصر في جيشه وجاءت اشارات متعددة عن (الحلبيين) كقوة عسكرية اشتركت في معارك عديدة ضد الصليبيين في شمالي الشام بقيادة الأمير سوار، وقامت بدور أساسي في الدفاع عن حلب وبعض المدن الأخرى القريبة، عند هجوم الأمبراطور البيزنطي المتحالف مع الصليبيين على هذه المنطقة عام 532ﻫ ، كما قام الحلبيون بدور هام في فتح الرها عام 539ﻫ جنباً إلى جنب مع الخراسانيين، إذ كان في (الحلبيين) أيضاً من هو " عارف بمواضع النقوب "، فنقبوا عدة مواضع مع الخراسانيين، وأشعلوا فيها النار مما أدى إلى انهيار بعض أجزاء السور ودخول المسلمين إلى الرها . وقد كان هؤلاء الحلبيون، من سكان حلب الأصليين، أي من العرب، بدليل ما أورده ابن العديم من أن زنكي كان يجبر فلاحي حلب على الالتحاق بجيشه في أوقات القتال ، ويظهر أن هؤلاء كانوا يتركون الجيش ويعودون إلى أعمالهم الزراعية بعد انتهاء القتال، ولا ريب أنهم كانوا يتقاضون أجوراً على اشتراكهم في المعارك، سواء كانت أرزاقاً معينة، أم ما يحصلون عليه من الغنائم، وقد ذكر ابن واصل أن زنكي رحل إلى أرض حماة عام 533ﻫ واستصحب من أهلها تسعة آلاف راجل يخدمون الركاب . أي للقيام بمهمة الحشم في خدمة الجيش وامرائه في حلهم وترحالهم، فضلاً عن حراسة زنكي الخاصة، مما يشير إلى أن هذا اعتمد على أهالي الشام في كثير من الأمور الحربية وأعتمد جيشه على عناصر أخرى كالبدو والأكراد .



عدد جيش زنكي :


ويظهر مما سبق أن عدد جيش زنكي لم يكن ثابتاً، بل كان عرضة للزيادة والنقصان بم ينضم إليه من المتطوعين من حين لآخر. وقد حاول زنكي أن يضمن وجود مورد عسكري بشري ثابت، ففرض التجنيد الإجباري على بعض المناطق القريبة من مواطن الخطر، ولذلك كان يلزم أهل حلب بجمع الرجالة للقتال والحصار فإن كان ذلك في جهاد الكفار، فقد كان يجلب عليهم ذلك وله الزامهم به .



معسكرات عماد الدين زنكي :



هنالك إشارات محدودة عن معسكرات الجند، ففي شتاء إحدى السنين قدم زنكي إلى جزيرة ابن عمر، فنزل بالقلعة، وعسكر جنده في الخيام خارج المدينة ، الأمر الذي يشير إلى وجود معسكرات غير ثابتة في الحالات الطارئة، وأما في الحالات الدائمة، فقد كان زنكي يقيم حامية عسكرية في كل مدينة أو حصن يفتحه بعد أن يقطع أراضيها لأمراء الحامية وجنودها وهذا يؤكد وجود معسكرات ثابتة في مختلف المناطق التابعة لزنكي، ولم تحدد المصادر فيما إذا كانت سكنى الجند داخل القلاع أم خارجها ؟



استخدام الخيل في جيش عماد الدين :



وردت اشارات عديدة عن اهتمام قوات عماد الدين زنكي بالخيل واستخدامها في مختلف الحروب. وفي الهجمات السريعة، وقد ذكر أسامة بن منقذ بعض اللمحات عن الخيول في عهد زنكي فكان الفارس يلبس الزردية، أو الكزاغند (أي الدرع). والخوذة ويقاتل بالسيف أحياناً وبالدبوس أحياناً أخرى . وقد جرى التنافس بين قوات زنكي لاقتناء الخيول الحسنة وكان للأمراء ركائبيون واصطبلات خاصة لخيولهم ويشير ابن العديم إلى استخدام الخيل في معارك عام 532ﻫ ضد الروم والصليبيين وقد اعتمد الأمير سوار نائب زنكي في حلب على الخيول في غاراته التي شنها ضد الصليبيين . وقد اعتمد الأمير سوار نائب زنكي في حلب على الخيول في غاراته التي شنها ضد الصليبيين . وهنالك إشارات مختصرة عن تنظيم النقل في جيش زنكي، إذ يشير ابن منقذ إلى استخدام زنكي للبغال . ويظهر أن حروبه الجبلية دفعته إلى ذلك، كما استخدمت الإبل في مناطق الجزيرة المستوية في الظروف التي تطلبت السرعة .



- استدعاء الجيوش وأساليب الحرب :


قبيل إعلان الحرب كان زنكي يستدعي قوات من المتطوعين لتنضم إلى جيوشه النظامية المجهزة . فعندما عزم على فتح الرها عام 539ﻫ كاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم للمعونة عليها، وأداء فريضة الجهاد فوصل إليه منهم الخلق الكثير . كما كان يمر – في طريقه إلى الحرب ببعض مدن إمارته ويجمع منها الجند ليضيفهم إلى قواته كما فعل مع أهالي حلب ، وحماة وكان الجهاد ضد الصليبيين أحد الدوافع المهمة في اشتراك المتطوعين في حروب زنكي وخصوصاً التركمان، كما كانت الرغبة في الغنائم والخوف من سلطة زنكي ، من الدوافع الأخرى لذلك. وكانت معظم المعارك التي خاضها زنكي عبارة عن هجمات ومحاصرة للحصون الكثيرة المنتشرة في منطقة الجزيرة والشام، وأما المعارك المفتوحة فإنها كانت أقلّ من حروب الأسوار بشكل ملحوظ ولذلك قلت الإشارات عن الأساليب التي اتبعت فيها .

* وكان للجواسيس أهمية كبيرة في المعارك التي خاضها زنكي، وكانوا ينتشرون في مناطق العدو، ويطلعون أميرهم على تحركاته وإمكانياته لكي يكون على بينة من الأمر، وكان زنكي يحدد موقفه الحربي أحياناً بناء على ما يقدمه هؤلاء من معلومات ، ومن ثم يتجه هو أو أحد قواده على رأس الجيش لفرض الحصار، فإذا ما استدعت الظروف السرعة في السير أتخذ من الوسائل ما يكفل ذلك، ففي عام 528ﻫ على سبيل المثال، توجه إلى (خلاط) وأراد الوصول إليها بسرعة، فسلك طريقاً عبر الجبال عبر الطريق المسلوك وكان جنده يستريحون، كل واحد في موضعه دون خيام . وعندما توجه لحصار الرها عام 539ﻫ استعان على السرعة بركوب النجائب (أي الإبل صغيرة العمر) .



* حروب الأسوار :


قدمت بعض المصادر تفصيلات عن أساليب الأسوار، ففي حصار الرها، تقدم زنكي – أولاً – إلى أهل الحصن بتسليمه له دون أن يضطر إلى تخريبه، فلما رفضوا أمر المنجنيقات بالضرب : وقاد الشجعان لنزاله على شكل زحوف مستمرة لقتال الحامية وفي الوقت نفسه، كان النقابون : العارفون بمواضع النقوب : يعملون على نقب بعض المناطق الواقعة تحت الأبراج وبعد ذلك وضعوا فيها الأخشاب وأحرقوها فسقطت الأبراج واحترق السور واندفع جند زنكي إلى داخل الحصن .


* أسلوب الاشتباك :



اتبع زنكي أسلوب الاشتباك مع حامية الحصن حالماً بفسح المجال بذلك، إذ تبدأ المنجنيقات أولاً – بضرب الأسوار، وما أن تحدث بعض الفتحات حتى يقوم عدد من جنده بهجوم سريع على تلك المناطق والاشتباك مع الحامية، فإذا ما قضوا على المدافعين فتحوا الطريق أمام الجيش للدخول إلى الحصن والاستيلاء عليه .

* الناحية التموينية : كان عماد الدين زنكي يؤكد في حصاره للحصون على الناحية التموينية، فيفرض حصاراً اقتصادياً على الحصن. فضلاً عن الحصار العسكري ، كما كان يؤكد على إثارة حماسة الجند بأن يشترك هو نفسه في الهجوم على الأسوار كما حدث في معركتي عقر الحميدية عام 528ﻫ والرها عام 539ﻫ.



*الحروب المفتوحة :


فقد اتبع زنكي أسلوب الحرب المفتوحة، حيث تقسم القوات إلى عدة مجموعات على رأس كل منها أمير : ميمنة، قلب، ميسرة، مقدمة، مؤخرة. وقد ظهرت براعة زنكي وقواده في استخدام الأساليب المختلفة في القتال كنصب الكمائن وفي الحالات التي كانوا يرون فيها أن من الخطورة الدخول بمعارك مفتوحة مع العدو، أما لقلة عددهم، أو لعدم ملائمة الظروف العسكرية لهذا النوع من القتال، في هذه الحالات، كان زنكي وقواده يلجأون إلى شن الغارات على معسكرات العدو والانسحاب بسرعة وكانوا يستهدفون من ذلك أقلاق تلك المعسكرات ونشر الخوف والفوضى في صفوفها وذلك بما يحدثونه في أطرافها من قتل واختطاف ونهب وتخريب، مما يؤدي. أيضاً إلى اضطراب في تموين العدو، وهو عامل هام لاضعافه، وقد حققت هذه الأساليب انتصارات عديدة لزنكي ورجاله . وكان زنكي – أحياناً أخرى – يمارس ضغطه الاقتصادي ضد أعدائه عن طريق القيام بعمليات النهب والتخريب في المناطق التي تمد حصون هؤلاء بالتموين، كما حدث في منطقة حمص في السنوات التي سبقت الاستيلاء عليها عام 532ﻫ وفي حصاره لدمشق عام 534ﻫ حيث أحرق عدة قرى من المرج والغوطة وشن الغارات على حوران وأعمال دمشق للنهب والتخريب .



- الأسلحة التي استخدمها عماد الدين زنكي في جهاده :



فقد ورد ذكر منها كالدبوس وهو آلة من حديد ذات أضلاع والرماح، والسيوف، والقوس والسهم والنشاب والمنجنيقات والدبابة والكبش والقلعة المتحركة والتي كانت تستخدم لنقل الجند والمعدات الحربية إلى الأسوار لكي تحميهم من سهام الأعداء ونيرانهم ، كما استعمل جند زنكي النار العادية لحرق الأسوار بعد نقبها وملئها بالخشب وبلغت أسلحت زنكي من الكثرة في إحدى المعارك بحيث قال عنها الشاعر : ظننا البر بحراً من سلاح ، وكان مع جيوش زنكي جرائحي لعلاج مصاب الحرب ، وربما كان ذلك دليل على وجود مجموعة، أو هيئة ترافق جند زنكي لإسعاف الجرحى .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 15-11-2008, 12:23 PM   رقم المشاركة : 10
عضو شرف
 
 
الصورة الرمزية اسامة صلاح








 

معلومات إضافية

 الحالة : اسامة صلاح متصل الآن

تم شكر: 0
تم شكري : 0 مرة في 0 مشاركة

الإتصال :

قوة التقييم :71
اسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداعاسامة صلاح فاق حدود الإبداع

المزاج

[ Thanks Pink & Candy 3hood ]

 SmS&MMS

اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي

وسام الشكر والتقدير 

 

Bookmark and Share

 

افتراضي رد: يا ولدي.. أريدك كذاك الأمير!

الللقاء الرابع من سيرة عماد الدين زنكى



*سلوك الأمراء والجند تجاه سكان وحاميات المدن المفتوحة :


كانت الاعتبارات السياسية والعسكرية هي التي تجدد سلوك الجند وأمرائهم تجاه سكان وحاميات المدن المفتوحة، ففي عام 533ﻫ على سبيل المثال، فتح زنكي حصن بزاعة بالسيف : وقتل كل من فيه من الروم والفرنج ، كرد انتقامي على سلوك الروم والصليبيين تجاه المسلمين لدى استيلائهم على هذا الحصن، ومعاملتهم لأهله بوحشية بالغة . كما أن هذا الحصن كان يشكل مركزاً عسكرياً مهما لقربه من حلب ومن ثم فإن وجود أية جماعة تؤيد الصليبيين فيه يشكل خطراً على المنطقة كلها وكذلك يمكن القول في موقف زنكي عند فتح الرها عام 539ﻫ، بعد مقاومة شديدة دفعته إلى إطلاق الحرية لجنده وأمرائه في الأيام الأولى من الفتح، فملأوا أيديهم من الغنائم والأسلاب والأسرى، لكنه لدى إطلاعه على البلد : أعجبه منظره فأسف لمثله في الخراب، ورأي أن خرابه وإخلاءه غير مستحسن، فأمر باعادة ما أخذ من الغنائم والسبي فردوا، وعاد البلد عامراً، آهلاً بالسكان، بعد أن كان داثراً . وهكذا نجد أن موقف زنكي بالسماح لجنده بالنهب والأسر كان ذا اعتبار عسكري بسبب المقاومة العنيفة تلك الأعمال كان ذا اعتبار سياسي، إذ كان يرمي من وراء ذلك جعل المسيحيين الوطنيين في الرها كتلة واحدة يقيد منها ضد الصليبيين الذين يخالفونهنم في المذهب، ولعله أراد أن يستعين بالمسيحيين الوطنيين بالإضافة إلى الحامية التركية في المحافظة على الرها بعد طرد القوات الصليبية منها . ولذلك اجتهد في مصالح – أهل الرها – ووعدهم باجمال السيرة وبسط العدالة ، وعلى هذا الأساس كانت معاملة زنكي لأهل بعلبك وأمرائها بعد أن أعطاهم الأمان، إذ أن ما أتخذه معهم من شد وقسوة قصد به إثارة خوف المقاتلين له من المسلمين في دمشق .



- علاقة عماد الدين زنكي بجنوده :



قامت علاق عماد الدين زنكي بجنده على النظام والطاعة والانضباط من جهة وعلى الود والتعاطف والرأفة من جهة أخرى، بسبب ما قدمه للجند من رواتب حسنة، وما شمل به أهليهم من رعاية واهتمام ، وكان عقابه صارماً للمخالفين من جنده سيما إذا كانت مخالفتهم على حساب الرعية ، وقد بلغ زنكي من السطوة والنفوذ لدى جنده أنه : إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خيطين، مخافة أن يدوس العسكر شيئاً من الزرع، ولا يحسر أحد من هيبته أن يدوس عرقاً منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يحسر أحد من أجناده أن يأخذ من فلاح حفنة من التبن إلا بثمنها، أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية ، وكان زنكي يقدر الدور الهام الذي يؤديه الجند في خدمة الإمارة لذلك عني بتوفير الراحة والاستقرار للجندي في كل ما يتعلق به، وبخاصة عائلته وزوجته؛ فكان شديد الغيرة على الحريم، لا سيما نساء الجند، فإن التعرض إليهن كان من الذنوب التي لا يغفرها وقد علل ذلك بقوله : إن جندي لا يفارقوني في أسفاري وما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حرمهم هلكن وفسدن ، ولذلك كان يعاقب المتعرضين للنساء أشد العقاب وقد مّر معنا قصة والي جزيرة ابن عمر التابع لعماد الدين زنكي (حسن البرطي) وكيف جرده من كل أمواله وعاقبة .



- الاستخبارات :


أقام عماد الدين زنكي جهازاً للمخابرات وخصص له الموظفين والرواتب وقد ورد عنه أنه : كان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجري لأصحابها حتى في خلواتهم، وكان له في بلاط السلطان السلجوقي من يطالعه وبكتب إليه بكل ما يفعله السلطان في ليله ونهاره وحرب وسلم، وهزل وجد، وكان (يصرف) على ذلك الأموال الجليلة، وكان يصل إليه في كل يوم عدة قاصدين أو كتب كما كان له في كل بلد من يطالعه بالأخبار ، وقد اتصف عماد الدين زنكي بالدراية الواسعة والحذر في هذا المجال : فكان لا يمكن رسول ملك يعبر في بلاده بغير إذنه، وإذا أستأذنه رسول في العبور إلى بلاده أذن له وأرسل إليه من يسيره ولا يتركه يجمتع بأحد من الرعية ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاده ويخرج منها ولا يعلم من أحوالها شيئاً البتة ، كما كان لا يمكن أحد موظفيه من مغادرة بلاده ويعلل ذلك بأن البلاد، كبستان عليه سياج فمن هو خارج السياج يهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدل على عورتها ويطمع العدو فيها، زالت الهيبة وتطرق الخصوم إليها وهنالك عدد من الروايات حول هروب بعض موظفيه وفلاحيه إلى الإمارات الأخرى وإلحاحه بإعادتهم إلى إماراته حتى لو اضطره ذلك إلى استخدام القوة وقد قدم جهاز مخابراته خدمات مهمة له في ظروف شتى ولعب دوراً هاماً في حصار بعرين عام 531ﻫ ، وحصار الرها عام 539ﻫ كما كان يستخدمه عماد الدين على أحوال الجند لدى حصارهم بعض المواقع وملاحظة ما يصل إليهم من رواتب وسلاح ، وكان عماد الدين زنكي مع اشتغاله بأمور الدولة الهامة لا يهمل الإطلاع على القضايا الثانوية، معللاً ذلك. بأن الصغير إذا لم يعرف ليمنع، صار كبيراً . وكان من الطبيعي أن رجال المخبارات في الدولة الزنكية ارتبطوا بعماد الدين مباشرة نظراً لأهمية دورهم السياسي والعسكري، ولأنهم كانوا يتسلمون أوامرهم المباشرة منه .



1- كان عماد الدين زنكي رجلاً ذا هدف واضح


وهذا أول شروط النجاح، وكان جاداً ومثابراً في تنفيذ خططه، وكان غالباً لا يهادن الصليبيين قاسياً عليهم وكان حريصاً على نشر الخوف في حصونهم وقلاعهم ومدنهم، وكان يقدر الظروف الحربية، فقد هادن جوسلين عندما قدم إلى الموصل لكي يتفرغ لإصلاح البلاد وتجنيد الأجناد، وتجنب مهاجمة مملكة بيت المقدس، حتى لا يثير أوروبا ضده، فقد كان هدفه القضاء على الأطراف مثل الرها، وأضعاف أنطاكية والقضاء على إمارة طرابلس وله فقه كبير في السياسة الحربية ستبين بإذن الله تعالى عند الحديث عن جهوده الوحدوية وأعماله الجهادية.



2- نظام الإقطاع العسكري :


أدرك زنكي ضرورة توزيع الإقطاعات على أمرائه وجنده نظراً لطبيعة الظروف الحربية والسياسية التي جابهتها إمارته، حيث انتشرت مجموعة من الإمارات المحلية المتنافسة في الجزيرة والشام والجبال وشرقي الموصل، فضلاً عن إمارات الصليبيين، فكان ذلك يحتم عليه اتباع الأساليب التي تضمن له تشكيل قوة عسكرية متمكنة، يخلص أفرادها لأميرهم ومصلحة إمارتهم بناء على وجود مصالح مشتركة، وليس ثمة في تلك الفترة ما هو أحسن من الأسلوب الاقطاعي لضمان تكوين الجندي المخلص والجيش القوي المنظم لذلك كان أول عمل قام به زنكي عند دخوله الموصل 521ﻫ هو "تقرير قواعد الجنود وإقطاع العساكر" كما جعل من منهجه قبل الاصطدام مع الصليبيين، الاستيلاء على ما بقي من البلاد الشامية والجزرية، وإصلاح شأنها، والفرغ من إقطاع بلادها لجند يختبرهم ويعرف نصحهم وشجاعتهم وفي سبيل تحقيق ذلك عقد هدنة مؤقتة مع صليبي الرها ، ولم تكن معظم مدن الموصل والجزيرة وشمالي الشام خاضعة لزنكي عند توليته هذه المناطق رسمياً من قبل السلطان السلجوقي، لذا غدت معظم عمليات التوزيع الاقطاعي متوقفة إلى حد كبير على فتوحاته ومتدرجة زمنياً مع أوقات هذه الفتوحات، فكان كلما استولى على بلد " رتب أموره وأقطع أعماله الأجناد والأمراء وفضلاً عن قيام المقطع بالدفاع عن المنطقة وامداد جيوش زنكي بقوات من عنده في حالات القتال فقد استخدم الأخير الاقطاع لأغراض أخرى أهمها الغرض الإداري، وهو قيام المقطع بإدارة أمور ولايته كوال من قبل زنكي على تلك المنطقة أو لإبعاد الشخص الذي يرى في وجوده خطراً باقطاعه منطقة بعيدة، أو لإكرام بعض أمرائه المقربين اعترافاً بفضلهم أو لإغراء بعض أعدائه بتسليم حصونهم مقابل إقطاعهم بعض المناطق ، كما أنه تنازل عن بعض الحصون التي فتحها في ديار بكر لحسام الدين تمرتاش أمير بني أرتق وذلك لأغراض سياسية تستهدف تقوية حلفه مع حسام الدين ضد أعدائه في المنطقة وإليك أسماء بعض الأمراء والقواد الذي أقطعهم زنكي بعض المدن والحصون :



أ- الأمير جاولي الذي كان وصياً على ابن عز الدين مسعود والي الموصل المتوفي عام 521ﻫ، أقطع الرحبة تخلصاً من خطره .

ب- بهاء الدين بن القاسم الشهرزوري، قاضي قضاة الموصل، وهبه زنكي أملاكاً وإقطاعاً
لم تحددها المصادر.

ج- أبو بكر البكجي، أحد كبار أمراء زنكي، أقطع نصيبين .

د- سوتكين الكرجي، أقطع حران عام 522ﻫ أو 523ﻫ وفي عام 527ﻫ أعلن العصيان وقد استطاع زنكي القضاء عليه عام 533ﻫ وعين نوابه هناك .

ﻫ- صلاح الدين الياغسياني (أمير حاجب). قطع حماة عام 523ﻫ.

و- زين الدين علي كجك بن بكتكين، أحد كبار قواد زنكي أقطع أربل عام 526ﻫ ، وعقر الحميدية وأعمالها عام 528ﻫ وشهر زور .

ز- شهاب الدين أميرك الجاندار، أقطع الرقة عام 529ﻫ .

ح- نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه : قطعهما زنكي في بلد شهرزور إقطاعاً سنياً، وقيل أنه أقطع أسد الدين بالمؤزر وذلك بعد التجائهما إليه في أواخر عام 532ﻫ.

ط- عز الدين الدبيسي من أكابر أمراء زنكي، كانت دقوقاً من جملة إقطاعه .

ي- ناصر الدين كوري بن جكرمش (والي الموصل 495 - 500ﻫ) أقطعه زنكي إقطاعاً كثيراً اعترافاً بفضل والده .

ك- الأمير سوار بن ايتكين التركماني، ولي حلب عام 524ﻫ وأجرى عليه زنكي الاقطاعات الكثيرة، وأعتمد عليه في قتال الفرنج .

ل- نجم الدين أيوب الذي ولاه زنكي بعلبك عام 534ﻫ، بعد أن أقطعه ثلثها، وقيل :
نصفها .


وكان زنكي يمتلك بعض الاقطاعات، خارج حدود إمارته حصل عليها في ظروف استثنائية، كتلك التي وهبه الخليفة المقتفي إياها، من أملاكه الخاصة في بغداد، رغبة في استمالته وقال متحدثاً عن ذلك : هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف، وهي أن يكون له في العراق إقطاع . ومن ثم اعتبر هذا النوع من الاقطاع شاذاً . فهذه بعض الأسماء التي قدمتها المصادر عن مقطعي زنكي من كبار الأمراء والقواد، والراجح أن عدداً كبيراً من المقطعين لم تشر إليهم المصادر، أما إغفالاً منها، أو لعدم أهمية الأماكن التي أقطعت لهم من النواحي العسكرية والجغرافية وربما لقلة اشتهار المقطعين أنفسهم ، وقد وزعت الاقطاعات على الجند فضلاً عن الأمراء، وتشير النصوص الواردة في ذلك إلى أن زنكي كان يقوم بنفسه أحياناً، بتقرير قواعد الجند واقطاعهم وأورد ابن الأثير في الباهر الإجراء الذي اتخذه زنكي بشأن امرائه المقطعين، إذ نهى هؤلاء : من اقتناء الأملاك معللاً ذلك بقوله : ما دامت البلاد لنا فأي حاجة بكم إلى الأملاك ؟ فإن الاقطاعات تغني عنها، وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية وتعدوا عليهم، وغصبوا أملاكهم . وهذا النص يؤكد بوضوح عدم وجود ملكية مباشرة للأرض من قبل المقطعين بل كانت هذه الملكية بيد الفلاحين ، والأهالي، مقابل دفع ضريبة سنوية للحكومة والمقطعين ، وقد كان لهذا الإجراء الذي اتخذه زنكي بمنع المقطعين من "التملك" نتائج إيجابية.



* إذ أن اقتناء الأملاك من قِبل هؤلاء يؤدي إلى أضرار عديدة قد تلحق بالأهالي وبمصلحة الإمارة على حد سواء أولها ما يجر إليه المقطعين من ظلم للرعية واعتداء عليهم واغتصاب لأملاكهم، ذلك أن الأمير في حالة كهذه سيستخدم ما يمتلكه من نفوذ وسلطة للضغط على أصحاب الملك ببيعه ملكهم بأقل ثمن، وربما دفعهم إلى التنازل عنه بالقوة ، وقد أدرك ابن الأثير مدى عدالة زنكي في هذه الخطوة فعلق عليها قائلاً : فما أحسن هذا الخلق – أي خلق زنكي وأحسن هذا النظر للرعايا، وأكثر هذه الشفقة عليهم والرحمة لهم. لا خلاف في أن عمارة البلاد من ثمرات العدل، وكف الأيدي المتطاولة إلى أهلها .

*وفضلاً عن ذلك، فإن من نتائج اقتناء المقطعين للأملاك تجمع الثروة بأيدي طبقة محدودة من الأمراء، واحتكار هذه الطبقة لموارد الرزق، بينما تبقى أكثرية السكان في فقر مدقع.

* هذا إلى أن اقتناء الأمراء للأملاك والعناية بها قد يؤدي بهم إلى عدم توجيه جهودهم لكل ما يتعلق بالجندية والدفاع وهي الأمور التي أقطعوا الأراضي والأعمال من أجلها
.

ويستدل من بعض الروايات أنه لم يكن يشترط في المقطع البقاء في إقطاعه خاصة إذا كان من أصحاب الوظائف العالية التي تقتضي ملازمته لزنكي وكان المقطع في هذه الحالة ينيب عنه من يقوم بإدارة اقطاعيته، كما حدث بالنسبة لجمال الدين محمد بن أيوب الياغسياني، أمير حاجب زنكي، الذي أقطع عدة مدن، فأناب في كل منها من يعتمد عليه في إدارة شؤونها (كحماه التي أناب فيها ابنه شهاب الدين أحمد ، وحصن الخربة الذي أناب فيه عيسى الحاجب ، وكذلك بالنسبة لزين الدين على كجك بن بكتكين قائد زنكي في الموصل، الذي أقطع أربل وعقر الحمدية وأعمالها ومن المرحج أنه أناب عنه فيهما من يدير شؤونهما، بدليل عدم مغادرته الموصل إلى إقطاعه في أربل إلا عام 563ﻫ .

وتشير الروايات إلى أن نور الدين محمود ابن زنكي أدخل نظام التوريث في الإقطاع، إذ كان : من آرائه الحسنة ما كان يعتمده في أمر أجناده، فإنه كان إذا توفي أحدهم، وخلف ولداً ذكراً، أقر الإقطاع عليه. فكان الأجناد يقولون : هذه أملاكنا يرشها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها وكان ذلك من أعظم الأساب لصبر الجند في الحروب بين يديه . وقد رجح الدكتور عماد الدين خليل أن زنكي سبق ابنه في إدخال هذا النظام، إذ هنالك سابقة من عهده تُشير إلى هذا الاتجاه الجديد في نظام الإقطاع، وذلك عندما قام بنقل طائفة من التركمان مع أميرهم الياروق إلى الشام؛ وأسكنهم بولاية وأمرهم بجهاد الفرنج، وملكهم كل ما استنقذوه من البلاد التي للفرنج وجعله ملكاً لهم، فكانوا يغادون الفرنج بالقتال ويراوحونهم وأخذوا كثير من السواد ، وسدوا ذلك الثغر العظيم، ولم يزل جميع ما فتحوه في أيديهم إلى نحو سنة 600ﻫ. ولا شك أن زنكي، أدرك، كما أدرك ولده من بعده مدى النتائج الإيجابية التي يمكن أن يؤدي إليها نظام التوريث هذا، وأهمها إخلاص جنده له، واستماتتهم في القضاء على ما يهدد إمارته من أخطار لما في ذلك من مصلحة لهم ولأولادهم الذين سيرثون إقطاعهم من بعدهم .



3- نظام الإعداد القيادي (الأتابكية) :


وهي كلمة مشتقة من الكلمة التركية أتابك المركبة من المقطعين (أتا) بمعنى : أب و " بك " بمعنى أمير، وتعني " الوالد الأمير" وكان هذا اللقب يطلق على من يتولى تربية أبناء الملوك والسلاطين، ويرعى شؤونهم وكان الأتابك : هو الحاكم الأعلى في الأتابكية، وكان يلقب بالملك أيضاً، وله الإشراف على جميع شؤون المملكة أو الأتابكية، كما أنه يعد المسؤول الأول عن السياسية الخارجية، ومن حقه أن يعلن الحرب ويقود الجيوش، ويعين الولاة والقواد، فهو لذلك أشبه بالسلطان السلجوقي، كما أن له الحق في نقش اسمه على السكة، والدعاء له في الخطبة إلى جانب اسم الخليفة والسلطان .

وقد عرف عماد الدين زنكي بلقب ( الأتابك ) منُذ تعينه حاكماً على الموصل عام 521ﻫ، واشتهرت الإمارة التي أسسها باسم (أتابكية الموصل) والسلالة التي أعقبته في الحكم باسم الأتابكة، وقد بدأت تسمية زنكي بهذا اللقب في شعبان عام 521ﻫ عندما ولاه السلطان محمود الموصل وسلمه ولديه ألب أرسلان، وفرّوخ شاه (المعروف بالخفاجي) وجعله أتابكاً لهما ، وقد ترتبت على " أتابكية زنكي " نتائج عديدة، فقد كان عليه من الناحية الرسمية، أن يحكم باسم ألب أرسلان، أكبر الأميرين، وأن يخطب له، ولذلك أظهر للخلفاء والسلاطين وأصحاب الأطراف أن البلاد التي يحكمها : إنما هي للملك ألب أرسلان ، وأنه نائب فيها : فكان إذا أرسل رسولاً أو أجاب على رسالة فإنما يقول : قال الملك : كذا وكذا وكان هذا الإجراء من قبل زنكي لا يعدو أن يكون شكلياً، إذ أن السلطة الفعلية كانت متركزة في يده، ولم يكن لأحد من ابني السلطان محمود أية سلطة عملية، بل كانا أشبه بالمحتجزين، إذ فرق زنكي بينهما فجعل أحدهما في أحد معاقل سنجار، والآخر تحت اشراف زوجته في الموصل ، وقد استهدف من الخطبة لألب أرسلان إلقاء الصفة الرسمية " الشرعية " على سياسته وأعماله مستغلاً اسم الملك السلجوقي كما عمل زنكي على استغلال وجود هذين الملكين السلجوقيين، فقام بمحاولات ثلاث (525ﻫ - 529ﻫ) لتنصيب ألب أرسلان على عرش سلاجقة العراق بالاتفاق مع الخليفة العباسي ضد السلطان السلجوقي في اصفهان وقد استهدف من وراء ذلك جعل السلطة الفعلية لسلاجقة العراق بيده باسم السلطان الشرعي المنصب ولكن هذه المحاولات انتهت جميعاً بالفشل .




أ-محاولة انقلابية في الموصل :



قامت مؤامرة ضد عماد الدين زنكي تزعمها الملك الخفاجي عام 539ﻫ أثناء غياب زنكي عن الموصل، إذ اتفق الخفاجي وأنصاره على اغتيال نصير الدين جقر نائب زنكي في الموصل ومن ثم السيطرة على المدينة وإعلان العصيان ضد زنكي ففي صباح الثامن أو التاسع من ذلك القعدة عام 539ﻫ ركب جقر في موكبه كعادته واخترق شوارع المدينة متجهاً إلى الدار التي يقيم فيها الملك الخفاجي للتسليم عليه ، فحسَّن المفسدون للملك قتله وقالوا له : إنَّك إن قتلته ملكت الموصل وغيرها ويعجز أتابك أن يقيم بين يديك، ولا يجتمع معه فارسان عليك فوقع هذا في نفسه وظنه صحيحاً، فلما دخل نصير الدين إليه كعادته وثب عليه جماعة في خدمة الملك فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظناً منهم أن أصحابه إذا رأوا رأسه تفرَّقوا، ويملك الملك البلاد وكان الأمر بخلاف ما ظنُوا، فإن أصحابه وأصحاب أتابك الذين معه لما رأوا رأسه قاتلوا من بالدّار مع الملك، واجتمع معهم الخلق الكثير، وكانت دولة عماد الدين مملؤة بالرّجال الأجلاد ذوي الرأي والتجربة، فلم يتغير عليه بهذا الفتق شيء .



ب- دور العلماء في تثبيت عماد الدين :


كان عماد الدين زنكي منشغلاً بمحاصرة البيرة سنة 539ﻫ وكانت هذه المدينة قد أوشكت على السقوط في يد عماد زنكي فورد إليه نبأ مقتل نائبه بالموصل نصير الدين جقر فانزعج كثيراً واضطر عماد الدين إلى الرحيل عن البيرة وأرسل نائباً عنه إلى الموصل لاستطلاع حقيقة الأمر وهو القاضي تاج الدين بن يحي بن الشهرزوري كان ملازماً لعماد الدين أثناء محاصرته للبيرة، فلما وصل تاج الدين إلى الموصل علم أن الملك السلجوقي ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه كان وراء مقتل نصير الدين جقر ليملك الموصل في غياب عماد الدين عنها ، ولذلك قام القاضي تاج الدين بن الشهرزوري بخدعة كي يفسد على الملك السلجوقي زعيم الإنقلاب بالموصل مخططه، فدخل في الدار التي كان يحاصره فيها أصحاب جقر وأصحاب عماد الدين زنكي، وظل يخادعه بمعسول الكلام ويحسن له ما فعله مع جقر ويشجعه على الصعود إلى قلعة الموصل حتى يملكها ويكون في مأمن، حيث يوجد بها الأموال والسلاح فيستطيع بعد ذلك تملك الموصل، فاقتنع الملك السلجوقي بن محمود وخرج في صحبة القاضي تاج الدين وصعدا معاً إلى القلعة، وهناك قبض عليه وعلى من معه من أتباعه الذين قتلوا نصير الدين جقر، وبعد ذلك توجه القاضي تاج الدين إلى عماد الدين زنكي وبلغه بكل ما فعله فسكن جأشه وأطمأن قلبه ، ومما تقدم يتضح لنا مدى ما بلغه القاضي تاج الدين من الفطنة وحسن التصرف، مثل باقي أقاربه من بيت الشهرزوري الذين إمتلأت بهم دولة عماد الدين زنكي وعين عماد الدين زنكي قائده زين الدين علي كجك ليحل محل جقر نائب الموصل المقتول ثم ذهب هو بنفسه بعد ذلك لإقرار الأوضاع هناك .



ج- سياسة عماد الدين مع الملك الآخر ألب أرسلان :


أبدى زنكي، بعد مقتل الخفاجي، عطفه على الملك الآخر ألب أرسلان، فألغى احتجازه في أحد معاقل سنجار وعطف عليه وعين بتفاصيل أمره وعين له حراساً وموظفين لخدمته واهتم بمراسيم جلوسه وركوبه، وطالب رجاله بالاهتمام بأمره واحترامه وتلبية مطالبة وقد استهدف من هذه الإجراءات تغطية مقتل الملك الخفاجي ، كي لا يثير السلاجقة ضده ومحاولة منه لاستغلال ألب أرسلان لتحقيق أمله في المستقبل وذلك بالمطالبة بتوليته سلطنة العراق. بعد وفاة عمه السلطان مسعود، ليصبح زنكي المتحكم الفعلي باسم السلطان
الجديد .




علاقة عماد الدين زنكي بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية :




تسلّم عماد الدين زنكي الموصل من الأمير جاولي وأقطعه الرحبة وأعمالها ، ثم انصرف إلى تنظيم جاولي وأقطعه الرحبة وأعمالها ، ثم انصرف إلى تنظيم شؤون إمارته إداريا وعسكريا مستنداً في ذلك إلى ما كان سائداً عند السلاجقة من نظم الحكم، فولَّى نصير الدين جقر قلعة الموصل، وفوَّض إليه أمر الولاية جميعها، وعيَّن الياغسياني أمير حاجب والقاضي الشهرزوري قاضي بلاده وما يفتحه من بلاده ، ثم انصرف إلى العمل على تحقيق هدفينَّ وضعهما نصب عينيه هما :

* تأسيس دولة وراثية وتوسيعها عن طريق ضّم المدن والامارات المحلية في الجزيرة وبلاد الشام، وتوحيدها مع إمارة الموصل.

* تكوين جبهة إسلامية متماسكة تستطيع مواجهة الصليبيين وتطردهم من الشرق الإسلامي، فدخل من أجل ذلك في علاقات سياسية عسكرية مع الأمراء المحليين
.

ويبدو أنه لم يتمكن من المضي قدُماً في تحقيق هدفيه في بادئ الأمر، بسبب انغماسة في أحداث العراق، مما صرفه عن ميدان بلاد الشام، إذ شهد هذا البلد آنذاك صراعاً بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية من أجل الاستئثار بالنفوذ تدخل فيه عماد الدين زنكي، وانتهى بانتصار واضح لصالحه وتحديد مستقبله السياسي .



أولاً : محاولة عزل عماد الدين زنكي عن الموصل :


تراوحت علاقة عماد الدين بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بين التعاون المثمر والعداء الشديد وفقاً للمصلحة العامة والشخصية في الوقت نفسه، على أن هذه التقلبات لم تؤثر على مركزه في ولاية الموصل والجزيرة وبلاد الشام، فقد تعَّرض في بداية حكمه، لمحاولة استهدفت عزله عن منصبه وإحلال دُبَيس بن صدقة أمير الحلة مكانة، ذلك أن هذا الرجل كان قد التحق بخدمة السلطان سنجر، سلطان السلاجقة العظام في خراسان، وأضحى من أمرائه المقربين وحدث أن توجه محمود سلطان سلاجقة العراق إلى خراسان لتصفية المشاكل القديمة مع عمه سنجروأثناء المباحثات التي جرت بينهما طلب سنجر من ابن أخيه محمود أن :

* يعزل عماد الدين زنكي عن الموصل والجزيرة وبلاد الشام ويوليها لدُبَيس.
* يطلب من الخليفة تحسين علاقاته به بعد المشاكل التي أثارها ضد الخلافة
.

ويبدو أن محموداً استجاب لطلب عمه، فعندما وصل إلى بغداد في مطلع عام 523ﻫ/آخر عام 1128م) سعى لدى الخليفة المسترشد بالله لتحقيق ذلك، كما طلب من عماد الدين زنكي التخلي عن منصبه وتسليمه لُدبَيس .

كان هذا الطلب كافياً للقضاء على آمال عماد الدين زنكي وتطلعاته السياسية، لذلك تحرك على وجه السرعة لإحباط هذا التدبير، فقدم إلى بغداد، وتمكّن بعد مباحثات طويلة من إقناع السلطان بضرورة إبقائه على ولاية الموصل لمجابهة الصليبيين، كما أكَّد طاعته وإخلاصه له فخلع عليه وجّدد له ولايته، وكتب له منشوراً جديداً بحكم الموصل والجزيرة والشام، تأكيداً لمنشور عام 521ﻫ وقد ساعدت عماد الدين زنكي مجموعة من العوامل على بقائه في منصبه منها ما بذله الخليفة من جهود لتثبيت زنكي على الموصل بدافع من كراهيته العميقة لدبيس، حتى أنه أرسل إلى السلطان محمود يقول له : إن دبيساً أعان الفرنجة ضد المسلمين فكيف توليه وكان دبيس قد انضم إلى الصليبيين – وهو من الطائفة الشيعية الاثني عشرية – بعد هزيمة 517ﻫ وأسهم معهم في حصار حلب طمعاً بالاستيلاء عليها وحكمها نيابة عنهم.

* لم يكن أهالي بغداد أقل كراهية لدبيس وحقداً عليه من الخليفة نفسه، حتى أنهم تظاهروا ضده لدى دخوله العاصمة وراحوا ينددون به ويهتفون بالتأييد والدعاء للخليفة والسلطان بسبب محاولات دبيس المتكررة لنهب بغداد وتخريبها. فضلاً عن مساعدته للصليبيين .

* ولم يكن في صالح السلطان محمود نفسه عزل زنكي عن الموصل وهو الذي وقف إلى جانبه في الظروف الحرجة، ولعله لم يقم بمحاولة العزل – أساساً – إلا تحت ضغط عمه سنجر صاحب السلطة العليا على السلاجقة، هذا فضلاً عن أن تعيين دبيساً في الموصل قد يتيح لسنجر أن يتخذ منه صنيعة ضد مصالح السلطان محمود في العراق .



ثانياً : صراع البيت السلجوقي على السلطنة بعد وفاة السلطان محمود :




أطمأن زنكي إلى ولايته طيلة الأعوام الأخيرة من حكم السلطان محمود وعند ما توفي هذا في منتصب عام 525ﻫ أرسل زنكي إلى الخليفة المسترشد يطلب منه أن يقيم الخطبة ببغداد للملك السلجوقي ألب أرسلان – وهو أحد الملكين اللذين انيطت بزنكي مهمة الإشراف على تربيتهما، إلا أن الخليفة اعتذر عن ذلك محتجاً .


1-بصغر سن ألب أرسلان وبعدم صلاحيته للحكم.

2-بأن السلطان كان قد عهد بالسلطنة من بعده وهو بأصفهان إلى إبنة داوود.

3-بأن حكام الولايات قد بدأوا فعلاً بإقامة الخطبة له وأضاف، بأنه لن يقدم على اتخاذ أي إجراء بهذا الصدد قبل أن تصله رسالة من السلطان سنجر زعيم السلاجقة الكبار في خراسان
.

وهكذا فوَّت الخليفة فرصة ذهبية على عماد الدين زنكي للاستفادة من وفاة السلطان محمود، الذي لو نجح في اغتنامها لأتاحت له مجالات جديدة في العمل السياسي، ودفعته إلى الخروج عن الولاء للسلاجقة بتنصيب أحد أمرائهم المقيم تحت إشرافه في الموصل سلطاناً على سلاجقة العراق فيصبح بذلك المتحكم الفعلي في شؤون العراق باسم السلطان الجديد .

وفي العام التالي استطاع السلطان مسعود بن محمد – حاكم أذربيجان استمالة زنكي لمساعدته في المطالبة بعرض سلاجقة العراق، لقاء منحه مدينة أربل الحصينة شرقي الموصل، وتم الاتفاق بينهم على أن يتجها إلى بغداد لمطالبة الخليفة المسترشد بالخطبة لمسعود والاعتراف به سلطاناً على العراق ، إلا أن سلجوق شاه بن محمد – أخو مسعود الذي كان يطمح هو الآخر بعرش السلاجقة في العراق سبق أخاه إلى بغداد، وطالب الخليفة بالخطبة له فامتنع الأخير عن تنفيذ طلبه، ولما سمع سلجوق شاه باقتراب زنكي على رأس قواته الموالية لمسعود، أمر قائده (قراجا الساقي) بالإسراع في التوجه شمالاً لإيقاف تقدمه، فوصل إلى مشارف سامراء بأقل من يومين، ودارت المعركة بين الطرفين عند قصر المعشوق على الجهة المقابلة لسامراء، وانتهت بهزيمة زنكي وأسر عدد كبير من قواته، فلجأ بمن معه من فلول إلى تكريت حيث أسرع وإليها نجم الدين أيوب بإقامة المعابر لهم، وإكرام ضيافتهم لحين عودتهم إلى الموصل ، وهناك استطاع زنكي أن يعيد تنظيم قواته، بعد أن أنفق عليها أموالاً كثيرة وجهزه بالمؤن والمعدات .



ثالثاً : موقف السلطان سنجر من الأحداث :



كان السلطان سنجر يراقب تطورات الأحداث السياسية في العراق، بهدف انتهاز فرصة للتدخل والهيمنة على مقدرات الأمور واخضاع سلاجقة العراق لإشرافه المباشر. وحتى يدعم موقفه، رأى أن يستقطب كلاً من عماد الدين زنكي ودُبيس بن صدقة، فطلب منهما التوجه إلى بغداد والاستيلاء عليها وإقامة الخطبة فيها له ولخليفته الملك طغرل بن محمد بن محمود، وتعهد بإضافة شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي، وبإقطاع الحلة لدُبَيس فوافق عماد الدين زنكي على هذا العرض لاعتقاده بأن النصر سيكون حليف سنجر، وبذا يستطيع أن يحقق مزيداً من مطامعه أدرك كل من مسعود وسلجوقشاه أن الصراع بينهما سوف يتيح الفرصة لتدخل عمهما سنجر ويقضي على مصالحهما في العراق فعقد صلحاً بينهما ووحَّدا قواتهما للوقوف في وجهه، لكن سنجر انتصر على جيوشهما، وأجلس طغرل بن محمد علي عرش سلاجقة العراق في شهر جمادي الآخرة عام 526ﻫ/ شهر نيسان عام 1132. في هذه الأثناء كان عماد الدين زنكي ودُبيس قد اقتربا من بغداد، واشتبكاً مع قوات الخليفة في " أواخر شهر رجب/ شهر آيار" وحلَّت بهما الهزيمة، فتراجع عماد الدين زنكي إلى الموصل، وقام دُبيَس بمحاولة فاشلة لاستعادة الحلة واستطاع مسعود، بعد سلسلة من الحروب، أن يقضي على منافسيه ويجلس على عرش سلاجقة العراق بموافقة سنجر في شهر صفر عام 527ﻫ/شهر كانون الأول عام 1132م.



- نتائج تلك الحروب :


كان للحروب التي حدثت بين السلاجقة فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، واشتراك عماد الدين زنكي فيها نتائج هامة على وضعه السياسي والعسكري منها :


1-أنه خسر علاقته الودية بالسلطنة السلجوقية التي استفاد منها في أيام السلطان محمود، إلا أنه حصل على مدينة إربل المهمة عسكرياً.

2-اتسعت شهرته كأمير ذي قوة مؤثَّرة في الصراع الدائر في المنطقة.

3-خرج من تلك الحروب وقد تعرَّف على عائلة بني أيوب، مما سيكون له أثر كبير في تطور هذه العائلة، وازدياد نشاطها
.

4-تدهورت العلاقات بينه وبين الخلافة العباسية .




رابعاً : محاصرة الموصل :



أرسل المسترشد بالله إلى عماد الدين الإمام أبا الفتوح الاسفرايني، فأغلط له في القول فأهانه عماد الدين وعاد إلى المسترشد بالله فسار إلى الموصل بثلاثين ألفا سنة 527ﻫ ، وحصرها في 20 رمضان فنزل زنكي بالموصل نائبه نصير الدين وسار هو إلى سنجار ليقطع المسيرة عن عسكر الخليفة واستمر الحصار ثلاثة أشهر وعاد الخليفة إلى بغداد يوم عرفة وسبب هذا الحصار سير عماد الدين زنكي السابق إلى بغداد، واختلاف سلاطين السلاجقة، وإهانة زنكي لرسول الخليفة ، لم يتمكن جيش الخليفة من اقتحامهم الموصل وكان عماد الدين في غضون ذلك يشن الهجمات عليه، حتى أضحى محاصراً، فتناقضت أقواته وساء وضعه القتالي. وعلى الرغم من هذا الموقف الصعب الذي وجد الخليفة فيه نفسه إلا أن عماد الدين زنكي لم يتمكن من النيل منه، وكان تراجع الخليفة العسكري الذي حصل بعد ذلك نتيجة لعوامل خارجية. إذ استغل السلطان مسعود فرصة انهماك الخليفة بحصار الموصل فتوجه إلى بغداد لتعزيز مركزه فيها، واستغاث بُدَبيس بن صدقة للاستيلاء عليها تلقى الخليفة هذه الأنباء المقلقة، وهو يحاصر الموصل، ففكَّ الحصار عنها وعاد إلى بغداد ليدافع عن عاصمته، فوصل إليها في العاشر من شهر ذي الحجة . وبذلك تخلص عماد الدين زنكي من الخطر الذي كاد يقضي على آماله .



خامساً : التوتر بين عماد الدين والسلطان مسعود :




أجرى الخليفة المسترشد بالله العباسي مفاوضات ناجحة مع عماد الدين زنكي وعُقد الصلح بين الجانبين في مطلع عام 528ﻫ أواخر عام 1133م وتبودلت الهدايا، وأرسل عماد الدين زنكي ابنه سيف الدين غازي إلى الخليفة ليؤكد طاعته وولاءه له واستنجد الخليفة بزنكي عام 529ﻫ أثناء صراعه مع السلطان مسعود وكان عماد الدين زنكي آنذاك يحاصر دمشق، ففك الحصار عنها، وعقد صلحاً مع حكومتها حتى لا يُطعن من الخلف وعاد مسرعاً إلى بغداد لنجدة الخليفة إلا أنه وصل متأخراً، إذ انتصر السلطان مسعود على الخليفة المسترشد في المعركة التي دارت بينهما في العاشر من شهر رمضان ووقع في السر، وظل مأسوراً حتى منتصف ذي القعدة، حين هاجمه جماعة من الباطنية وقتلوه وقد فصلت في سيرة المسترشد بالله العباسي في كتابي عن دولة السلاجقة والمشروع الإسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي. هذا وقد أخذت البيعة بعد مقتل المسترشد بالله لابنه أبو جعفر منصور الملقب بالراشد بالله (529ﻫ -530ﻫ) بموافقة السلطان مسعود ، وهكذا ضاعت فرصة أخرى من يد عماد الدين زنكي للسيطرة على العراق ، ونتيجة لهذه التطورات السياسية ازداد التوتر بين عماد الدين زنكي والسلطان وقد بلغ حداً دفع الثاني إلى تدبير مؤامرة لاغتيال الأول حتى يتخلص من خطره بشكل نهائي فاستدعاه إلى أصفهان، لكن دُبَيساً أخبره. بنواياه وحذَّره من التوجه إلى بلاطه، فامتنع عن الذهاب، ولما علم السلطان بما فعله دُبيس قتله على الفور . وكان عماد الدين زنكي قد أحسن لصدقه فعندما وقع في يدي تاج الملوك حاكم دمشق طلب عماد الدين من أمير دمشق أن يسلمه دُبيساً وإن امتنع عن تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخرّبها ونهب بلدها فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، وأرسل عماد الدين سونج بن تاج الملوك والأمراء الذين معه، وأرسل تاج الملوك دُبيساً، فأيقن دُبيس بالهلاك ففعل زنكي معه خلاف ما ظن وأحسن إليه وحمل له الأقوات، والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن وقدمه على نفسه وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك . ولما سمع عماد الدين زنكي بمقتل دبيس بن صدقة قال : فديناه بالمال وفدانا بالروح وذكر ابن كثير بأنه فداه بخمسين ألف دينار ومالبثت العلاقات أن تدهورت بين الخليفة الجديد وبين السلطان مسعود واجتمع لدى الراشد عدد من الأمراء المناهضين للسلطان، وجندوا له العمل على إسقاطه والمجئ بسلطان جديد يرتضونه وفي مستهل صفر عام 530ﻫ وصل زنكي بغداد قادماً من الشام بعد أن استدعاه الراشد واتفق معه على إعلان الخطبة لألب أرسلان المقيم في الموصل ، وانضم إلى الأمراء الذين كانوا قد حرضوا الخليفة على إعلان العصيان ضد السلطان مسعود ، وجد الخليفة أن الفرصة قد سنحت للبدء بالعمل، فألغى الخطبة لمسعود وحولها لداود بن محمود، خلافاً لما تم الاتفاق عليه مع زنكي .

وقام السلطان الجديد بتعيين شحنة له في العراق، ولم يمض على ذلك سوى وقت قصير حتى دبت الخلافات بين الراشد وسائر الأمراء بسبب المنافسات والأحقاد القديمة واتفق المتحالفون على توجيه ضربتهم للسلطان مسعود في بلاد فارس نفسها، إلا أنهم ما أن قطعوا مسافة قصيرة حتى ورد خبر بتوجه مسعود على رأس قواته صواب بغداد، فارتأوا أن يعودوا إليها لاتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة لصد الهجوم ومالبث السلطان مسعود أن فرض الحصار على بغداد، وجرت مناوشات ومعارك جانبية بين الطرفين لم تستقر عن نتيجة حاسمة وسعى الخليفة إلى إحلال الصلح وإنهاء الصلح وإنهاء دون جدوى وأخذت الأوضاع داخل بغداد تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ، ونجح السلطان مسعود في دخول بغداد وخلعه عن سدة الخلافة وولىّ المقتفي لأمر الله مكانه في شهر ذي الحجة عام 530ﻫ أيلول عام 1136م ، وغادر الراشد بغداد متوجهاً إلى الموصل بصحبة عماد الدين زنكي، والجدير بالذكر أن الخطبة للمقتفي اقتصرت على بعض أنحاء العراق بينما استمرت مناطق الموصل والجزيرة وبلاد الشام تخطب للراشد الذي كان يتمتع بحماية عماد الدين زنكي .




سادساً : مصالحة عماد الدين زنكي للسلطان مسعود :



لم يدم التحالف طويلاً بين عماد الدين زنكي والراشد فقد شعر كل منهما بضعف موقفه أمام موقف السلطان والخليفة الجديد لذلك أسرعا بإرسال الرسل للتوسط لديهما وإنهاء حالة الحرب ، وأضحى عماد الدين زنكي على الرغم من ضعف موقفه، القوة التي تتطلع إليها الأطراف المتنازعة لاستقطابها، وهكذا استمالة أعوان المقتفي، إلى جانبهم وكافأة الخليفة، بأن أقطعه بعض أملاكه وزاد في ألقابه ، واضطر تحت ضغط الأحداث السياسية والعسكرية إلى التخلي عن حليفه الراشد كانت التقلبات السياسية السريعة بعماد الدين زنكي تهدف إلى ضمان استمرار حكمه، وتحقيق وحدة الصف الإسلامي في الموصل والجزيرة والشام لتكوين جبهة إسلامية موحّدة تقف في وجه الصليبيين ، وكان من الطبيعي أن تتحسن العلاقات بينه وبين السلطان مسعود الذي أرسل إليه في شهر ربيع الأول عام 532ﻫ/ شهر تشرين الثاني عام 1137م التشريف الكامل والخلع ، وأدرك عماد الدين زنكي خطورة الأوضاع في شمالي الشام بفعل تهديد الصليبيين لمدينة حلب التي كانت تعاني من الفوضى في ظل صراع على السلطة بعد وفاة حاكمها إيلغازي الأرتقي في شهر رمضان عام 516ﻫ/1122م، فأرسل قاضيه الشهرزوري ليشرح للسلطان هذا الوضع، ويطلب منه مساعدة عسكرية لإبعاد الصليبيين عن المنطقة ونجح الشهر زوري في مهمته، وتمكّن من إقناع السلطان بإمداده بقوة عسكرية إلا أن رسالة عاجلة وصلت إلى بغداد من عماد الدين زنكي، أفادت بأن الصليبيين رحلوا عن حلب، وأنه لم يعد بحاجة، إلى المدد العسكري وتدليلاً على العلاقات الجيدة بين السلطنة السلجوقية والدولة الزنكية، فقد أرسل السلطان مسعود رسالة تهنئة إلى عماد الدين زنكي وهو على أبواب حمص بمناسبة انتصاره على الصليبيين وخلع عليه الخلع السلطانية، إلا أن هذه العلاقات تبدَّلت في عام 538ﻫ/1143م حين حاول السلطان مسعود الذي خشي من طموحات عماد الدين زنكي واتساع رقعة إمارته، وتنامي قوته العسكرية، توجيه ضربة حاسمة له، معتقداً بأنه وراء القلاقل التي كان يقوم بها أمراء الأطراف ضد حكمه في العراق وأن هؤلاء لا يلتزمون بسياسته والراجح أن عماد الدين زنكي هدف إلى إلهاء السلطان لمنعه من مضايقته وبذلك يستطيع وهو مطمئن أن يؤطد نفوذه في الموصل ويوسع رقعة أملاكه على حساب الأمراء المسلمين المجاورين، ويحارب الصليبيين . ولما علم بنوايا السلطان أرسل إليه يستعطفه ويستميله وفعلاً جرت مفاوضات بين الطرفين أدّت إلى إعادة الوفاق بينهما وكان من أهم بنود الصلح أن :

- يدفع عماد الدين للسلطان مبلغ مائة ألف دينار.

- يتنازل له عن بعض إقطاعاته.

- يحضر شخصياً إلى بلاطه لإعلان الطاعة .

- والواضح أن تراجع السلطان عن موقفه العدائي تجاهه يعود إلى أمرين
:


الأول : أنه أدرك خطورة الوضع في الجزيرة وشمالي الشام حيث غدا الصليبيون يشكلون خطراً مباشراً على المنطقة وأن عماد الدين زنكي هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تقف في وجههم، وترغمهم على التراجع.

الثاني : أنه جوبه بمعارضة شديدة من رجال دولته ومواطنيه من أجل إبقاء إمارة الموصل كحاجز قوي متماسك أمام أطماع الصليبيين، وقد أوضحت هذه المعارضة أن عماد الدين زنكي هو الأمير الوحيد في المنطقة الجدير بالتصدي لتلك الأطماع وأن القضاء عليه يعني فتح الطريق أمام الصليبيين في العراق بعد إقرار الصلح، أرسل عماد الدين زنكي عشرين ألف دينار كدفعة أولى تنفيذاً للبند الأول من الاتفاق، ثم تنازل السلطان عن المبلغ المتبقي بهدف استقطابه وكسب وده حتى لا ينضم إلى أمراء الأطراف الذين خرجوا عن حكمه، كما تغاضى عن تنفيذ البند الخاص بحضوره إلى البلاد السلجوقي، وعذره بسبب انهماكه في جهاد الصليبيين إلا أنه اشترط عليه فتح الرها .وقامت علاقات عماد الدين زنكي مع الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله على الود والتعاطف، واستمَّرت الصلات المتبادلة بينهما، وازدادت هذه العلاقات وثوقاً بعد أن فتح عماد الدين زنكي الرها في عام (539ﻫ/1144م) حيث منحه عدداً من الألقاب، كالأمير الكبير، العادل، المؤيد، المظفر، المنصور. وهكذا يتضح أن عماد الدين زنكي اتبع سياسة مستقلة إلى حد كبير، تجاه علاقته بكل من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، وأضحى يشكل قوة مؤثرة ضاغطة في الأحداث التي شهدها العراق مستغلاً علاقات الخلافة المتقلبة بالسلطنة السلجوقية لتحسين وضعه السياسي غير أن هذه السياسية لم تؤدَّ إلى استقرار وضعه بل على العكس هدَّدت حكمه بين الفينة والفينة، ولولا نجاحه في مقاومة الصليبيين وإقامة إمارة حاجزة في الموصل، بينهم وبين العراق لكان من المحتمل أن تتعَّرض إمارته لخضات سياسية شديدة وخطيرة، ربما أودت بجهوده في بناء دولة .








 
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لعبه .... سموألامير ..... سمو الاميره ..... مجودي جوري الألعاب والمسابقات 6266 02-03-2009 05:38 AM
[ عبدالله ].. سيرةُ ملك .. شفتك البارح جوري الأخبار والأحداث 2 15-11-2007 01:28 PM


الساعة الآن 04:24 PM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لشبكة جوري العربية